24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

23/09/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4707:1313:2516:4719:2720:42
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟
  1. العلاقة بين الدولة وحزب "العدالة والتنمية" .. قصة "العشق الممنوع" (5.00)

  2. الجواهري يُحذر من دعوات طبع نقود كثيرة لمواجهة أزمة الجائحة (5.00)

  3. وزير الداخلية يدعو الجماعات إلى تحسين المداخيل وترشيد النفقات (5.00)

  4. سلطات البيضاء تشدد مراقبة مقاهي أحياء شعبية (5.00)

  5. المجلس العلمي بسلا ينظم حملة توعوية بالوباء (4.50)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress
الرئيسية | منبر هسبريس | بابا سيدو

بابا سيدو

بابا سيدو

"بابا! أية أغنية تود سماعها الآن؟".

سؤال كان يتردد كل مرة أثناء حديث حورية مع أبيها في أيامه الأخيرة. كانت تغمرها غبطة متناهية ممزوجة بدموع حارقة تنسكب على خديها وهي تؤدي له أحد المقاطع لمطربته المحبوبة أم كلثوم. هاته العادة التي أضحت تتكرر كل يوم خلال الأشهر الأخيرة عبر المكالمات الهاتفية تجسد مدى الحب الكبير الذي يربط حورية بأبيها.

"بابا" أو "بابا سيدو" (كما يحلو لأحفاده بتسميته) أو السي عبد المالك أو با عبد المالك كلها ألقاب أطلقت على شخص واحد. ذلك الشخص الطيب والمحبوب من طرف الجميع. بالإضافة الى صيته الطويل في الرياضة، كان المرحوم من عشاق اللحن العتيق. صال وجال با عبد المالك وتربت على يده أجيال وفي الأخير حتم عليه كبر سنه الانزواء في أحد أركان غرفته. محاطا بأسرته التي تكن له كامل الحب. فتجندت بناته ووقفن وقفة رجل واحد للعناية به والسهر عليه ليل نهار.

لم يعد يشغل بال حورية – التي تقطن خارج الوطن- أي شيء سوى حالة أبيها الصحية.

ماذا أكل؟ ماذا شرب؟ ماذا قال الطبيب؟ هذه هي نماذج من الأسئلة التي تستهل بها حورية حديثها الهاتفي اليومي مع أسرتها. يليه حديث مقتضب مع أبيها.

كان هذا في بداية عزوفه. ومع مرور الوقت أخذت تلك الأسئلة مجرى آخر.

هل أكل؟ هل شرب؟ وأصبح الحديث المقتضب معه في غاية الصعوبة.

بدا جليا أن حالة با عبد المالك تتدهور يوما بعد يوم. ملامح وجهه ونحولته تظهر عبر الهاتف مدى تأثير الكبر على محياه. مما يزيد في تأجيج الشوق لدى حورية التي تتحصر بعيدة عنه. مستسلمة هي الأخرى للظروف الاضطرارية التي تولدت عن جائحة كورونا. وخاب أملها عندما ألغيت رحلتها التي كانت مقررة في بداية ماي.

لعنة الله على هذه الجرثومة اللامرئية، التي زعزعت العالم بأكمله. وأحكمت السيطرة عليه بكل سهولة. وأضحت الموضوع الرئيسي المتداول في كل وسائل الإعلام. بل غزت البيوت أيضا وأصبحت موضوع حديث الأسر والأصدقاء.

كان الأمل الوحيد الذي يراود حورية، هو فتح الحدود والتمكن من زيارة أبيها قبل فوات الأوان.

بدأت الأخبار تتضارب من جديد حول فتح الحدود أو عدم فتحها. حجزت تذكرة سفر جديدة في الحال تحسبا لأي طارئ. بدأ الحديث حول إمكانية تخصيص بعض الرحلات للحالات الخاصة. بدأ الأمل إذن!

وفي الآن نفسه يتزايد شوق حورية ويتلهف قلبها يوما بعد يوم للظفر بمعانقة أبيها العناق الأخير وتوديعه.

سيكون لا محالة الوداع الأخير.

ترى هل ستتحقق أمنيتها؟

قصدت حورية قاعة الجلوس في الصباح الباكر كعادتها في الأشهر الأخيرة. جفون أعينها كسيت بلون رمادي داكن يوحي لك بالعدد المحدود من ساعات النوم. لم يعد احتساء كوب القهوة الواحد يؤدي مفعوله كما كانت العادة كل صباح لتستهل يومها. هاتفها أصبح لا يفارقها ولو للحظة. تستجيب بسرعة خارقة لكل رنة دوت أو حركة انبعثت منه. مكانها المعتاد في ركن البيت لا تغيره تماما. تنتظر بلهف كبير ربط الاتصال مع أختها ومن ثمة أبيها. لا تبادر هي بالاتصال صباحا خوفا من إيقاظه.

ولكن رنة الهاتف هذا اليوم لم تكن كالمعتاد. لقد باغتتنا وباغتت حورية بالخصوص في هذا الصباح الباكر.

"بابا مات! بابا مات!"

هكذا علت صرخاتها مدوية في أرجاء البيت. لم تقو حورية على كفكفة دموعها وهي تلوك الكلمات بحزن يثقب القلب. صعدت ونزلت وهي تصرخ بأعلى صوتها في كل جوانب البيت. صراخ وعويل مماثل يقابلها في الجهة الأخرى عبر الهاتف. وفجأة علت صورة المرحوم شاشة الهاتف المحمول حيث تعالى معها البكاء. إنها صورة لجثة هامدة.

وهكذا تمت مواكبة مراسم توديع المرحوم با عبد المالك إلى مثواه الأخير بفضل الهاتف المحمول. طبعا يختلف الأمر كثيرا عن حضور الجنازة فعليا. ولكن شاءت الأقدار أن يحدث ما حدث!

"وداعا بابا سيدو"!

هذه إحدى معاناة الغربة. هذه المعاناة يصعب استيعابها وتصورها لمن لم يعش هذه التجربة المريرة. لمن لم يؤد ضريبة الهجرة.

لكل هؤلاء أنحني إجلالا لصبرهم ومعاناتهم في مثل هذه الظروف.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (11)

1 - Othmane الأحد 09 غشت 2020 - 19:05
رائعة هذه الأسطر عمو ، بابا سيدو ، مدرسة في الأخلاق و القيم ، باابا سيدو رجل الحكمة و الهدوء ، عقلية وجب الاحتذاء بها ، فالحياة محطة مشرقة ، ربح من اعتبرها فانية . شكرا عموووو
2 - غنيم الحسن الأحد 09 غشت 2020 - 19:50
أخي مصطفى
السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته،
إنا لله و إنا إليه راجعون . الله أرحم بابا سيدو.
وبالطبع سيدخل هذا المقال في سجل التأريخ بوفاة شخص عزيز عنكم و على بعض الأجيال من المغاربة و بالخصوص ؤلاءك اللذين كان لهم إتصال عن قرب بهذا الشخص المحبوب.
تعازينا الحارة إلى جميع العائلة. اللهم أرحمه و أسكنه فسيح جناتك جنات العلى جنات الفردوس. وازرق أهله الصبر و السلوان.
و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. و اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
لقد عودتنا بمقالات تتضمن شيء من الترفيه. لكن شاء القدر أن يتخد الخطاب هذه المرة إتجاهات حزينة و للأسف قدر الله ماشاء فعل.
كما اشكر لك اهتمامك الدائم بالجالية المقيمة في الخارج على العموم والمقيمة بالديار الهولندية على الخصوص.
و لكم الشكر والتقدير على المجهود. الله المستعان.
3 - عبد الصمد لزعر الأحد 09 غشت 2020 - 20:23
السلام عليكم السي مصطفى
شكرا على هذا المنشور الجميل الذي قربنا من معاناة احبتنا في بلاد الغربة وذكرنا أيضا بشخصية عمي عبد الملك الرجل الطيب والمحبوب لدى كل العائلة. سيكون لي الشرف الكبير للتعرف إليكم في اقرب وقت ممكن.
حفظكم الله واسرتكم الطيبة والى فرصة قريبة إن شاء الله
4 - فوزية بن جلون الأحد 09 غشت 2020 - 21:47
أخي مصطفى كل الشكر والتقدير لهذا المقال الذي كتبته في حق والدي او بابا سيدو رحمه الله وان لله وان اليه راجعون.
5 - Fatine الأحد 09 غشت 2020 - 22:07
Babasido ,était un homme droit il incarnait l’honnêteté ,c’était un homme de valeur et de principe.Sa perte a était comme un chamboulement pour notre famille , en tant que sa petite fille en tant que personne qui réfléchit je ne pourrais jamais décrire l’homme qu’il a était je te remercie mon oncle pour cet article وإن الله وإن إليه راجعون
6 - ميلود الصغير الأحد 09 غشت 2020 - 22:36
لقد فقدنا الرجل الطيب الانسان الخلوق الاخ الاكبر والصديق الحميم .لقد كنا محظوظين اخي مصطفى اننا عاشرناه كاصهاره وكان يكن لنا كل الاحترام والتقدير والحب ونبادله نفس الشئ. تغمده الله بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جناته.
7 - عبد اللطيف الاثنين 10 غشت 2020 - 00:43
ضريبة الغربة
مقال حزين، مؤثر وجميل، مع تحفظي على الكلمة في مثل هذه الظروف العصيبة.
أسلوب سلس ومعبر، قصة حزينة وقوية في نفس الوقت. قصة واقعية وأليمة، مليئة بالأسى والحزن والمرارة. ظروف عصيبة ،الأمل فيها قليل إن لم يكن منعدما، ومع ذلك كله نبقى متشبثين بخيط رفيع ألا وهو رحمة الله سبحانه وتعالى.
فالمعاناة كبيرة وقوية يعجز اللسان عن وصفها والعقل عن تصورها.
والشيء الذي يزيد الوضع ألما، حسرة وحزنا، هو أن هذه المعاناة تمر في صمت رهيب...
وما يزيد الطين بلة هو أننا ننتظر شيئا ما لا نود حدوثه، ولا حتى التفكير فيه، مع العلم أنه واقع لا محال.
أخي مصطفى، لقد تطرقت إلى موضوع حساس وحزين، ومعاناة كبيرة نعيشها نحن المهاجرون في صمت.
وأنا مثلك، أنحني إجلالا واحتراما للسيدة حورية، ولجميع المهاجرين الذين مروا من نفس هذه التجربة المريرة.
صدقت أخي مصطفى ،إنها ضريبة الغربة.
8 - نظرة بن جلون الاثنين 10 غشت 2020 - 10:52
شكرا جزيلا اخي مصطفى علي كل مجهودك معنا.
مقال جد رائع في أدق التفاصيل ،أحسست بحزن عميق عند قرأة كل كلمة وكل سطر، أحسست بوجعكم عند تلقيتم الخبر وانتم في الغربة ولا حول لكم ولا قوة.
قدر الله محتوم وماشاء الله فعل، ورضي بقضاء الله وقدره واجب .
بابا سيدو سيبقي راسخ في ذاكرتنا رغم وفاته و الله يرحم ويسكنه فسيح جناته.
9 - hassane الاثنين 10 غشت 2020 - 14:19
اذا كانت فعلا للهجرة امتيازات كثير واوجه اجابية عديدة، فهذا لا يعني ان الحياة في الغربة كلها عسل،
العيش بعيدا عن الاهل و الاصدقاء ضريبة كبيرة يؤديها المهاجر في غربته.
هذا المقال يصور لنا واحدة من الحالات الكثيرة التي يعاني منها اخواننا في المهجر .
وفقت و بامتياز في تصوير حالة وفاة " بابا سيدو" و الالم الذي ترتب عنه.
10 - sami الاثنين 10 غشت 2020 - 14:36
يجب ان نغير نظرتنا لجاليتنا في الخارج. انها جزء من مجتمعنا. و لا يجب ان ننظر فقط لما تغدقه علينا من عملة صعبة . لقد استطاع عدد كبير منها ان يحقق نجاحا كبيرا في بلاد المهجر. بل يضرب المثل بالعديد منهم في جميع القطاعات.
نود قراءة المزيد من هذه المقالات التي تصف لنا وضعية جاليتنا في الخارج. حتى نتقرب اكثر منهم و ونفتخر بهم ايضا.
11 - Zhor Belarbi الخميس 13 غشت 2020 - 15:09
شكرا أخي مصطفى على كل ما كتبته في حق المرحوم عمي عبد المالك. فكل ما قلناه فهو قليل في حقه لأنه كان رجل طيب و محبوب في العائلة بدون استثناء. كان بمثابت أب وليس زوج عمتي
المجموع: 11 | عرض: 1 - 11

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.