24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

21/09/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4507:1213:2616:4919:3020:45
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الجمعة
السبت
الأحد
الاثنين
الثلاثاء

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما هو المطلب الأكثر أولوية في رأيك؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | منبر هسبريس | مقومات الجودة في الكتابة الإنشائية الفلسفية

مقومات الجودة في الكتابة الإنشائية الفلسفية

مقومات الجودة في الكتابة الإنشائية الفلسفية

يمكن القول بوجود خصائص ومقومات لا بد من توفرها في الكتابة الإنشائية الفلسفية لكي تكتسب طابعا فلسفيا، وتتمكن من بلوغ مستوى الجودة المطابقة لخصائص التفكير الفلسفي. ويمكن أن نختصر أهمها في ما يلي:

1- الإبداع وحضور التفكير الذاتي:

إذا كانت الكتابة الفلسفية، كما أسلفنا، إنشاء وبناء، فإن هذا يعني أنها كتابة إبداعية يتعين أن تتجسد فيها مجموعة من المهارات التفكيرية والقدرات العقلية المستمدة من طبيعة التفكير الفلسفي نفسه. وإذا كان الفلاسفة أنفسهم يختلفون من حيث أشكال وطرق التفكير والاستدلال التي ينهجونها في كتاباتهم وممارساتهم لأفعال التفلسف المختلفة، بالرغم من وجود بعض الخصائص المشتركة بينهم في هذا الجانب، فإنه من البديهي والمفترض أن يختلف التلاميذ أيضا في ما بينهم من حيث الأساليب والأدوات والمواد المعتمدة في التفكير أثناء الكتابة الإنشائية الفلسفية. وهكذا، يتوجب على التلميذ أن يبدع أثناء كتابته للإنشاء الفلسفي لكي يجسد لمسته الذاتية في الكتابة الفلسفية، ولكي يجعل هذه الأخيرة متميزة ومتفردة عن كل كتابة إنشائية فلسفية يمكن أن يقوم بها تلميذ آخر. وهذا يعني أنه بالرغم من أن جميع التلاميذ سيكتبون في إنشاءاتهم الفلسفية مقدمة، وسيحللون الموضوع الاختباري ويناقشونه، وينتهون إلى الخلاصة، فإنهم مع ذلك سوف لن يكتبوا نفس المقدمة، ولن ينجزوا تحليلا مشابها للنص أو القولة، كما أنهم لن يصلوا إلى نفس الخلاصة التركيبية. ومن هنا، فتجسيد التفلسف الصحيح يعني الخروج عما هو جاهز ونمطي ومتشابه، والعمل بالمقابل على تحقيق التميز من خلال الإبداع والإنشاء والابتكار.

ومن أهم تجليات القدرة على الإبداع في الكتابة الإنشائية الفلسفية نشير، مثلا، إلى أن كل تلميذ مطالب بأن يبتكر تمهيدا يسمح له بطرح الأسئلة الفلسفية، مادام أن هذا التمهيد لا يتخذ شكلا واحدا بل أشكال مختلفة، سنشير إليها حين الحديث عن المنهجية المتعلقة بالصيغ الثلاث النص والقولة والسؤال. كما يتجلى الإبداع أيضا في قدرة كل تلميذ على تحليل مفاهيم النص أو القول الفلسفي واستنطاقه، عن طريق الغوص في دلالاته ومعانيه العميقة، مادام أن استخراج الجواهر واللآلئ الفكرية الخفية يظل رهينا بقدرة كل غواص على الغوص في أعماق المفهوم أو العبارة الفلسفية، واستخراج مكنوناتها. هذا فضلا عن اللمسة الإبداعية اللغوية الخاصة بكل تلميذ، والمتناسبة مع مؤهلاته ومهاراته الأسلوبية، ومدى قدرته على تطويع اللغة من أجل مسايرة التفكير العقلي، والتعبير عن الأفكار والمعاني بطرق وأساليب مختلفة.

وإذا كان التلميذ مطالبا أثناء الكتابة الإنشائية الفلسفية بتوظيف أمثلة مستمدة من الواقع، ومن مجالات معرفية مختلفة، سواء من أجل توضيح أفكار النص وتبيانها، أو من أجل استخدامها كحجج للدفاع عن أطروحة القولة الفلسفية، أو من أجل استثمارها أثناء المناقشة من أجل تثمين الأفكار الفلسفية أو نقدها، فإنه ولا شك سيوظف أمثلة ومعلومات مختلفة عن ما سيأتي به تلاميذ آخرون. وهذا مظهر من مظاهر الإبداع في الكتابة الإنشائية الفلسفية.

ويمكن الإشارة هنا أيضا، إلى أن إبداع التلميذ ولمسته الذاتية تتجلى أيضا من خلال تبنيه لوجهة نظر خاصة أثناء معالجته للإشكال الفلسفي، وهذه الوجهة النظر الخاصة هي التي تجعله يتخذ مسافة نقدية من المواقف الفلسفية، ويحاورها باعتماد حجج تتناسب مع قناعاته الذاتية. ومن هنا، فمسار المناقشة في الكتابة الفلسفية لن يكون، بالضرورة، متشابها بين التلاميذ؛ إذ كل واحد منهم سيقود مسار النقاش صوب وجهة محددة، كما أنه سينتقي الأفكار والأطروحات الفلسفية وسيوظفها توظيفا خاصا، ويقدم قراءته الخاصة لها، ويخلق حوارات من نوع خاص بينه وبين الفلاسفة، أو بين الفلاسفة في ما بينهم، أو بينهم وبين صاحب النص أو القولة. وكل هذا سيؤدي حتما إلى استنتاجات غير متماثلة بين التلاميذ، على مستوى ما سيترجمونه في الخلاصة النهائية لمواضيعهم الإنشائية.

2- الحفر المفاهيمي:

يتعلق الأمر هنا بتلك القدرات والمهارات العقلية التي يتوخى من التلميذ أن يكون ممتلكا لها من أجل تحليل المفاهيم الفلسفية، نظرا لأن درجة جودة الكتابة الإنشائية تقاس أيضا بمدى امتلاك التلميذ لتلك القدرة على الحفر في المفاهيم. وقد عبرنا عنها مجازا بمصطلح الحفر، نظرا لما يتطلبه هذا الأخير من أدوات ووسائل، ونظرا لما يقتضيه من إرادة صادقة وطول نفس، من أجل اكتشاف الأفكار والدلالات والعوالم الخفية الموجودة في أعماق المفاهيم الفلسفية، أو الكامنة في العلاقات البنيوية والمتشابكة الموجودة بينها.

وإذا كانت وظيفة الفيلسوف حسب جيل دولوز هي ابتكار المفاهيم، وإذا كان هذا الابتكار يدل على قدرة الفيلسوف على شحن كلمات اللغة الطبيعية بدلالات ومعاني فلسفية، تجعلها ترتقي من مجرد كلمات عادية ومتداولة لتصبح مصطلحات ومفاهيم فلسفية، كما يدل على قدرته على نسج شبكة من العلاقات المفاهيمية التي تتولد عنها تصورات ومعاني ورؤى فلسفية معينة، فإن مهمة التلميذ ستكون ولا شك أثناء تدبيجه لكتابته الإنشائية، وخصوصا في لحظة تحليل النص أو القول الفلسفي، هي البحث عن مختلف الدلالات التي يتخذها المفهوم، والكشف عن العلاقات التي ينسجها الفيلسوف بين المفاهيم المتجاورة والمتحاورة داخل النص الفلسفي. وكلما برهن التلميذ على قدرته على القيام بمثل هذا الحفر المفاهيمي، كلما برهن أيضا على امتلاكه لمهارات عقلية وقدرات فكرية على التفلسف مع الفيلسوف، واكتسابه للعديد من التقنيات التفكيرية التي يستخدمها الفلاسفة في نصوصهم، ويكون على التلميذ من خلال احتكاكه بتلك النصوص، أثناء الفصل الدراسي ومن خلال قراءاته الشخصية، أن يجسدها في كتابته الإنشائية الفلسفية.

ومن هنا، فإن عملية الحفر المفاهيمي، التي تتجلى من خلال تحديد دلالات المفاهيم والكشف عن البنية التي تحكم العلاقات الموجودة بينها، هي عملية جوهرية في الكتابة الإنشائية الفلسفية، وبدونها سوف لن يتمكن التلميذ من كتابة موضوع إنشائي في المستوى المطلوب. فبدون القيام بعملية المفهمة، سيميل التلميذ في لحظة التحليل إلى السباحة فوق سطح النص، وستغيب عنه الكثير من المستويات الدلالية الكامنة في أعماقه، كما سيميل في لحظة المناقشة إلى حشد ذاكرته من أجل استظهار المعطيات المعرفية الموجودة في الدرس، ونحن نعلم أن استعراض المعلومات والمعارف الجاهزة وتقيئها لن تتولد عنه أبدا كتابة إنشائية راقية، تتجسد فيها المهارات والآليات التفكيرية الفلسفية السليمة.

وفضلا عن هذا، فإن اشتغال التلاميذ منذ البداية على الموضوع الفلسفي الاختباري من الناحية المفاهيمية، وهو العمل الذي يتم في المسودة، يمكنهم من ضبط الإشكال الكامن فيه بكل دقة، ويجنبهم الوقوع في خطإ إسقاط إشكال الدرس عليه، كما يمكنهم من ضبط أفكاره وأطروحته بل وحجاجه أيضا، مما يجعل عملية المفهمة ضرورية من أجل الأشكلة والحجاج، ولا يمكن لهاتين اللحظتين أن تتمان بدون تلك اللحظة الأولى.

وإذا كان فعل الحفر في مفاهيم العبارة الفلسفية ليس بالعمل السهل، ولا يتأتى إلا للتلاميذ النجباء وذوي القدرات العقلية الجيدة، فإن هذا الفعل يظل مع ذلك ضروريا لكل تلميذ من أجل إنجاز كتابة إنشائية جديرة بالاحترام، ومطابقة لروح التفكير الفلسفي نفسها. وهذا ما يحتم على مدرسي الفلسفة ضرورة تخصيص أجزاء مهمة من حصصهم الدراسية، من أجل إنجاز تمارين فلسفية كفيلة بمساعدة المتعلمين على تطوير كفاءاتهم في تحليل النص الفلسفي، وقادرة على إكسابهم مختلف المهارات والتقنيات العقلية للحفر في أعماق المفاهيم واستنطاق خباياها المعرفية.

3- التدرج المنطقي والتماسك العضوي:

إذا كانت الكتابة الإنشائية الفلسفية بنيانا، فإنه يتعين على عناصر هذا البنيان أن تأتي مترابطة ومتماسكة؛ ذلك أن مواد البناء ليست هي من يمنح الإنشاء الفلسفي الجودة والتميز، بل إن تلاحم وتناغم وانسجام تلك المواد هو من يمنحه ذلك. ومن هنا يكون من المفيد جدا أن يضع التلميذ، أثناء لحظة المسودة، تصميما أو تخطيطا لكتابته الفلسفية، لأن هذا التخطيط هو من سيجنبه التخبط والتيه والخروج عن سياق الموضوع، كما يسمح له بوضع الفكرة المناسبة في المكان المناسب.

وهكذا، فالتماسك العضوي الحاصل في الكتابة الإنشائية الفلسفية يتجلى من خلال الترتيب الحاصل بين مراحلها وخطواتها، ومن خلال التدرج المنطقي من فكرة إلى أخرى. وهذا ما يجنب الكتابة الإنشائية التصدع والفراغات، ويمنحها السلاسة والانسجام بين عناصرها، ويجعل أجزاءها كأعضاء الجسد الواحد؛ إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى!!

وينسجم هذا التدرج والتماسك الحاصل بين الأفكار مع الطابع العقلي والبرهاني والحجاجي الذي يميز التفكير الفلسفي، إذ أن قيمة الفكرة فيه تتحدد بحسب انسجامها المنطقي مع أفكار أخرى مرتبطة بها، وبحسب قوة الحجج التي تحيط بها وتدعمها.

4- الهاجس الإشكالي والنقدي:

من المعروف أن من بين الخصائص المميزة للتفكير الفلسفي أنه تفكير تساؤلي إشكالي، حتى اعتبر الفيلسوف كارل ياسبرز أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ أسئلة أكثر منه تاريخ أجوبة، وأن كل جواب يصبح بدوره سؤالا جديدا.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن على الكتابة الإنشائية الفلسفية أن تتضمن عددا غير قليل من الأسئلة الإشكالية، وذلك من أجل أن يجسد التلميذ من خلالها ذلك الهاجس الإشكالي الذي يميز كل ذات متفلسفة، ويجعلها لا تركن إلى أية فكرة على نحو مطلق، ولا تطمئن إلى أية أطروحة فلسفية تمام الاطمئنان. وهذا يتجلى من خلال تقليب الأفكار الفلسفية على كافة الجوانب والأوجه، من أجل التأكد من صحتها وصلاحيتها، وكذلك طرح تساؤلات نقدية على كل فكرة تمهيدا للانتقال إلى فكرة أخرى معارضة أو متمايزة. كما يمكن للأسئلة الفلسفية أن تلعب وظيفة توضيحية وتحليلية، بحيث يتم التساؤل، مثلا، عن دلالة مفهوم فلسفي ما أو عن علاقته بمفهوم آخر، وذلك من أجل الغوص بحثا عن المعاني الكامنة في المفهوم أو البحث عن أشكاله وأنواعه والمجالات التي ينطبق عليها، أو البحث عن موقعه داخل الشبكة المفاهيمية للنص الفلسفي.

ومن هنا، فليس محل صياغة التساؤلات الإشكالية هو مقدمة الإنشاء الفلسفي فقط، كما يعتقد الكثير من التلاميذ، وإنما يمكن أن نجعلها مبثوثة ومتواجدة في كافة أجزاء الكتابة الإنشائية الفلسفية. فطرح الأسئلة يمكنه أن يحضر أثناء لحظات التحليل والمناقشة والخلاصة أيضا؛ مما يجعل تلك الأسئلة تلعب دورا تحليليا وتوضيحيا للأفكار الفلسفية، كما تلعب دورا نقديا أثناء المناقشة، وتفتح التفكير الفلسفي على آفاق أخرى في الخاتمة، هذا فضلا عن دورها في الانتقال من فكرة إلى أخرى، مما يجعلها بمثابة الإسمنت الذي يشد لبنات الأفكار مع بعضها البعض، ويمنحها القوة والثبات.

وإذا كانت الدهشة هي منبع التفلسف كما يرى أرسطو، فإن هذه الدهشة لا يمكنها إلا أن تكون عقلية، ولا يمكن أن تتولد من رحمها إلا تساؤلات إشكالية توقظ الفكر من سباته الدوغمائي، وتحرره من الاطمئنان إلى البديهيات والأفكار الجاهزة. وإذا كان الهاجس الإشكالي يحرر التلميذ من الوقوع تحت وصاية أفكار الغير، سواء تعلق الأمر بأفكار الفلاسفة أو بأفكار غيرهم، فإنه يجعله بالمقابل يجسد لمسته الذاتية وإبداعه الخاص في الكتابة الإنشائية الفلسفية، ويمكنه من ممارسة حقه في النقد والتساؤل سعيا وراء الكشف عن الحقيقة.

5- تشخيص الأفكار الفلسفية من خلال الأمثلة:

يلعب المثال دورا كبيرا في الإنشاء الفلسفي، إذ يعتبر مؤشرا على مدى فهم التلميذ للأفكار الفلسفية واستيعابه لها؛ فإذا تمكن التلميذ من تفسير أو توضيح فكرة فلسفية من خلال مثال مستمد من الواقع أو من مجالات معرفية مختلفة، فإن هذا يعني أنه قد فهمها وله القدرة على إفهامها للغير. ولهذا، تلعب الأمثلة دورا مهما أثناء تحليل النصوص والأفكار الفلسفية، إذ تمكن من تشخيصها وتوضيحها من جهة، وربطها بالحياة والواقع من جهة أخرى.

كما تلعب الأمثلة دورا مهما في تجسيد التفكير الذاتي للتلميذ، وذلك من خلال توظيفه لبعض الأمثلة في الدفاع عن أفكاره والاعتراض على أفكار الغير أثناء لحظة المناقشة في الكتابة الإنشائية الفلسفية. فبالرغم من أن المثال لا يمثل في حد ذاته برهنة عقلية واستدلالية، إلا أنه مع ذلك يمثل عنصرا أساسيا ضمن العملية الاستدلالية ويدعم النتائج المتوصل إليها، كما أنه يدخل ضمن الاستراتيجية الحجاجية التي تميز التفكير الفلسفي باعتباره تفكيرا حجاجيا وتداوليا أكثر منه برهانيا وصوريا.

ومن ناحية أخرى، فإعطاء أمثلة توضيحية للأفكار الفلسفية يعد أيضا مؤشرا على طابع الصدق الذي ينبغي أن يميز الكتابة الفلسفية، باعتبار أنها ليست كتابة تتعلق بقضايا مجردة تخص الفلاسفة لوحدهم، بل إنها قضايا تمس ذات التلميذ نفسه، كما تلتصق بتجاربه اليومية وحياته الاجتماعية، مما يجعله يعالجها ويناقشها كمشكلات تخصه قبل أن تخص غيره، وهو الأمر الذي يحتم اعتماد أمثلة تنتمي إلى تجارب مستمدة من ذاته ومن محيطه ومما هو مدرك بالنسبة إليه. وإذا كانت الأمثلة الواقعية تسمح للتلميذ بالتعاطي الجاد والصادق والعميق مع الإشكالات والأفكار الفلسفية، فإنها تمثل أيضا معيارا ومحكا لاختبار صحة تلك الأفكار وإبراز النتائج التي تترتب على تطبيقها على أرض الواقع.

وحينما نتحدث عن الواقع، فإننا لا نشير إلى مجال محدد بعينه، إذ قد يكون هذا الواقع عبارة عن تجارب وأحداث اجتماعية أو سياسية أو رياضية أو فنية أو دينية أو علمية أو غير ذلك. ولهذا، فالفكر الفلسفي ينفتح على كافة القطاعات الحياتية والمجالات المعرفية، مما يسمح بتوظيف أمثلة في الإنشاء الفلسفي مستمدة من مختلف تلك القطاعات والمجالات، شرط أن تكون مناسبة وتسمح فعلا بتوضيح الفكرة الفلسفية، أو بالدفاع عنها، أو بالاعتراض عليها.

6- الصدق في التعاطي مع الإشكال الفلسفي:

كل موضوع اختباري في الفلسفة كمادة مدرسية، سواء كان نصا أو قولة أو سؤال، يتضمن إشكالا فلسفيا يتعين على المترشح استخراجه أثناء العمل الذي يتم في المسودة، والتعبير عنه من خلال تساؤلات مترابطة ومتداخلة تعبر عن نفس القضية الإشكالية. ونحن نعلم أن الفلاسفة لا يطرحون أسئلة تخصهم كأفراد أو تخص أسرهم أو المجتمع الذي ينتمون إليه، بل إنها أسئلة إشكالية ذات طابع شمولي وتهم جميع الناس؛ مثلما الأمر بالنسبة للقضايا المتعلقة بالحرية والعدالة والكرامة البشرية والحقيقة والأخلاق والسعادة، وغير ذلك. ولهذا السبب، فإن الإشكالات الكامنة في المواضيع الاختبارية الفلسفية هي إشكالات مطروحة على التلميذ أيضا، باعتباره كائنا بشريا. فهي إشكالات تلتصق بذاته الإنسانية وترتبط بحياته اليومية والمعيشية. وهذا ما يحتم عليه التعامل معها بصدق، وكأنها نوع من المشاكل التي تعترضه وتفرض نفسها عليه في الحياة اليومية.

وهذا التعامل الصادق والجدي مع الإشكالات الفلسفية يجنب التلميذ عدة مزالق وآفات في كتابته الفلسفية الإنشائية، ويمنح هذه الأخيرة الكثير من عناصر الجودة والتميز. فإذا لم يعالج التلميذ بصدق الإشكال الفلسفي، فإنه غالبا ما يميل إلى الحفظ والاستظهار وتقديم المواقف الفلسفية بشكل تراكمي، وخال من أي إبداع أو ابتكار فلسفي. فتجده يختبئ وراء الأطروحات الفلسفية، ويجعلها تقوم مقامه في التفكير والإبداع الشخصي. ومن هنا يغيب التفكير الذاتي الذي يعتبر أمرا ضروريا في الكتابة الإنشائية الفلسفية، وعلامة من علامات التميز فيها.

وبالمقابل، فإذا عالج التلميذ بصدق وجدية الإشكال الثاوي في طيات الموضوع الاختباري الفلسفي، فإنه سيربطه بتجاربه الذاتية وبالأحداث التي تقع في مجتمعه وفي مسرح التاريخ. وهذا ما سيتيح له العمل على تشخيص الأفكار الفلسفية وضرب المثل عليها، كما سيختبر صحتها وصلاحيتها بوضعها على محك ما يحدث في الواقع الاجتماعي. وإذا ما وظف التلميذ أمثلة متنوعة مستمدة من الواقع ومن مجالات معرفية مختلفة، فإنه ولا شك سيعالج الإشكال من جوانب وزوايا مختلفة، كما سيمنح كتابته الفلسفية دسامة وغنى كانت ستفتقده في غياب التعاطي الصادق مع الإشكال، والاكتفاء بمجرد تقديم مواقف الفلاسفة.

وفضلا عن هذا، فإن الكتابة الصادقة والنابعة من صميم الذات الكاتبة، ذات التلميذ، تجعله يوظف جميع إمكانياته العقلية والمعرفية والوجدانية أثناء معالجته للإشكال، مما يجعله يجسده لمسته الإبداعية الخاصة في الموضوع الإنشائي، ويجعل هذا الأخير متميزا عن أي إنشاء فلسفي آخر. وهذا أفضل بكثير من الإنشاءات الفلسفية النمطية والمتشابهة بين التلاميذ، من جراء عدم تعاطيهم الصادق مع الموضوع وميلهم إلى الحفظ وتجييش المعلومات المخزنة في الذاكرة. ويتيح التعامل الصادق مع الإشكال الفلسفي أيضا، استثمار المترشح للحالات الخاصة المتعلقة بذاته أو المنطبقة على أفراد ووقائع موجودة في المجتمع، لكي يستخدمها كحجج أثناء مناقشته للأطروحات الفلسفية وتجسيد رأيه الذاتي حيالها، مما يمكنه من الخروج من وصاية أي موقف فلسفي والتعامل معه بحس نقدي. كما أن الانخراط الصادق في الكتابة يمكن صاحبها من إبداع بعض الأفكار أو التفاصيل الجزئية، التي لم تكن تخطر على باله قبل لحظة الكتابة، فتكون بمثابة ومضات أو إشراقات تنم عن قدرة الكاتب على الإبداع والابتكار.

فعلى التلميذ إذن، أن يكتب بصدق ويعالج الإشكال الفلسفي في موضوعه الإنشائي وكأنه إشكال يخصه شخصيا، مما سيجعله يكتب بقوة وحماس لكي يستثمر كل إمكانياته أثناء الكتابة، ويمنحها لمسة ذاتية وإبداعية فيها تفرد وتميز وإتقان. كما أن عليه أن يحترم القارئ/المصحح الذي يتوجه إليه بالخطاب، فيحاول ما أمكن ذلك أن يوضح له الأفكار ويستخدم أقصى قدر ممكن من الحجج من أجل إقناعه واستمالته، بل وإمتاعه أيضا!!


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.