24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

18/07/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:4106:2613:3917:1920:4222:12
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد
الاثنين

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد بقاء رونار مدربا للمنتخب الوطني المغربي؟

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | منبر هسبريس | من ذكريات الطفولة بسلا

من ذكريات الطفولة بسلا

من ذكريات الطفولة بسلا

ذكريات الطفولة: "مسيد الفقيه السهلي" بسلا .. أنت أذبح و أنا نسلخ...

أنا الآن الطالب في مسيد الفقيه السهلي، ذلك الرجل الورع الذي ساهم في إسراج مصابيح مدينة سلا و إعلاء شأنها، بتدريس أفواج من أبناء الأعيان و الفقراء سواسية في نفس الصف. كل الذين مروا من هناك اكتمل صرحهم، و استطال و زاد شموخا. هم الآن وجهاء، و علماء، و قضاة.

لم يمهلني الفقيه فرصة لأحضر نفسي كمبتدئ يكتشف لتوه عوالم الكتاب القرآني، و مقبل على التدرج في تعلم حروف الهجاء. لقد أجلسني فوق كرسي مستطيل في الصف الأول، في شكل يؤثث نصف حلقة مقابلة لمجلسه الموقر. كان الأطفال يحملون لوحات صغيرة يتهجون فيها الحروف الغير منقوطة، رافعين عقيرتهم في تناغم غير منسجم، صارخين بأصواتهم المبحوحة: " ألف، باء، تاء، جيم ..." و أعينهم تسترق خلسة النظر إلى العصا التي يحكم الفقيه قبضتها بيده اليمنى، و يرسم بها أشكالا هندسية، تضبط تناغم الأصوات، في شبه عزف موسيقي لجوق لا يحسن النوطة.

تأملت بفضول اللوح و قلم القصب، المركونان جنب الجدار الخلفي للمسيد. و مددت يدي لأتحسس مداد الصمغ، تلك المادة اللزجة كالغراء التي تتحلب و تسيل من بعض الأشجار، و تتجمد بالتجفيف، و تقبل الذوبان في الماء، وضعت سبابتي داخل المحبرة الممتلئة بالمداد، كمن يريد التذوق بلهفة لذة العسل المذوب قبل أن تغمس فيه الرغيفة "الفلالية"، ذات صباح عيد فطر. سرحت عيناي في تأمل تفاصيل فضاء المسيد، بنشوة الطفل الذي أصبح طالبا كما كان إخوته الأكبر منه سنا. إنها الوثبة نحو المستقبل التي أنعشت الأمل في نفسي، لأنفتح على عوالم القراءة و الكتابة و حفظ القرآن الكريم.

تأملت وجوه أقراني من الطلبة. فغمرتني الفرحة عندما وجدت من بين المتحلقين، بعض أبناء الحي الذين ألعب معهم "الخوشيبات" و "البي" في الحومة. التصقت عيناي بعصا غليظة يوصل بطرفيها حبل، بجانبها ينتصب سوط جلدي مظفر بشكل بديع. خلتهما لعبتان بمتناولنا لتقوية الفهم و صقل المواهب، و تطوير المدارك. ازداد فضولي، و تمنيت لو اكتشف سر تلك اللعبة بسرعة، فكان لي ما تمنيت.

لقد لا حظ الفقيه شرودي وسط هذا العالم الجديد، فلم يمهلني الوقت لأتشبع و أروض نفسي على كذا موقف. و دون سابق إنذار أو توبيخ، أمر غلامين قويين أن يحسنوا قبضتي و وضع رجلي وسط اللعبة الأولى التي تقوي المدارك، و تكبيلي، لأنال ضربات على رجلاي باللعبة الثانية التي تصقل المواهب. استغربت من ردة فعلهم ، حتى أنني لم أتألم من فرط الضرب المبرح.

رجعت باكيا للمنزل، أشكو هذا الاغتصاب المفاجئ. لأتلقى جوابا باردا من والدي: "تكبر و تنسى...راه الأماكن للي كتضرب بعصا الفقيه لا تمسها النار يوم القيامة..." يا و يلي، إنه تواطؤ الآباء، فهم يعتقدون أن العقاب وسيلة فعالة لإرغام النشء على العمل الجدي. و يتضح ذلك منذ اليوم الأول. فبمجرد الحضور أمام الفقيه، تصبح تحت سلطته المهابة، سلطة مفوضة، بتأشيرة مفتوحة من الوالد: "غير اسلخ و أنا ندبح".

لقد أصبح الفقيه بمثابة كابوس في حياتي، فأضحيت المتعلم الذي يتعرض إلى كل أشكال العقاب، كلما عسر علي الفهم، أو ارتكبت خطأ، لسبب أو لآخر. فالفقيه هو المتكفل بتهذيبي و تقويم سلوكي و أخلاقي، و لو خارج الكتاب القرآني. مما أرغمني لأرتب أوراقي، و ادرس خطواتي، ليراني والدي في المكانة المرجوة. فالفقيه لا يسعه إلا سماع ما اقترفه من أخطاء، حتى يحسن تأديبي.

كانت فرائصي ترتعد كل صباح، و أنا في اتجاه المسيد. لا طمأنينة في الفصل. و إن قدر و نجيت من الفلقة لأنني حفظت دروسي جيدا، فمن يضمن لي النجاة من ذلك السوط الجلدي، الذي كان الفقيه " يفرفر" به فوق رؤوس الطلبة بقوة تحدث زفيفا، كأنه حوامة تتأهب للطيران ، ليهوي به على رأس كل من جنا على نفسه بالسهو أو الكلام. المشكل أن سوط الفقيه عندما يهوي على رأس، فإنه يجر معه الأخضر و اليابس. فيصيب الجاني و البريء في "جدارة الأذن"، لعدم دراية الفقيه بفن الرماية. و هكذا أصبحت العصا شر لا بد منه، في كل الأحوال.

إنه رعب حقيقي تعايشت معه و أنا طفل لم يطفئ بعد شمعته الثالثة، و أقبل لتوه على تعلم الأبجديات الأولى للكتابة و القراءة و حفظ ما تيسر من القرآن.

كانت أسعد أيام الأسبوع، عندما يخبرنا الفقيه أننا سنذهب بيت سيدة أشتد حملها و عسر عليها الوضع، لندعي لها بالأدعية المعروفة" آ نفيسة طال بها النفاس، يا ربي أعطيها لخلاص". أو يجمعنا في مقدمة صفوف الداعين الله بعد صلاة الاستسقاء، في مواكب مهيبة، بجلابيبنا المقلوبة، مرددين" ربنا نعسوا رضاك و على بابك واقفين، يا من يرحمنا سواك، يا أرحم الراحمين".

ومع كل ذلك، أجدني اليوم أفتخر أنني درست بالمسيد، و دقت لذة الفلقة، و مسحت صمغ اللوحة، و حفظت تحنيش الفقيه للوح بسطرين أو ثلاثة، و اتبعت ما خطه بالقصبة و مداد الصمغ، قبل أن أملك زمام نفسي. لقد كانت طاعة الفقيه من طاعة الله. و هذا ما أثار حفيظة المستعمر، الذي استاء من هذا الإتحاد بين الأسرة و المدرسة و المجاهدين ضد الاستعمار. فقام بتحدي بلغ مداه، عندما أغلق الكتاتيب القرآنية و حولها لخمارات بمدينة سلا. مما دفع رجال المقاومة الوطنية ذات يوم من سنة 1934 ، للقيام بمسيرة ضخمة بالهراوات، حيث تم إفراغ 27 خمارة. أرجعت بعدها الكتاتيب القرآنية لتقوم بوظيفتها. رحم الله الفقيه السهلي و أسكنه فسيح جناته.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (6)

1 - مواطن السبت 24 يناير 2015 - 15:24
تتميم للاخ قنديل منهم من هو وزير في الحكمات السابقة الله يرحم الفقيه السهلي
2 - البوشيخي الأحد 25 يناير 2015 - 12:02
الذي خلق منك إنسانا مثقفا وواعيا ليس هو المسيد أو الفقيه ، لأن الأشياء التي ذكرت خلقت منك ومنا أناس مرعوبين وخائفين"كانت فرائصي ترتعد كل صباح، و أنا في اتجاه المسيد". أما المعلمين والمدرسة الفرنسية والمعلمين المغاربة الحداثيين الذين لقنوك العربية ،هم الذين خلقوا منك هذا الإنسان المثقف الذي يسرد ويحكي لنا عن مدينة سلا . قل لي ماهي القيمة المضافة التي أضافها لمستواك فقيه الحي سوى الرعب والخوف من الفلقة ، ونفس الشيء اليوم يعاني منه الملايين من أطفال المغاربة اليوم من دور القرآن والمدارس الحرة التي يديرها إسلامويون ومدارس التجويد ، فهل بهذا التعليم سنلتحق بتعليم الدول الأخرى ،وسيتخرج من بلادنا علماء ومفكرين ؟
3 - الرياحي الاثنين 26 يناير 2015 - 17:45
لا أعرف ما هو الصمغ فعندنا في دكالة نستعمل مداد إسمه السمق يصنع من صوف ذيل الخروف السمين المحروق.لم أرى في طفولتي آلة الفلقة المرهبة ولحد الآن لم أراها.كان فقيهنا (بما أنك من مدينة سلا فهو إمام في مسجد "تابريكت" وإسمه سي أحمد بن الدومية الدكالي أطال الله عمره ) صارما لكنه يستعمل فقط قصبة لينة يهش بها علينا نحن معشر "المحاضرة أو المحاضرية".لم أكن أذهب للجامع مرهوبا ولا خائفا.لست أدري أن الكل يذكر الفلقة وقسوة الفهيه وغلظه.كنت أذهب بصفة متقاطعة يوم أذهب ويومين أترك بذون أي لوم أو ضرب أو عقاب .أظن أن الكاتب بالغ أو لصغر سنه لم يستوعب كل شيئ.
4 - عباس الاثنين 26 يناير 2015 - 17:45
الرعب الذي كان يزرعه الفقيه في التلاميذ كانت نتائجه تظهر من بعد، إذ كان المعلم يبدو لنا أكثر من الأب واحترامه كان واجبا على الجميع. بالتالي كنت خوفا من الفلاقة تحفظ دروس عن ظهر قلب والصوت الوحيد الذي يسمع في القسم هو صوت الذباب. مع انتهاء التفويض الأبوي "ذبح ونا نسلخ" دخلنا في متاهات وحسابات أخرى كانت نتيجتها هو حال تعليمنا "من ناحية الاخلاق" على ما هو عليه اليوم
5 - جلال الحلبي إيطاليا الأربعاء 28 يناير 2015 - 20:10
شكرًا أستاذ لهذا التذكير عن مرحلة أراها اليوم انها كانت جميلة جداً ، فبدوري كنت طفل صغير اقطع المسافة من الكربان حتي المسيد كنت اول من يصل اقبل يد سيدنا الفقيه وتسلمه فلوس (لاربعية ) نسبة ليوم الأربعاء حيث نعطي لسيدنا واجب تعليمه لنا كان يلقبني بالقط ولد الكاريان لأنني كنت كثير الشغب بين الصغار وشرب المداد اتذكر تلك المرحلة التي كنت عند خروجي من المسيد لا اذهب الى البيت الا بعد القيام بالمرور عبر كل الممرات الضيقة بسلا القديمة من بوطويل حتي باب سبتة مرورا بسبع تلاوي ، نعم انها مرحلة من مراحل العمر ،المهم علمت ان من بين الأطفال الذين تعلموا عند الفقيه السهلي سنوات الستينات هناك من اصبح له وزن ومنصب هام وهناك من مات واخرون ظلوا مهمشين ، ايام مضت وولت لها ما اخدت ولنا ما تركت وتحية لكل شبان الامس شبان سلا
6 - عربية الخميس 29 يناير 2015 - 10:26
درس اخي في المسيد الذي لم يحبه حينها ولا يحب الفقيه صاحب النظارة فكانت امي تأخده للمسيد رغما عنه الى غاية مرة اراد الفقيه ان يعاقبه
فقام اخي الصغير بعضه في فخده
فهم ابي ان لا بد من اخراجه من المسيد الى حين بلوغه سن المدرسة مرت سنوات مات الفقيه فأخبر ابي اخي الصغير ان الفقيه الذي عضه قد مات

تأثر اخي كثيرا ولحد الان يذكر تلك الايام بكل فخر ومحبة ورحمة للفقيه
المجموع: 6 | عرض: 1 - 6

التعليقات مغلقة على هذا المقال