24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

23/09/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4707:1313:2516:4719:2720:42
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما هو المطلب الأكثر أولوية في رأيك؟

قيم هذا المقال

3.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | مدارات | الكنبوري: هذه التحديّات الأمنية الجديدة أمام المنطقة المغاربية

الكنبوري: هذه التحديّات الأمنية الجديدة أمام المنطقة المغاربية

الكنبوري: هذه التحديّات الأمنية الجديدة أمام المنطقة المغاربية

الوضع المقلق الذي باتت تعيشه المنطقة المغاربية من الجانب الأمني والسياسي، لم يعد مُثيرا الارتياح لدى الأنظمة وحتى الشعوب، فارتفاع مخاطر التهديدات الإرهابية وانتشار "الظاهرة الداعشية" أغلق الباب على ما خلفه من مرحلة "الربيع العربي" الذي كان حُلماً من أجل التغيير ومحطة للمطالبة بالإصلاح.. حتى باتت المنطقة تعيش أمام منعطفات حاسمة، وتحديات جديدة "لم تعد تناسب الأنماط السياسية القديمة التي سادت خلال العقود الماضية".

الباحث في الجماعات الإسلامية وقضايا التطرف والإرهاب، إدريس الكنبوري، وضع التحديات الأمنية الجديدة التي تعيشها المنطقة المغاربية في الميزان، مشددا على أن توسع "الدولة الإسلامية في العراق وسوريا"، المعروفة اختصارا بـ"داعش"، وامتداداتها إلى شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، يضع بلدان هذا الجزء من العالم العربي في قلب التطورات الأمنية النوعية الجديدة، مشيرا إلى أن الظاهرة "الإرهابية" تظل مرشحة للتفاقم "في غياب آليات جديدة ومبتكرة للتعاون والشراكة بين هذه البلدان".

وفيما يلي، يقدم الكنبوري مقاربته حول "التحديات الأمنية الجديدة في المنطقة المغاربية: من أجل استراتيجية جماعية للأمن الإقليمي"، التي تقدم بورقتها لدى أشغال المنتدى المغاربي السادس المنظم أخيرا بالدار البيضاء، كما توصلت بها هسبريس.

التحديات الأمنية الجديدة في المنطقة المغارببة: من أجل استراتيجية جماعية للأمن الإقليمي

عندما اندلعت الانتفاضة التونسية التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي عام 2011، مطلقة بذلك شرارة ما سمي بالربيع العربي، ساد الاعتقاد وقتها بأن التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة سوف تشجع التوجه الإصلاحي، مقابل التوجهات الراديكالية المتطرفة التي طبعت الخط العام في المنطقة منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وبشكل خاص منذ تحول الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى جماعة تابعة لتنظيم القاعدة الدولي، تحت مسمى"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، عام 2007. لقد اتجه العديد من الدراسات حول التطورات السياسية والأمنية في المنطقة إلى التأكيد على أن تلك الأحداث، التي سرعان ما عمت باقي بلدان المنطقة على تفاوت في ما بينها، ستعمل على كبح جماح الجماعات المسلحة ودفعها إلى التراجع إلى الخلف، بعد أن تحول الشارع إلى لاعب رئيسي في مسار الأحداث مع "الربيع العربي"، ودخول أطراف سياسية مدنية ساحة الحراك في المنطقة، مما بدا أنه يقطع الطريق أمام جماعات العنف المسلح.

غير أن تطورات الأحداث طوال السنوات الأربع الماضية، وخصوصا في الساحة الليبية، أظهرت أن الرهان على الاستقرار لم يكن صائبا، وأن ما سمي بالربيع العربي أضاف تحديات وأعباء أمنية ربما أكثر جذرية مما كان عليه الأمر قبل حقبة 2011، إذ يرى بعض الباحثين أن مرحلة الربيع العربي كانت بمثابة"نقطة اللاعودة" بالنسبة للظاهرة الإرهابية في شمال إفريقيا، نظرا لما أتاحته من فرص أمام الجماعات المسلحة، نتيجة تردي الأوضاع الأمنية(1). فقد أصبحت المنطقة أمام بؤر توتر عديدة ومختلفة، إذ لم يعد التحدي ممثلا فقط في التداعيات الأمنية الخطيرة التي كان يطرحها وجود تنظيم القاعدة في منطقة الساحل والصحراء، بل أضيف إلى هذه البؤرة ما يجري في ليبيا من انفلات عسكري يهدد الاستقرار في باقي بلدان المنطقة، علاوة على الأزمة في مالي، وسيناريوهات التوتر التي تظل كامنة في الساحة الجزائرية، نتيجة حالة الاحتقان السائدة بين الإسلاميين المتشددين والنظام، والمخاطر المحتملة بخصوص التحول السياسي الحاصل في تونس.

لقد شكلت مرحلة"الربيع العربي"، سواء في المنطقة المغاربية أو المنطقة العربية بشكل عام، مرحلة "انكفاء على الذات" لدى مختلف الأنظمة، فنتيجة للقلاقل والأحداث التي واكبت موجة الربيع العربي، شهدت أنظمة المنطقة حالة من الانكماش من أجل تدبير تكاليف المرحلة، أمنيا وسياسيا؛ بيد أنه بعد مرور أربع سنوات على بدء تلك الأحداث، واستمرار التداعيات المشار إليها، فإن هناك مراوحة ما بين استمرار حالة الانكفاء على الذات هذه لدى بلدان المنطقة، خصوصا في ظل استمرار القطيعة بين المغرب والجزائر بسبب نزاع الصحراء، وبين الحاجة إلى التنسيق من أجل مواجهة هذه التداعيات، في الوقت الذي أصبحت فيه التحديات الأمنية تتجاوز البعد القطري الضيق لتصبح ذات بعد إقليمي معقد.

أولا: الوضع الأمني بالمغرب العربي عشية الربيع العربي

على مدى العقود الماضية شكلت منطقة المغرب العربي نقطة التقاء مجموعة من المصالح الاستراتيجية للبلدان الغربية، فنظرا لقربها من القارة الأوروبية، شهدت المنطقة تسابقا محموما بين القوى الغربية على البحث عن موطئ قدم لها، خصوصا ما بين الفرنسيين والإسبان والإيطاليين، الذين يمثلون القوى الأوروبية التي تتوفر على ماض استعماري في المنطقة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبقيت تحافظ على موقع الشريك التقليدي لبلدانها حتى بعد نهاية المد الاستعماري؛ وقد كان الجانب الاقتصادي والتجارب هو المتغلب في هذه المعادلة بين بلدان المنطقة وتلك القوى الأوروبية.

ومع بداية الحرب الباردة بين القطبين الرأسمالي والاشتراكي، دخل على خط الصراع على النفوذ في المنطقة طرفان رئيسيان، هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. وبالنظر إلى الطابع الإيديولوجي الجديد الذي اصطبغ به الصراع بين هذين القطبين، أصبحت منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا مسرحا للتجاذب على خلفية إيديولوجية، ولم يعد العامل الاقتصادي والتجاري وحده المهيمن. فقد كانت كل من واشنطن وموسكو تبحثان عن حلفاء في المنطقة لتوسيع مجال نفوذهما، ولعب موقع المنطقة على الحدود مع القارة الأوروبية دورا أساسيا في إذكاء الصراع، بسبب صراع القطبين حول النفوذ على أوروبا. وكان من نتائج هذه المرحلة ذات الطابع الإيديولوجي ظهور أزمات إقليمية جديدة، تمثلت بشكل خاص في ملف الصحراء بين المغرب والجزائر، وقضية الحدود بين البلدين، وهو صراع أخفى في تلك الحقبة طموحات واضحة لدى كل دولة في الهيمنة، بحيث إن الجغرافيا شكلت مفتاحا للسياسة في المنطقة، فمن يربح الأرض يحصل على الموقع الاستراتيجي.

لقد أدت تلك الحقبة من الصراع إلى نشأة أول جماعة مسلحة في المنطقة، ذات مطالب سياسية تسعى إلى تكوين دويلة سادسة في المغرب العربي، تزيد في إضعاف بلدان المنطقة وترسخ عامل التجزئة الإقليمية التي ورثتها المنطقة عن المرحلة الاستعمارية. فنشأة جبهة البوليساريو، التي انطلقت بالمطالبة ببناء دولة في الصحراء، كانت بداية العمل المسلح غير النظامي؛ إذ مثلت الجبهة منذ سبعينيات القرن الماضي عاملا رئيسيا في خلط الأوراق بالمنطقة، وكانت عنوانا للحروب بالوكالة في شمال إفريقيا، ومفتاحا لعدم الاستقرار.

رسخ هذا المعطى في العلاقات بين بلدان المنطقة سلوكات سياسية ترتكز على الاستقطابات الثنائية، وصراعات الأحلاف والمحاور، الأمر الذي تضررت منه شعوب المنطقة طيلة العقود الماضية، بالنظر إلى الإنفاقات العسكرية الكبيرة التي كانت تصرف لفائدة السباق على التسلح. وبالرغم من توقيع اتفاقية المغرب العربي الشهيرة عام 1989، إلا أن ذلك لم يؤد بأي حال إلى إنهاء تلك السلوكات السياسية التقليدية، وكان من بين العوامل التي أسهمت في عرقلة تنفيذ هذه الاتفاقية دخول الجزائر في حرب أهلية بسبب إصرار المؤسسة العسكرية على أن تظل الفاعل السياسي الرئيسي في البلاد، ولا شك أن هذا الإصرار كان يعني في نفس الوقت أن منطق القوة العسكرية في العلاقات المغاربية لا يزال هو المنطق المتحكم، خصوصا في ما يتعلق بإبقاء ملف النزاع حول الصحراء قائما، والحفاظ على نفس السياسة المغذية والداعمة لجبهة البوليساريو.

خلال العقود التي مضت من عمر الصراع على الصحراء، والنزاع المغربي ـ الجزائري، بقي الطابع الإقليمي هو المهيمن على هذا الصراع، ولذلك يمكن ملاحظة أن المقاربة الأوروبية والأمريكية لهذا النزاع ظلت تتعامل معه كقضية إقليمية تهم بلدان المنطقة، طالما أن تداعياتها الإقليمية لا تتجاوز البعد المغاربي إلى البعد الدولي.

مع أحداث الحادي من شتنبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تتغير المقاربة بشكل جذري لشؤون المنطقة المغاربية. وقد سعت واشنطن منذ تلك الفترة إلى تعزيز تواجدها بشكل واضح، في إطار خطتها الدولية لمواجهة الظاهرة الإرهابية الجديدة. وتمثل هذا الحضور بدرجة أساسية في إدراج المنطقة ضمن مشروع"الشرق الأوسط الكبير" الذي يضم منطقة شمال إفريقيا، والذي يمتد من باكستان إلى المغرب، وكذا في منح المنطقة أهمية استراتيجية في"العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة" التي وضعتها واشنطن عام 2002(1).

أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة، كقائدة لتحالف دولي كبير عام 2001، على إمارة طالبان في أفغانستان، إلى تشتيت تنظيم القاعدة ودفعه إلى اختيار ملاذات أخرى بعيدا عن أفغانستان، وقد شكلت منطقة شمال إفريقيا موقعا خلفيا للمسلحين المتطرفين، مستفيدين من الأوضاع الهشة التي يعيشها عدد من بلدان المنطقة، ومن وجود مساحات صحراوية شاسعة بعيدة عن المراقبة، هي منطقة الصحراء الكبرى، التي عوضت خسارة تنظيم القاعدة لجبال تورا بورا التي قصفها التحالف الدولي، بحيث بدأ الحديث يروج عن وجود مخططات لتنظيم القاعدة من أجل تحويل منطقة شمال إفريقيا إلى"أفغانستان جديدة"(2). ظهر هذا التوجه في نقل معركة القاعدة إلى شمال إفريقيا من خلال عدد من العمليات، التي شكلت رسائل سياسية إلى بلدان المنطقة والغرب، من بينها استهداف مقر تابع لمنظمة الأمم المتحدة في الجزائر بتاريخ 11 دجنبر 2007، في العام نفسه الذي شهد التحاق تنظيم"الجماعة السلفية للدعوة والقتال" بالقاعدة، وقد سعت تلك العملية إلى محاكاة عملية مشابهة قام بها تنظيم القاعدة في العراق بزعامة أبي مصعب الزرقاوي عام 2005 في بغداد، واستهدفت هي الأخرى مقرا تابعا للمنظمة(2).

استفادت خلايا تنظيم القاعدة والجماعات السلفية المقاتلة، في شمال إفريقيا وبلدان الساحل، من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الهشة في بلدان المنطقة، ومن غياب التنسيق والتعاون الإقليميين في ما بينها، وعدم وجود استراتيجية إقليمية مشتركة لمحاربة الإرهاب، خصوصا في مواجهة مساحات صحراوية شاسعة تتجاوز قدرة منظومة أمنية محلية واحدة على مراقبتها وضبطها. وقد ساعدت هذه المعطيات الجماعات المسلحة في تحويل منطقة الصحراء إلى ملاذ آمن بعيد عن أي سلطة أمنية أو عسكرية، الأمر الذي مكنها من التناسل واستقطاب مقاتلين جدد، والولوج إلى مصادر تمويل مهمة لدعم مشروعها الإرهابي، حيث اعتمدت بشكل أساسي على التمويلات الناتجة عن الفديات مقابل الإفراج عن رهائن الدول الأجنبية، وعائدات المتاجرة في الأسلحة والمخدرات والسجائر المهربة عبر الحدود مع العصابات الدولية، خاصة من أمريكا الجنوبية، والمتاجرة في تهريب البشر(4).

اختلف أداء دول المنطقة المغاربية تجاه المخاطر والتهديدات الإرهابية، محليا وإقليميا. فعلى المستوى المحلي، وضع كل بلد سياسة أمنية محلية للتصدي لجماعات العنف المسلحة، التي تزايدت في مرحلة ما بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن. وقد تمثلت هذه السياسة المحلية في إعادة النظر في مناهج وأساليب التطرق إلى المسائل الدينية، وإدخال تعديلات على شكليات الخطاب الديني السائد، في محاولة لتجفيف منابع التطرف والإرهاب بدءا من الأصول، كما هو حال المغرب، الذي وضع منذ عام 2004، عقب تفجيرات الدار البيضاء الدموية عام 2003، سياسة أطلق عليها رسميا تسمية"إعادة هيكلة الحقل الديني"؛ كما تمثلت تلك السياسة في إجراء تعديلات قانونية في القوانين الجنائية الموجودة، بهدف التصدي للأعمال الإرهابية.

أما على المستوى الإقليمي، فقد جرت خلال السنوات الماضية عدة مبادرات لتوسيع عضوية"تجمع دول الساحل والصحراء"، الذي أنشئ عام 1998، بحيث صار يضم أزيد من خمسة وعشرين دولة إفريقية، وتم تكثيف اللقاءات التي يعقدها اتحاد المغرب العربي، في محاولة للخروج من الجمود الذي يراوح فيه منذ سنوات عدة، كما تحولت قضية الإرهاب والعنف في المنطقة إلى محور أساسي في قمم الاتحاد الإفريقي. وبالموازاة مع هذه التجمعات الإقليمية الثلاث، كانت هناك محاولات عدة لدعم التنسيق بين بلدان المنطقة في عدد من المحاور الإقليمية الأخرى، مثل مجموعة"5+5"، والحوار الأورو ـ متوسطي، وما يعرف بمسار برشلونة المنبثق عن مؤتمر برشلونة عام 1995، وآليات التنسيق الأمريكي ـ المغاربي، وغيرها من المحاور.

غير أن تلك التجمعات الثلاث، والمحاور المشار إليها، ظلت قاصرة عن أن تؤدي إلى نتائج ملموسة على الصعيد الميداني، في ما يتعلق بمكافحة العنف والإرهاب بالمنطقة، أو تبلور خطة استراتيجية مشتركة بين بلدان المنطقة لهذا الغرض. ويرجع السبب في هذا العجز إلى وجود حساسية بين بعض بلدان المنطقة، خاصة بين المغرب والجزائر نتيجة للنزاعات التقليدية بين البلدين والصراع على الهيمنة والنفوذ؛ فقد عملت الجزائر طيلة الأعوام السابقة على عزل المغرب عن محيطه الإفريقي في جميع المبادرات الإقليمية التي تم اتخاذها في إطار محاربة الإرهاب، وظهر ذلك في عزم الجزائر على إنشاء"دول الميدان" عام 2009، التي تتكون من أربع دول، هي الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر، لدعم التنسيق الرباعي في محاربة الإرهاب والجريمة، إضافة إلى إنشاء "المركز الإفريقي للدراسات والبحث حول الإرهاب" بالجزائر العاصمة، والذي تم تهميش المغرب من العضوية بداخله. وفي نفس الاتجاه، نجحت الجزائر حتى 2011 في تقزيم الدور المغربي إفريقيا، عبر إقحام جبهة البوليساريو في معظم هياكل ومؤسسات الاتحاد الإفريقي، في سياق إقليمي تميز بظاهرة المحاور في القارة الإفريقية، من خلال التقارب مع نظام العقيد الليبي السابق معمر القذافي(6).

ثانيا: ما بعد الربيع العربي.. تنامي مؤشرات عدم الاستقرار

إذا كانت أحداث الربيع العربي، في المنطقة المغاربية، قد شكلت محطة للمطالبة بالتغيير والإصلاح والمزيد من الأساليب الديمقراطية بالنسبة لشعوب المنطقة، فهي أيضا شكلت رافعة من روافع تغيير التوازنات الإقليمية التي كانت سائدة طوال المرحلة السابقة. فالعديد من بلدان المنطقة عملت على القفز على التقاط الفرص التي أتاحتها تلك التحولات الإقليمية، وإعادة التموقع مجددا في المشهد الإقليمي الجديد، سواء في مواجهة الأطراف التقليدية المنافسة، كما هو الحال بالنسبة لكل من المغرب والجزائر، أو تحسبا لبروز قوى إقليمية جديدة.

غير أنه بدلا من أن تكون حقبة ما بعد الربيع المغاربي مرحلة التموقع الجديد لبلدان المنطقة، كانت على العكس من ذلك مرحلة تموقع بالنسبة للجماعات المسلحة، التي وجدت في خضم تلك التحولات مناسبة سانحة للإعلان عن ظهورها وانتشارها الجغرافي، على هامش الدولة الوطنية التقليدية، التي خرجت من تحولات الربيع أكثر تفككا أو ضعفا من ذي قبل. وتظهر لنا الفترة ما بين 2011، وهي سنة اندلاع الأحداث في تونس، ونهاية 2014، نموا كبيرا في معدل نشأة الجماعات المسلحة ذات التوجه السلفي الجهادي، بوتيرة أسرع بكثير من وتيرة نشأتها في السنوات العشر السابقة على تلك الأحداث. ففي أكتوبر 2011 أعلنت جماعة جديدة تطلق على نفسها إسم"حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، عن وجودها من خلال تبنيها عملية اختطاف ثلاثة من عمال الإغاثة من إسبانيا وإيطاليا في محافظة تندوف الجزائري، وفي الشهر الموالي تم الإعلان عن نشأة حركة جديدة هي"حركة أنصار الدين" بتونس في نوفمبر 2011، وبعد شهر واحد، أي دجنبر من نفس السنة، أُعلن عن نشأة"حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا" التي تركز نشاطاتها على مالي؛ وخلال سنة 2012 أعلن عن نشأة عدد من هذه الحركات، من بينها"حركة الموقعون بالدم"، التي تركز نشاطاتها على كل الجزائر وليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا، وجماعة"أنصار الشريعة" وجماعة "عقبة بن نافع" التي تركز نشاطاتها في ليبيا، ثم جماعة"أنصار الشريعة" التي تشكل الفرع الليبي من تنظيم القاعدة؛ وخلال سنة 2013 أعلن عن ظهور تنظيم جديدة يطلق على نفسه تسمية"المرابطون"، يركز نشاطاته في عدد من بلدان منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وفي عام 2014 تم الإعلان عن تنظيم"جند الخلافة" بالجزائر.

فسحت أحداث الربيع المغاربي السبيل أمام بؤر جديدة للتوتر، ومثلت ليبيا بعد مقتل زعيمها السابق معمر القذافي المنطقة الأكثر غليانا في المنطقة، بشكل يتجاوز الحدود الوطنية لهذا البلد المغاربي الواسع الذي يفتقد إلى سلطة مركزية ومرجعية سياسية واضحة. لقد أصبحت ليبيا منذ نهاية عهد القذافي فاقدة لكل مقومات الدولة ذات السيادة الترابية على أطرافها، حيث نزلت إلى أدنى مستوى من انعدام الأمن والاستقرار والفوضى. وتشير تقارير غربية إلى أن عدد الجماعات المسلحة المقاتلة في هذا البلد المغاربي، عقب نهاية النظام السابق، وصل إلى 1700 جماعة منتشرة في مختلف أنحاء البلاد. وأمام غياب قنوات الحوار السياسي بين الأطراف المتناحرة، وهيمنة الحساسيات القبلية والجهوية، أصبحت ليبيا"حكومتين وبرلمانين في بلد واحد"، وزاد من مفاقمة الأوضاع الأمنية دخول الجنرال المتقاعد خليفة حفتر على خط الاقتتال منذ ماي 2014، وإطلاق حملة عسكرية للقضاء على الجماعات المسلحة حملت إسم"الكرامة"، مما زاد في إشعال نيران المواجهة بين مختلف التيارات(8).

ويرى بعض الباحثين أن غرق الوضع الليبي في الفوضى، عقب تطورات الربيع العربي، يعد نتاجا لتداخل الأوضاع المحلية مع الأوضاع الإقليمية في سياق إقليمي جديد، فقد أصبحت ليبيا نقطة التقاء وتصادم للاستقطابات والمحاور الإقليمية بعد الثورات، وهو ما يعني أن حظوظ وقف الفوضى الحاصلة في ليبيا تظل مرهونة بالدور الذي يمكن أن تلعبه تلك المحاور الإقليمية، وذلك بالتوازي مع المبادرات الداخلية في البلاد(9).

التحول النوعي الذي حصل في هذه المرحلة يتمثل في إعادة التموقع بالنسبة لجماعات مسلحة تقليدية في المنطقة، ذلك أن تطورات المشهد الأخير خلال السنوات الأربع الماضية بشكل خاص قد فتحت أمام هذه الجماعات مجالات جديدة للتحرك القتالي، وأتاحت لها فرصا غير مسبوقة في تنويع شركائها، بما نوع من أدوارها ونقلها من تنظيمات مسلحة تقليدية إلى تنظيمات دخلت في اشتباك مع التطورات الحاصلة في المنطقة. يتمثل هذا النموذج من التنظيمات الكلاسيكية في جبهة البوليساريو، إذ تشير تقارير عدة إلى أن هذه الأخيرة اندمجت في الصيرورة الجديدة للجماعات المسلحة في المنطقة عقب أحداث الربيع العربي، وباتت على تلامس معها. ففي شهر غشت من عام 2012، أقر مسؤول من الجبهة، هو محمد لامين بوهالي، الذي يتولى مسؤولية"وزارة الخارجية" في ما يسمى"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، بأن هناك ما بين عشرين إلى ثلاثين صحراويا التحقوا بالجماعات المسلحة في إقليم الساحل، وخصوصا فرع تنظيم القاعدة في المنطقة، و"حركة التوحيد والجهاد"(10). وفي شهر يناير من عام 2014 أكد تقرير صادر عن"المركز الدولي لدراسات الإرهاب" التابع لمؤسسة"بوتوماك" للدراسات السياسية، أن العلاقة ما بين جبهة البوليساريو والجماعات المسلحة الجهادية في شمال إفريقيا قد بدأت عمليا منذ عام 2012، سنة بعد اندلاع أحداث الربيع العربي، وذلك بالتزامن مع نشوب المواجهات المسلحة في مالي بين الجماعات المسلحة والحكومة المركزية، وقال التقرير إن الجماعات الجهادية لا تجد أي مشكلات في تجنيد مقاتلين في صفوفها من الأفراد المسلحين المنتمين إلى جبهة البوليساريو والمقيمين في مخيمات تندوف(11).

لقد أطلقت الأزمة التي اندلعت في مالي، على أثر الانقلاب العسكري في مارس 2012، دينامية متسارعة للتسابق على رسم مناطق النفوذ في القارة الإفريقية ما بين المغرب والجزائر. فبعد عقود طويلة من سياسة الإقصاء التي نهجتها الجزائر تجاه المغرب، من أجل قطع الطريق عليه أمام أي منفذ لتسجيل حضوره في القارة، وجد المغرب بعد تلك الأزمة الطريقة معبدة للعب دور رئيسي في المشهد السياسي والعسكري المالي، من خلال دعم التدخل العسكري الفرنسي في يناير 2013، مقابل الجزائر التي رأت في ذلك التدخل عرقلة لدورها التقليدي في الشؤون الإفريقية، وأحجمت من ثمة عن تأييد التدخل العسكري الفرنسي. وفي شهر نوفمبر 2013 أجتمع ما لا يقل عن تسع عشرة دولة إفريقية في العاصمة المغربية وخرجت بمبادرة أطلق عليها"إعلان الرباط"، لمحاربة الإرهاب في شمال إفريقيا(12).

شكلت هذه المبادرة منطلقا لعودة المغرب إلى القارة الإفريقية من بوابة الأزمة المالية، لكنها في ذات الوقت عززت من سياسة المحاور التقليدية في المنطقة، وكشفت وجود حالة من الانعزالية في السياسة الخارجية للجزائر تجاه شركائها الإقليميين المفترضين، ومن بينها المغرب، والاستنكاف عن معالجة الأزمات الإقليمية في إطار من الشراكة.

خاتمة

توجد منطقة المغرب العربي أمام منعطفات حاسمة، في ما يتعلق بالتحديات الأمنية ومخاطر التهديدات الإرهابية وارتفاع معدل تناسل الجماعات المسلحة المتطرفة، وهي تحديات جديدة لم تعد تناسب الأنماط السياسية القديمة التي سادت خلال العقود الماضية، نظرا لتشابك الظاهرة الإرهابية وتخطيها للحدود الوطنية المحلية، وحاجة هذه التحديات إلى وجود أنماط بديلة لمواجهته، على أسس من الشراكة والتنسيق والتعاون.

وعلاوة على الطبيعة المتشابكة للجماعات الإرهابية في المنطقة، هناك سمة أخرى تتعلق بهذه الجماعات، وهي طبيعتها البشرية. فهذه الجماعات اليوم تتشكل من أفراد ينتمون إلى مختلف بلدان المنطقة، وهي تعمل وفق نمط فوق ـ وطني عابر للحدود، ولا تعترف بالأنظمة القائمة إلا بوصفها عقبات أمام تمددها العسكري. كما أن توسع"الدولة الإسلامية في العراق وسوريا"، المعروفة اختصارا بـ"داعش"، وامتداداتها إلى شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، يضع بلدان هذا الجزء من العالم العربي في قلب التطورات الأمنية النوعية الجديدة، وفي غياب آليات جديدة ومبتكرة للتعاون والشراكة بين هذه البلدان فإن الظاهرة الإرهابية تظل مرشحة للتفاقم، أخذا بعين الاعتبار أن جزءا من النجاح الذي تحرزه هذه الجماعات المتطرفة يعود بشكل أساسي إلى الفشل في وضع استراتيجية جماعية للأمن الإقليمي لدى بلدان المنطقة.

هوامش

1 ـ Manuel R. Torres Soriano :El terrorismo yihadista tras las revueltas en el mundo árabe,Menos agravios y más oportunidades. Instituto Español de Estudios Estratégicos (IEEE), in : http://www.ieee.es

2ـ Smail Kouttroub, « Printemps arabe et nouvel ordre géopolitique au Maghreb », L’Année du Maghreb, IX | 2013, 143-156.

3ـ وكالة المغرب العربي للأنباء. 18 – 11 – 2010.

4ـ Jean-Pierre Filiu :La véritable histoire d’Al-Qaïda.Fayard/Pluriel ;2010.p214.

5ـMehdi Medkdour : Al Qaïda au Maghreb islamique.

http://www.grip.org/fr/siteweb/images/NOTES_ANALYSE/2011/NA_2011-08-25_FR_M-MEKDOUR.pdf

6ـ الحسين الشيخ العلوي: تجمع الساحل الخماسي.. تنسيق في ظل التعقيدات. مركز الجزيرة للدراسات.

http://studies.aljazeera.net/reports/2014/09/2014921988539708.htm

7ـ خارطة انتشار المليشيات المسلحة في ليبيا.

http://almadapaper.net

8ـ Jesús Díez Alcaldi :YIHADISMO EN ÁFRICA : AMENAZA, CONTEXTO Y RESPUESTA. Instituto Español de Estudios Estratégicos (IEEE), in : http://www.ieee.es

9ـ خالد حنفي علي: مسارات التحول في النزاع الليبي. مجلة "السياسة الدولية"، القاهرة، العدد 199. يناير 2015. ص 152.

10ـ El Polisario reconoce que hay saharauis alistados en Al Qaida del Magreb. 11 de ago,de 2012. http://www.abc.es

11ـ El Polisario : la pista terrorista preocupa en los EE.UU. 31/01/2014.

http ://propuesta-autonomia.org

12ـMali , Quand le Maroc supplante l'Algérie. 17 FÉVRIER 2014. http://www.courrierinternational.com


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (5)

1 - khalid الأحد 22 فبراير 2015 - 13:42
الجزائر سبب المشكلات في المنطقة، وقد أحسن الباحث المحترم تحليل هذه القضية من زاوية موضوعية، إذا بقيت الجزائر مضرة على سياساتها هذه فإن المنطقة كلها سوف تصبح في قضبة الارهابيين،
2 - المحب لوطنه م.ب. الأحد 22 فبراير 2015 - 15:36
لا استقرار في المنطقة المغاربية بسبب السياسة العرجاء للنظام الجزائري الساعي دوما إلى تقسيم الشعوب و خلق كيانات وهمية لأجل هدف واحد هو إشباع نهمه التوسعي.

المغرب مطالب بتحصين حدوده، و تقوية و تحديث قوته العسكرية عدة و عددا، و مواصلة مسيرته الإصلاحية و التنموية، و ردع الخونة، و القطيعة مع الريع السياسي، و نسيان أن له جارا إسمه الجزائر، و تنويع علاقاته الاقتصادية مع مختلف القارات، و نهج دبلوماسية هجومية إزاء أعداء وحدتنا الترابية، و الاستفادة من أخطاء الماضي.
3 - ahmad الأحد 22 فبراير 2015 - 16:24
تحليل دقيق لاوصاع المنطقة.داعش على ابواب المعرب العربي وبلدان المنطقة نائمة.استيقظوا أيها العرب
4 - المغرب العربي الاثنين 23 فبراير 2015 - 15:12
" المغرب العربي " مصطلح سياسوي أطلقه لأول مرة مستشار الملك فيصل بالعراق , "ساطع الحصري" سنة 1924 ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ثم انتقل المصطلح الى أوساط "" اتحاد طلبة شمال افريقيا "" بفرنسا التي تأسست سنة 1927 , ومعلوم أن أبناء الأعيان (الخونة) في تلكم الفترة هم وحدهم من كانوا يحظون بتكوين عصري, حتى يتسنى لهم أخد مكانة الاستعمار فيما بعد, بدعم من ألفقيه الماسوني مترجم وثيقة " الحماية " لسنة 1912 قدور بن غربيط التلمساني , ثم انتقل أيضا الى أوساط "" حزب الشعب الجزائري"" لمؤسسه الحاج مسالي ................. وبعد هزيمة المقاومة المغربية في البوادي سنة 1934, وتكوين كثلة العمل " الوطني" في تيطاوين, ظهر هدا المصطلح خلال مؤتمر طنجة الدي جمع قيادات أحزاب الاستقلال, جبهة التحرير والدستوري ................................................. ثم ما لبث أن ظهر سنة 1989, خلال "" تأسيس"" اتحاد بين بلدان شمال افريقيا , مع تحفظ خاص للرئيس التونسي بن علي الدي اختار البرلمان المغربي كي يوضح مغزى تحفظه على هدا المصطلح العنصري الاقصائي الغريب
5 - الحسن لشهاب الاثنين 23 فبراير 2015 - 19:40
فعلا لم تهدئ بعد رياح الربيع العربي حتى حل خريف الدواعش ، ولكن ما العمل ،ادا كان عملاقة المدارس السياسية (كالمغفور له الحسن الثاني )يعترفون بان الحق يؤخد و لا يعطى، نحن فعلا و بحكم مسؤولياتنا لا نريد لا خراب و لا دمار لهدا البلد العزيز ،ولكن مادا ينتظر من السياسة بلا مبادئ سوى البركان او الزلزال بلا سبق اندار ، ولعل التجربة الاوروبية ،و مهما مستواها الثقافي و المعرفي ،ومهما كونها تعرضت لكوارث طبيعية ومهما ما تعرضت له من انهزامات صليبية ،و مع دلك لم تتمكن من تحقيق ديموقراطيتها المحلية الا بعد الثورة الصناعية ، نحن و الحمد لله و بحكم موقعنا الجغرافي لم نتعرض لكوارث طبيعية و لا لحروب صليبية ، ولكننا و للاسف نبقى غير قادرين على محاربة ثقافة التشبث بالكراسي و المناصب و الانحناء الممثلئ بالنفاق امام حكومة الظل ،و الخوف من المستقبل المادي ،وعبادة الحسنوات و الجاه و المال .،
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

التعليقات مغلقة على هذا المقال