24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

19/11/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:3108:0013:1816:0218:2619:44
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما تقييمكم لحصيلة التجربة الحكومية لحزب العدالة والتنمية؟

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | منبر هسبريس | الرقم السري

الرقم السري

الرقم السري

كلّما رجعت إلى البيت، أسارع إلى رمي فردتي الحذاء الثقيلتين بعيدا عني، أركلهما كيف جاء واتفق، أتملص وأتخلص منهما ومن حملهما الثقيل، أفعل ذلك حتى قبل أن أسلم على الأهل، وكأن رجليّ كانتا مربوطتين إلى طود عظيم.

الحركة الثانية العفوية تقودني إلى حيث توجد المائدة، لأكتشف ما وضعته الأم الطيبة هناك، من قليل الطعام، أرفع غطاء الثوب دهشا، كما يفك الطفل الصغير علبة لعبته الجديدة.

مسكينة هذه الأم، كانت لا تكف تخوّفني من الأكل خارج البيت، استهواني الأمر، فأصررت على ألا آكل إلا من عمل يديها، فأصبح منظر المأكولات المعروضة أمام المحلات التي انتشرت بين الأحياء والأزقة يثير في نفسي الرعب والاشمئزاز.

وبالرغم من أن هذه عادة سيئة في نظر أخواتي (أخواتي فقط)، فإن الوالدة تردد ذلك بكامل الفخر والاعتزاز، وكأنها تنذر الزوجة المقبلة حتى قبل أن تكون..

قبل أن أضع اللقمة في فمي، لفتت انتباهي أيقونةٌ مضيئة على صفحة الحاسوب، تومض وميضا متقطعا، وبسبابة اليد اليسرى بدأت أقلب داخل علبة البريد...

وبالرغم من أن الأهل منعوني منعا يكاد يقترب من التحريم والزجر، من أن أضع الحاسوب والطعام على خوان واحد، الحاسوب الذي جمعت ثمنه درهما درهما، ولم أرض إلا بواحد جديد، بعد حادث انسكاب كأس الشاي الشهير (فلأجله عقدت العائلة اجتماعا طارئا، وفتحوا لائحة إعانات، انتشلتني من الجنون والعطالة)، فإنني سرعان ما أخرق هذا الحظر، وهم ينعتوني بصاحب الرأس الصلدة المغلقة، ويتابعونني بنظرات هي مزيج من الحنق والشفقة.

اختفى الشعور بالجوع، وبدل أن أنقر على لوح الطعام، دلفت إلى علبة الرسائل أبحث داخلها، أقلب ذات اليمين وذات اليسار، أقرأ هذه وأعرض عن تلك، حتى وجدت الرسالة الوامضة.

رسالة صغيرة داخل ظرف صغير، مكتوبة بخط وردي أو حنائيّ (لمَ لا يضيفون لون الحناء المخضب إلى قائمة الألوان!)، الغالب أنه خط فتاة. لأن الفتيات عموما يملن إلى ألوان الورد والدم، ومنظر المرأة وهي تضع إكسسواراتها بالأسود، يثير في نفسي الإحباط والضجر.

حاولت فض الظرف فلم أستطع، كأن الصمغ الذي وضعته صاحبته قد جلبته من اليمن، حاولت مرة ثانية أن أفضه بأنيابي فكدت أكسرها.

لقد كان من الورق المُقّوى برقم سري، رسالة البريد إذن موضوع عليها قفل من حديد، ولامندوحة من مفتاح.

الأمر لا يحتمل مزيدا من الانتظار، فقد تذكرت مصدر الرسالة المقفلة.

كنت قد تركت طلبا دسما، على رفوف أحد المواقع المتخصصة في قرن الناس بعضهم ببعض ووثقهم بالميثاق الغليظ.

تركت عند هؤلاء الناس (قد يكون شخصا مفردا يربط الناس، وهو مستلق فوق سرير النوم) طلبا ملونا، جيشته بكل ما أوتيت من صور وأبيات شعرية رقيقة، جلها مأخوذ من دواوين نزار الشاعر الكثيرة.

ولأنهم لبّوا طلبي، فإنهم لا محالة، توفقوا في العثور على الطلب المطلوب، المرأة المصقولة العوارض، التي ينبعث منها ريا المسك والقرنفل، تماما مثل صاحبة الملك الضليل، والتي إذا تكلمت، سبقتها غمازتاها، تصيبان العين والقلب، بالطبع لم أكتب هذا على صفحة الطلب، وإنما احتفظت به في ذاكرتي المؤقتة، ثم سرعان ما رميت به في غيهب النسيان.

وبخطة جهنمية (إلى حد الآن، لا أفهم لمَ يربط الناس بين الخطط وجهنم، ولم أتوفق في إيجاد الرابط بينهما) رُحت أقلب داخل ثنايا رأسي عن كل الأرقام التي أحفظها، رقم الدار والهاتف ورقم التعريف ورمز الحي واسم المدينة وتاريخ الميلاد واسم السيارة المحلوم بها، واسم زميلتي في الورش الصغير...جربت ذلك كله، لكنني لم أفلح، وفي كل مرة يخبرني أصحاب الموقع، أن كلمة السر غلط، أو أن أحدا ما يحاول اقتحام علبة رسائلي، للاستيلاء على الكنز المخبوء.

استدعيت كل ما في رأسي من أرقام وأسماء، أمزجها وأخلط بعضها ببعض، وفي كل كرّة أركب مفتاحا جديدا، لعله يسعفني في الوصول إلى الأميرة المحبوسة في الداخل. قلبت الأرقام رأسا على عقب، صففتها يمينا وشمالا، صنعت منها شفرة وسننا كأسنان المنشار، لعلي أنفذ إلى الداخل، حيث ترقد الطريدة.

رصفت الأصفار والآحاد والثواني وكل الأرقام الأخرى، عجنتها ومزجتها بالحروف اللاتينية والعربية والرومانية، لكن كل خوارزمياتي وكل مقاليدي ذهبت بحلمي سدى، وبئت بفشل مريع.

ولأمر ما، اهتديت إلى فكرة غريبة، خففت من مصيبتي وهدأت من روعي.. ولأمر ما، عرفت أن الحياة مع هذه المغاليق والمقاليد والأقفال والأسوجة والحصون... لا تطاق. سنن وشفرات وبصمات للأصابع وأخرى للعينين، أسوجة من حديد وأخرى من الصواعق، وعرفت كذلك أن الناس يخفون كثيرا من الأشياء عن بعضهم البعض..

الإنسان كائن ينزع نحو العمق والعتمة والتواري والاختفاء...الناس أقفال تمشي على الأرض.

عندما سكن الناس الكهوف، كانت هذه الكهوف والمغارات بلا أبواب، يشعل نارا ويتحلق حولها وعلى الجدار يرتسم ظله حيت ينام جاره الذي يشاركه "الغرفة" نفسها. بعد ذاك صنع لنفسه لباسا وغرفة، وبدأت غُربته تكبر وتزداد...

ولأتخلص من غربتي، ناديت أمي، وأغلقت الجهاز، وفتحت جميع نوافذ البيت..


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (2)

1 - ناج كانيكي الاثنين 18 يونيو 2018 - 11:20
لا أعرف كيف ولماذا بدأت قراءة الموضوع، لعلي كنت أبحث عن كيف أفك رقما سريا ما، لكن سرعان ما وجدت نفسي غارقا في كلمات الموضوع أتتبع تفاصيله بشغف وأنا أنتظر النهاية، لكن خاب ظني عندما عندما قرأت "...أغلقت الجهاز...".
أنتظر النهاية !!!
2 - الجندول الثلاثاء 19 يونيو 2018 - 00:56
كعادتك اخي برنوص دائما ممتعا رشيقا باسلوبك العذب شيقا بمواضيعك الغنية
-
ما يجعلني احيانا استأنس بغربتي واطيل من عمر نشاط جهازي هو خوفي
-
ان تفوتني قراءة سطور جميلة كما خطها قلمك اليوم
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.