24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

20/11/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:3208:0113:1816:0218:2519:43
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد إسقاط الفصول المجرّمة للحريات الفردية من القانون الجنائي؟

قيم هذا المقال

1.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | منبر هسبريس | "متلازمة المهام الصعبة"

"متلازمة المهام الصعبة"

"متلازمة المهام الصعبة"

"أنا ديال المهام الصعبة"، هكذا أجاب "الرابور مسلم" على تساؤلات بعض محبيه/جمهوره (Fans) حول سر صمته في عز حملة المقاطعة الشعبية لبعض منتوجات شركات معينة وهو الذي كان يقدم نفسه كرابور مدافع عن الشعب وهمومه.

كثيرون استهجنوا إجابته واعتبروها مجرد تبرير غير مقنع وعذر أقبح من زلة الصمت، ومنهم من اتهمه بأنه "باع الماتش"، وهناك من أحسن النية فاتهمه بالجبن والخوف. لربما كان شيء من ذلك صحيحا، لكن أميل إلى الاعتقاد بكون عبارته كانت تعكس حقيقة ما يجول في رأسه ومكنون نفسه عبّر عنه بنفسه للعلن ظناً منه أن ما تفوه به عاد وبديهي، أو سهواً نظراً لظروف المباشر (اللايف)، أو ربما خانه زاده اللغوي والمعرفي لمداراته بالكلام المنمق ولغة الخشب بحيث يخفي استعلاءه وعجرفته كما تفعل الكثير من النخب والشخصيات المصابة بما يمكن تسميته متلازمة المهام الصعبة.

لا يتعلق الأمر في هذه المتلازمة بتلك الحالات التي يمكن تصنيفها في خانة "العادي" في مجتمع تراتبي/طبقي حيث ضرورة اتّباع البروتوكولات واختلاف المسؤوليات والمهام ودرجات صعوبتها، وإنما يتعلق بعديد الحالات الشاذة حيث يفترض أن يتصرف المواطن كغيره من المواطنين والإنسان كإنسان أو كما يتوجب عليه أن يفعل وفقط، غير أنه يستعلي ويستكبر وكذلك الحالات التي تكون فيها مساهمة الشخص هامة أو ضرورية للمجتمع وقضاياه فيتوارى إلى الخلف أو يتدخل بعجرفة أو تمييز.

إذا كانت عجرفة السلطة ومن يدور في فلكها أو يستقوي بها يدركها الجميع وأصبحت قاعدة تؤكدها بعض الاستثناءات هنا وهناك بالرغم من أن العهد الجديد سوّق كثيرا لمفهوم جديد للسلطة (يبدو أنه اصطدم بتراكمات وذهنيات تشكلت على مدى قرون أبطأت دخوله حيز التنفيذ!)، ففي المقابل لا ينتبه كثير من الناس إلى أن جزءًا مهما من الجانب الآخر، أي أولئك الذين يدّعون الدفاع عنهم ويبشرونهم بالتغيير ومن يفترض أنهم سيواجهون عجرفة السلطة وتجاوزاتها (إن وجدت)، لا يحيدون في الحقيقة كثيراً عن تلك القاعدة أيضاً أو على الأقل مصابون بمتلازمة المهام الصعبة حتى وإن واجهوا ذلك بكثير من الانكار وبعض الاختلاف الشكلي.

بدءًا بالمناضل-والقصد هنا من اتخذ النضال صفة له تضمن له وضعا اعتباريا في المجتمع أو جزء منه-كثيراً ما ظل غائباً عن النضالات الشعبية في وقت كان دعمه وخبرته في التنظيم والتأطير سيشكلان فارقا سيساهم في تحقيق الناس لبعض مطالبهم المشروعة مهما كانت طبيعتها، لكنه يفضل أن يراقب من بعيد لعل الأمور تتطور حد "المهمة الصعبة"، أي إلى مستوى يراه كفؤا لمستواه النضالي. وفي الحقيقة ينتظر اللحظة التي تتحول فيها المشكلة/القضية إلى قضية رأي عام ليأخذ المشعل (البوق) بعدها أمام عدسات الكاميرات يفرق التصريحات هنا وهناك باسم الشعب لوسائل الإعلام.

ومروراً بالحقوقي-"المؤمن" بكونية حقوق الإنسان وعدم تجزئتها وتأسيسها على كرامة الإنسان وإنسانيته التي لا تقبل أي تقييد-الذي نكاد لا نسمع له صوتا ولا نقرأ له بياناً ولا نراه يحضر محاكمة واحتجاجا إلا حينما يتعلق الأمر بقضايا مثيرة بعينها حيث تسلط أضواء الإعلام، أو حينما يكون حرام السلطة طرفاً بحيث يظهر وكأنه يواجه قوة كبرى بما يضمن له مزيداً من التكريم والاعتراف من الناس ومن منظمات دولية. وهو في واقع الأمر لا يفعل شيئاً غير انتقاء قضاياه أو مهامه الصعبة بمعايير تمييزية يستفيد منها في الدرجة الأولى في وقت تظل فيه حقوق كثير من الناس مهضومة دون أن يحرك ساكناً.

وبدوره كثيراً ما توارى المثقف/المفكر إلى الخلف عند كل نقاش مجتمعي مفضلا الخوض في قضاياه الصعبة عن التراث والعقل والسرديات الكبرى... مترفعاً بذلك عن نقاش "العوام" خوفا ربما من أن يفقد تميزه أو يختفي رأيه وسط أراء الناس الكثيرة والمتضاربة دون أثر فيضيع بذلك جهد سنين قضاها في صنع اسم ووضع اعتباري! لذلك غالباً ما يلجأ إلى مواضيع نخبوية بمفاهيمها التي لا يفهمها إلا القلة لكتابة مقالاته الفكرية التي لم يعد يقنعه نشرها في صحف بلاده فأصبح يبيعها بالدولار في مجلات وصحف الخليج!!

متلازمة لم تسلم منها مجالات أخرى، ومنها المجال العلمي والأكاديمي، ويكفي إطلاع بسيط على ما ينشره الأنثروبولوجي والسوسيولوجي على سبل المثال من أبحاث ليتبين أن كثيرا منها يهم قضايا إنسانية واجتماعية مايكروسكوبية وفضفاضة تشمل أحيانا بلدانا ومجتمعات عدة باعتبار أنها قضايا كبرى تليق به! أكثر من الانكباب على فهم الإنسان من حوله وكذلك محيطه ومجتمعه.

وإن كنت آثرت عدم ذكر أمثلة محددة على كثرتها فلأني أريد للقارئ أن يراها بنفسه في محيطه؛ إذ يكفي أن ينظر قليلا حوله ويتساءل عن كم المعارك النضالية التي أجهضت في مهدها لغياب الدعم والمساندة والتنظيم وغيرها، وعن الحقوق الأساسية المهضومة التي لم يرافع عنها أحد، وكم من نقاش مجتمعي مر دون موقف ورأي المثقف؟

إن وجود هذه المتلازمة لدى كثير من هذه النخب شكل دوما عائقاً للتغيير أو على الأقل ساهم في استمرار الوضع على ما هو عليه؛ ذلك أن كثيراً ممن يفترض فيهم التقعيد للتغيير وقيادته يضعون مسافة بينهم وبين الجماهير أو بينهم وبين قضايا الناس الحقيقية، لكن في الوقت نفسه يريدون أن يكونوا رواداً وقادة باستثمار وضعهم وبالركوب على القضايا الجاهزة والمثيرة. هكذا كرس المناضل التهميش وثنائية المركز والهامش وأصبحت لدينا تراتبية في القضايا الحقوقية بفضل حقوقيينا، وانتعشت الشعبوية بغياب مثقفينا وعرفنا بنى قبائلنا وأنماط عيشنا وطبيعة مجتمعاتنا عن طريق باحثين أجانب.

إذا كانت علاقة الشيخ والمريد تؤطر النسق الثقافي للسلطة، حسب عبد الله حمودي، حيث استغلال الشرعية الدينية التاريخية للحفاظ على ذاتها وإعادة إنتاج الأسس الثقافية، فيبدو أن حتى النخب المستقلة عن السلطة (معارضة أو محايدة) قد تأثرت بهذه البنية الثقافية الأنثروبولوجية العميقة التي كونت لدينا "مخزنا" أنثروبولوجيا تغلغلت ثقافته مع الزمن في اللاشعور الجمعي. ولأن العلاقات السلطوية راسخة بين كافة أعضاء الجسد الاجتماعي، كما يقول فوكو، فإننا نفهم جانباً من طبيعة تفكير وسلوك هذه الفئة حين تحاول الحفاظ على وضعها الاعتباري (شيخ صغير) على خلاف الجموع/الجماهير (المريدين) مستعملة ما تعتبره رصيدا رمزيا من شرعية تاريخية نضالية كموقف سياسي سابق أو نضال سابق أو مرورها من السجن أو إصدارها لكتاب أو.... ويبدو أنها تعتقد تبعاً لذلك أن الاستعلاء وعدم مخالطة الناس (العوام) وقضاياهم الهامشية من شأنه حفض تلك الصورة بل وترسيخها.

ختاماً، لم يكن تناول هذا الموضوع اعتباطيا كما لم تحركه نوازع ذاتية أو غيرها، إنما هي محاولة لإماطة اللثام عن وجه من أوجه الأسس الثقافية التي تساهم في استمرار أو إعادة إنتاج الواقع المتردي نفسه. فإن كانت جل محاولات التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي قد فشلت إلى حد الأن، فلأن أحد أسباب ذلك يكمن في طبيعة الفئة التي تقودها أو يفترض أن تقودها لأنها لم تقدر على تغيير نفسها وتتحرر من البنية الثقافية السائدة.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.