24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

20/10/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:0707:3313:1716:2218:5220:06
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress

كأنه هو..

كأنه هو..

في أولى لقاءاتي بك، بعد أن هجرتني، كنتَ باسم الثغر، ضحوكاً كما عهدتُك، ولن أنسى ما حييت باقة الورد التي أهديتني. صدِّقني إن قلت لك إنني عاجزة عن وصف مدى سعادتي بلقياك ليلتها، وكم أفرحني اهتمامك وفيض حنانك رغم كثرة الحاضرين حولنا. لكنني لمتك عن ضيق الوقت الذي خصصته لي.

رحلتَ مسرعاً دون أن تتيح لي فرصة البوح ولو بالقليل من الأحاديث المخبأة بداخلي. أُدرك أنك تقصَّدت ذلك. فأنت تعرف أن دموعي سخية، و أنها كانت ستسبق لا محالة ما قد ينطق به لساني.. ليتك تعرف كم كان مؤلما وجع كتمان ما بداخلي.. ألمٌ فظيع بقدر وجع فراقك. ذهبتَ مسرعا ليطول غيابك.. آآه وكم طال!

فجأةً، قررتَ أن يتجدِّد اللقاء بعيدا عن الأنظار. أذعنتُ لرغبتك، فشوقي لك كان أكبر مما تتصور، وعودتك أنستني كل ما كان بي من لوم لك أو عتاب. استقبلتني بعبوس وجهك كما عرفتُك في نوبات غضبك. غضب سرعان ما يفتر غليانه بسبب طيبة قلبك التي طالما حاولتَ أن تخفيها بتصنعك القسوة.. وحين سألتك عن السبب، أجبتني بنبرة حادة أنني لم أنجز ما طلبتَ مني كما ترغبُ أنت.. قلتَ ذلك وتواريت عن ناظري دون أن أعرف طلبكَ أصلاً..

انتظرت عودتك مجدداً، لعلي أفهم سبب تلك الغضبة. طال انتظاري لك حتى حسبتك لم تعد ترغب بوصالي، لكني لم أفقد الأمل وانتظرت عودتك كل ليلة.

انتهى بكَ الأمر واقفاً أمامي، بعد أن رقَّ لي قلبُك وغلبك الحنين. لكنك ظللتَ ساكتا. اكتفيتَ بالنظر إلي ملياًّ دون أن تروي عطشي بإجابة واحدة عن الأسئلة المستعرة بداخلي. ذهبتَ يومها و لم تعد بعدها لملاقاتي، وتمنيتُ كل ليلة أن أتوغل بنوم عميق لعل الأحلام تجود علي بلقياك مجدداً..

حينها لم أجد بدًّا من مصارحة المحيطين بي بترددك عليَّ، وأنا التي كنت أفضل الاحتفاظ بأمر زياراتك الليلية سرا بيننا نحن الاثنين.. جاءني التفسير من العارفين بالأمر أن روحك لم ترقد بعدُ بسلام، ما دامت كل أغراضك على حالها منذ غيابك، بينما يقتضي العرف أن نهبها لمن يحتاجها. والواقع أن لا أحد من بيننا تجرأ أن يفكر بالأمر، فمصابنا فيك كان جللاً لدرجة أننا لم نكن نقبل بأمر رحيلك، و إن كان أمرا منتظرا، بل محتوما بعد أن حل بك ما حل في غير وقته.

أردت، أنا وكل أحبائك، الاحتفاظ ولو باليسير منك، لكنني أدركت لاحقا أنني كنت مخطئة ما دامت روحك تستوطن كل أرواحنا.

وقع الاختيار علي أنا كي أواجه ذكراك. اختاروني أنا الجسورة، أنا المقدامة، أنا التي يقال عني امرأة بعشرة رجال. لكنني ما إن فتحت خزانة ملابسك، حتى انفض من حولي رجالي العشرة، وتركوني وحيدة لمواجهتك يا أبي ..

انهرت باكية أمام قمصانك و ربطات عنقك و ألبوم صورك.. لكن أكثر ما هزمني كانت كتبك وشهادة تخرجك.. بكيتك بحرقة و كتمت صوت وجعي بصدري، كي لا أؤجج نار أمي التي كانت تبكيك بحرقة أكبر بالغرفة المجاورة، و تتظاهر بتوضيبها بينما أنا أنجز المهمة التي أوكلت لي.

الغُصة الخانقة بحلقي والضيق الجاثم على صدري جعلاني أسرع بالأمر، ثم أوصل الأمانة لعمي ادريس، ذاك الرجل الطيب الذي أرى فيه شبها كبيرا منك قلبا وقالبا.

قادتني بعدها سيارتي للمقبرة. ولجتها دون أن ألقي التحية على أصحاب المكان، ودون أن أتلو بعضا من آيات الرحمان على روحك وعلى أرواح كل مجاوريك بمقامك الأبدي.

ارتميت بحضن قبرك لأبكيك بملء روحي. عاتبتك على الرحيل المبكر وأنا في أوج الحاجة إليك. لمَ لمْ تكن شجاعا وصلبا أمام المرض؟ لم رحلتَ وأنا ما زلتُ بأول المشوار؟ لم كسرت ظهري بعد أن كنت لي الدعم والسند؟

وبينما أنا أنتحب، رنَّ هاتفي ليعيدني لرشدي. فتسمرت عيناي على شاشته بعد أن كانتا تتطلعان لما يحيط بي دون أن تريا شيئا. هلَّت عليَّ صورة صبي حديث الولادة. كانت الصورة لأول فرحةٍ لأخي القريب البعيد. القريب بطبعه الحنون، والبعيد بعد أن اختار العيش بالضفة الأخرى من المتوسط. حين رأيت الصورة، انتابني شعور بأن روحي عادت إلي بعدما كنتُ أحسها خاوية بعد غيابك.

أريد أن أخبرك يا أبي، أنه طفل جميل بقدر جمال شكل وطباع والديه. ملامحه، بها جمال الصباحات الندية بكل الغابات التي تعودتَ أن تجوبها طيلة سنين عملك. والأجمل أن أخي أسماه باسمك..

بشرى قدوم ذاك الصبي جعلتني أضحك وأبكي في الوقت نفسه. الأولى لفرح أخي، والثانية لغيابك أنت. فهذا الصبي هو أول بشارة فرح بعد رحيلك.. هو أول حفيد لن تلاعبه كما فعلتَ مع أبنائنا نحن. صرتُ أنظر للصورة وأقبله على الهاتف، ثم أصفه لك وكأنك ماثل أمامي.

لا أدري وقتها لمَ هبت ريح خفيفة بالمكان. ريح ذات ملمس رهيف على وجنتي، ثم بدأ بعدها رذاذ ناعم يهمي على المقبرة. أحسست ساعتها وكأن روحك تُحيط بي، بل تغمر المكان كله. صرت ألتفت يمنة و يسرة، باحثة عنك.. حاولت أن أناديك لكنني أحسست بثقل لساني وفرار صوتي مني. فبدأت أتحسس قبرك وأمسح الغبار عن شاهده، لأعلمك أنني أعي أنك هنا معي..

إحساسي بقربك، جعل أصواتاً كثيرة تتعالى برأسي.. كيف لي أن أرفض أمر رحيلك؟ لماذا أحتمي بالحزن وأنا لست لا امرأة ضعيفة ولا سلبية؟ كيف لم ألتقط مضمون البشارة التي هلَّت علي قبل قليل؟ بشارة روح جديدة اختارت المجيء إلينا لتكون امتدادا لك.

فهمت، وقتها بجلاء، ما كنتَ تلمحُ إليه في المنام عكس ما ذهب إليه تخمين سادة التفسير. أنت حزين لحزني عليك، وترفض أن يتملك الحزن عقلي بعد أن أحكم قبضته على قلبي. فهمتُ أنكَ ترغب أن أطوي الجناح على جرح فراقك وأن أُقبل على الحياة بروح متفائلة كما عهدتني.

ارتسمت على شفتي ابتسامة ارتياح لِما وصلتُ إليه. مسحت دموعي، استجمعت أشلائي، قبَّلت شاهد قبِرك، دعوت لك، وطلبت منك أن لا تبخل علي بزياراتك الليلية مستقبلا، ثم عدت أدراجي.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (9)

1 - نورالدين برحيلة الجمعة 07 فبراير 2020 - 21:03
الأستاذة المحترمة والكاتبة المبدعة آمال، وأكثر من ذاك "مرضية الوالدين" قرأت هذا النص الأدبي الذي يفيض بالمعاني، هو مرثية رائعة أشبه بنافورة تتدفق بالدلالات والمشاعر والعوطف..
بكيت وأنا أقرأ وأنت تصفين رحيل المرحوم العزيز والدك تغمده الله بواسع رحمته، وأتفحص ملامح المرحومة الغالية المناضلة أمي عائشة رحمها الله وأسكنها معية والدك وموتى المسلمين في جنان النعيم.
بموت والدتي بصدق انهار عالمي.. أحاول جاهدا أن أرمم حياتي بعد رحيلها.. لكن الجرح عميق والحزن سحيق.
أطال الله عمرك وأسرتك وأبنائك.. ما كتبته لا ينسى يظل محفورا في أخاديد العقل والروح..
شكرا جزيلا
2 - زينون الرواقي السبت 08 فبراير 2020 - 09:41
رحم الله الفقيد يا مرضية الوالدين كما قال استاذنا برحيلة .. فقدان احد الوالدين انهيار لحائط لطالما أسند ظهورنا دون ان نعير كبير الاهتمام لمدى توازننا بوجوده وفقدان كليهما يخسف الأرض بأشد الناس صلابة .. فقدت والدي رحمه الله منذ خمس وعشرون سنة لا احتفظ بقمصانه ولا ببذلاته كل ما احتفظ به وألمسه بعناية فائقة وبيد ترتعش بضع مؤلفات تركها في خزانة كتبه المتواضعة وهو الذي كان شغوفاً بتثقيف نفسه في عصامية نادرة .. لا افتح كتاباً ألا ووجدت وسطه قطعة ورقية تحدد الصفحة التي بلغها وهو يقرأ وقد اصفرّت بفعل عوادي الزمن فلا أجرؤ على انتزاعها أو تغييرها من مكانها خوفاً من التلاعب بالعقارب التي أوقفت ساعة الزمن ..
واليوم .. فقدت والدتي رحمها الله منذ أقل من شهر وبالكاد احاول تجاوز مرحلة الإنكار .. لم تترك كتباً سوى سبحتها وسجادة الصلاة وصوراً لنا نحن ابناؤها تزين بها جدران غرفتها وأكياساً من الأدوية .. رحمهم الله جميعاً ولَك مني وللأخ برحيلة عميق المودة وصادق العزاء ..
3 - aissa السبت 08 فبراير 2020 - 10:56
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته،
أقول لك بداية:عظم الله أجركم في مصابكم الجلل، وأحسن عزاءكم،وغفر لميتكم
4 - نورالدين برحيلة السبت 08 فبراير 2020 - 14:26
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي الغالي المحبوب زينون الرواقي، بكل ما في الصدق من صدق، وبكل ما تحمل الحقيقة من حقيقة، اشتقنا إليك كثيرا ذكرناك هذه الأيام وتساءلنا على سبب غيابك، تركت فراغا واضحا فادحا، اليوم فقط علمت برحيل الغالية والدتكم المرحومة أسكنها الله فسيح جناته، ورزقكم الصبر والسلون.
أنتم خير خلف لخير سلف، والله لو أعرف عنونك لآتيتك مهرولا للتعزية في رزء أعظم وأعز ما في الوجود "الأم".
قلوبنا معك صدقا وحقا.
مع مودتي وحبي واحترامي
5 - زينون الرواقي السبت 08 فبراير 2020 - 20:09
شكراً شكرًا أستاذنا العزيز سٌي برحيلة على نبل مشاعرك التي لا يرقى اليها أدنى شك .. كلامك بلسم يعكس صفاء دواخلك ومادام هناك أفاضل من طينتك فالدنيا لا تزال بألف خير ..
6 - قلم الرصاص الاثنين 10 فبراير 2020 - 16:09
2 - زينون الرواقي

للمرة الثانية اكتب تعليقا معزيا قامة كبيرة من معلقي هسبريس في فقدانه

اعز ما يملك المرء بعد تعليقي امس الذي حييت فيه الكاتبة الكريمة على

منسوب الصدق العالي في مرثيتها التي غمرتنا حزنا قاتما ارجو الله ان يرزقكم

الصبر و ارجو من هسبريس عدم حجب تعليقي فالود بين القراء في ما بينهم

من جهة و في ما بينهم و بين الكتاب من اسمى الغايات

تحياتي من مراكش
7 - جبير الجمعة 14 فبراير 2020 - 08:22
كلمات معبرة لحدث مؤثر من أديبة متميزة ... رحم الله الفقيد وجعلكم خير سلف لخير خلف ... دمتم للكلمة الجميلة أوفياء ووفقكم الله في مسيرتكم الأدبية لما تتميزون به من قدرة على الابداع الأدبي فتحية أدبية عالية
8 - قزيبري حميدو الجمعة 14 فبراير 2020 - 11:07
بداية عظم الله اجورك في وفاة والدك أختي امال و أحسن الله إليك و رزقك الصبر و السلوان، كما اهنئك على النص الادبي الرائع في رثاء المتوفى خصوصا اذا كان هو الوالد و نحن جميعا ندرك مكانة الوالدين و اهميتها في حياتنا و تكوين شخصياتها ،نحنه بحق رثاء هندسي بامتياز
رحم الله الفقيد رحمة واسعة و اسكنه فسيح جناته مع الأنبياء و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا
9 - برودي حسن الجمعة 14 فبراير 2020 - 17:10
نص ادبي باليغ التاءتير واد اسال الله استاذةالفاضلةان يتغمض الله الفقيد بواسع رحمته ويلهمك الصبر والسلوان ويجعل رضاه معك كما اساءل الله ان يكون الملاك الصغيرالدي اشرقت به بيت اخيك خير خلاف لي خيرسلف
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.