24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

13/11/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:2607:5513:1716:0418:2919:46
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما تقييمكم لأداء المنتخب الوطني المغربي بعد "مونديال 2018"؟
  1. الموارد المالية والبشرية تكتم بسمة أطفال في وضعيات إعاقة بوزان (5.00)

  2. تراث "هنتنغتون" .. هل تنهي الهوية أطروحة "صدام الحضارات"؟ (5.00)

  3. ترودو: مخابرات كندا توصلت بـ"تسجيلات خاشقجي" (5.00)

  4. قاصرون مغاربة يتورطون في اغتصاب شابة داخل مصعد بإسبانيا (5.00)

  5. حمار في احتجاج تلاميذ (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | مدارات | بين حركة النهضة ونداء تونس .. العصبيات الحزبية ولعبة السيطرة

بين حركة النهضة ونداء تونس .. العصبيات الحزبية ولعبة السيطرة

بين حركة النهضة ونداء تونس .. العصبيات الحزبية ولعبة السيطرة

ثمّة عنصران في الحياة السياسية التونسية انضافا إلى طغيان الإيديولوجيا والصراعات العقائدية وساهما بدورهما في الحيلولة دون توفر مقوّمات الإصلاح العميق والشامل الذي تنتظره البلاد. يتعلق الأمر من جهة بتصرف حركة النهضة ونداء تونس كقبيلتين سياسيتين وليس كحزبين وطنيين عليهما مسؤولية العمل على إنجاح الانتقال إلى الديمقراطية مع إعطائه مضمونا اجتماعيا عبر حل المشاكل التي قادت إلى الثورة، علما بأن هذا السلوك شمل حالتي المواجهة والمصالحة بينهما. أما العنصر الثاني فيتمثل في حالة التشرذم البالغة والتشتت الذي تشهده بقية المكونات ودوره في بعثرة الجهود وتبديد الطاقات بما حال دون تشكل حزب أو حزبين كبيرين للتيار الوسطي والتيار اليساري يجعلان من الصعوبة بمكان ارتهان تونس لحسابات قيادتي النهضة والنداء.

المشهد الحزبي: الانقسامية الغالبة والاستثناء النهضاوي:

لئن كانت الساحة السياسية قبل الثورة قد عرفت التشتت فإن ما بعدها سجل تضخما في عدد الأحزاب المكونة واستفحالا للنزعة الانقسامية. ثمة من يعتبر هذه الظاهرة منتظرة وعادية باعتبار ما تقود إليه عمليات الانتقال نحو الديمقراطية من انفجار التعبيرات الحرة وتوالد المشاريع السياسية وتنافس الرؤى والجماعات وذلك قبل أن يتحوّل الأمر من الغليان إلى الاستقرار وتختصر الكثرة في عدد محدود من الأحزاب.

ولئن كان هذا الرأي معقولا إلا أنه لا يفسّر لوحده وضعية شهدت تفريخ وتوالد عشرات الأحزاب، والتي قد يكون عددها بلغ المائتين أو أكثر، مع استمرار هذه الظاهرة إلى يوم الناس هذا مرة في شكل انشقاقات تتحوّل إلى مشاريع أحزاب كما حصل للنداء، ومرة بتعلّة جمع المتفرق كما يحاول البعض اليوم في اليسار. وبرأينا أن ثمّة عوامل أخرى كانت فاعلة قبل الثورة واستمرت في التأثير بعدها أو تركت المجال لمتغيرات أخرى. منها أن عديد التنظيمات قد نشأت في الأصل حول خلافات إيديولوجية أو سياسية داخل المعارضة، خلافات ثانوية بل تهم تفاصيل يتم تضخيمها والبناء عليها. كما كان يتم استنساخ انقسامات حصلت في فضاءات أخرى مثلما حصل مع التنظيمات الماركسية(تروتسكية، ستالينية، ماوية، الخ)، والقومية العربية(البعث العربي بشقيه العراقي والسوري، الناصريون، القوميون العرب، العصمتيون، الخ). كل هذه المجموعات الإيديولوجية عملت بالمقولة اللينينية."قبل أن نتحد علينا أن نتباين". في الواقع يصبح التباين مبرّرا لإقامة الجدران العازلة. ولئن كان السبب هو التفكير العقائدي الدغمائي الحائل دون البناء على المشترك، فإن عاملا ثانيا كثيرا ما يتدخل في تكاثر هذه الكيانات الصغرى وهو السعي إلى الزعامة والنزعة النرجسية التي ترافقه. فالباحثون عن الزعامة وعن تأبيد الزعامة سواء في أحزاب اليسار أو الأحزاب القومية أو الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، غالبا ما كانوا وراء الانشقاقات وشكلوا عوائق أمام تقريب التنظيمات التي تتقاسم أهدافا أو مرجعيات واحدة، بل أنهم لا يقبلون بمساعي التوحيد إلاّ إذا ضمنت لهم المكانة الأولى.

في ظل هذه الأوضاع تكاثرت الأحزاب الصغيرة أو "الحوانيت" كما يسمها البعض سواء في شكل طوائف إيديولوجية، ولنا في تاريخ الحركة الطلابية مثال ساطع على هذه الظاهرة، أو في شكل أحزاب شخصية وعائلية. ولم يظهر بعد الثورة التونسية سوى حزبان كبيران إضافة إلى النهضة وهما الجمهوري الذي لم تصمد وحدة مكوناته أكثر من سنة، ثم صديقه اللدود فعدوّه المعلن حزب النداء الذي لعب زعيمه دورا كبيرا سواء في استهداف الحزب الجمهوري وإفراغه من كوادره أو في خلق وضعية انتهت بانفجار الحزب الذي أسّسه بنفسه.

وما يهمّنا من كل هذا أمران: أن هذه الكثرة بما تعنيه من تبعثر الجهود وتنافر الإرادات وتغذية النزاعات عطّلت كل جهد حقيقي للانكباب على مشاكل البلاد، وأنه وفي انتظار تأكيد أو تنسيب الاختيارات والاتجاهات التي عبّرت عنها الانتخابات البلدية لسنة 2018، فإن ثمّة حزبين فقط يمثلان قوة وازنة وفاعلة على الصعيد الوطني ويمتلكان ماكنة تنظيمية وإمكانيات مادية ضخمة وشبكة ولاءات وعلاقات في الإدارات والمؤسسات وجيشا من المنخرطين. يتعلق الأمر بقبيلتين سياسيتين كبيرتين هما النداء والنهضة.

نستعير هنا مفهوم القبيلة الذي يشير عادة إلى جماعة تقوم على علاقات القرابة الحقيقية أو الوهمية والتي تشكل عامل لحمة يقويه العيش المشترك والمصالح المشتركة. هذا المصطلح نستلفه لتوصيف واقع أحزاب سياسية انخرطت في ظروف محدّدة في ممارسات وثقافة وآليات اشتغال مشابهة لما يميّز القبيلة كالعصبية والانتصار للقريب ظالما أو مظلوما والسعي لتحصيل الغنيمة المادية أو السياسية، بالإضافة إلى الانقياد لمشيخة كاريزمية. كما تأخذ بالاعتبار التاريخ والواقع العربي الذي عرف تداخل النموذج القبلي وأنموذج الهيمنة الإرثية بما يميّزه من شخصنة للسلطة وخوصصة للدولة في حال التمكّن منها. والملفت للنظر هنا هو الكيفيات التي يحصل بها التداخل بين هذه الأشكال من التنظيم والسلطة التقليدية وتمفصلها مع خصائص الحزب كتنظيم سياسي حديث.

بالنسبة للقبيلة السياسية الحديثة المتمثلة في حزب النداء فهي نتاج رسكلة وبالتالي إعادة تشكّل للقوى التي ارتبطت بالتجمع الدستوري فخدمته وخدمها بحكم تحكمّه في الدولة وممارساته الزبائنية، وارتبطت به مصلحيا وعاطفيا وايديولوجيا. لقد جمعت هذه القوى بين تعظيم لبورقيبة وما يرمز إليه وبين جبن ونفاق جعلها تسكت عمّا فعله به بن علي حيّا وميتا. ومع رحيل رئيسها وما أثاره فيها من فزع، وإثر قرار حلّ حزب التجمع، وجدت منقذا لها في الشخصية الكاريزمية لقائد السبسي، والذي يذكّر ببورقيبة من حيث تاريخه وثقافته السياسية وحنكته وحتى هيأته ومظهره، وكأنه الأب المؤسس وقد بعث من جديد، وقد استطاع أن يقوي الجذع الدستوري بفروع من إطارات الدولة ومن اليسار والنقابيين والمناصرين والمناصرات الذين هبّوا إلى النداء على أرضية معاداة حركة النهضة. وبالنسبة للإطارات فرحلت اليه طمعا في احتلال مواقع المسؤولية بالوزارات والإدارات والمؤسسات، تبعا لنفس الثقافة الزبائنية التي رسخها النظام السابق.

أمّا قبيلة النهضة، ومثلما أوضحنا في مقال سابق لنا بصحيفة "المغرب" بعنوان "الطائفة والقبيلة والحزب"، فقد كانت في لحظة تحاول فيها الخروج الصعب من وضعية الطائفة إلى وضعية الحزب السياسي عندما حوّلها القمع الشرس لنظام بن علي إلى عائلة كبرى أو قبيلة سياسية، صنعت الفجيعة أكثر من العقيدة والإيديولوجيات لحمتها ووحّدتها المأساة رغم كل الانتقادات التي تناولت إدارة قيادتها للأزمة مع النظام والتباينات الفكرية والسياسية الأخرى التي لا يخلو منها حزب سياسي. ولكن القمع الوحشي لرجال ونساء حركة النهضة أتاح لها، ولو بصورة غير مقصودة، الاستثمار في صورة الضحية، كما حصل في انتخابات 2011 عندما كفّر الشعب التونسي لها ولغيرها من الإسلاميين عن سكوته طيلة عشرين سنة فجازاها في انتخابات المجلس التأسيسيّ. كما تدّعم منطق القبيلة بدل أن يتراجع إثر الثورة، وذلك خلال المواجهات التي جدت مع القوى الحداثية قبل وأثناء وإثر قيام حكومة الترويكا والاتهامات التي وجهت إلى حركة النهضة بخصوص العلاقة بالجهاديين والإرهابيين. وباختصار، نتيجة الإحساس، بأنها مستهدفة وأن على مكوناتها الحفاظ على الوحدة المقدسة للجسم النهضاوي. ولعل في هذا ما دفعها أيضا، في نوع من المفارقة، إلى العمل على التموقع والانغراس في مؤسسات الدولة وتوزيع أبنائها أو المؤلفة قلوبهم على الإدارات، حتى مع غياب الكفاءة والاقتدار، وهي ممارسة لم تحصل حتى في عهد بن علي.

هاتان القبيلتان اصطدمتا منذ تأسيس حزب النداء في أواسط 2012 والى حد اعتصام الرحيل في 2013 ثم قبلتا وبصعوبة فكرة الحوار الوطني الذي بادرت به الأحزاب الوسطيّة التقدميّة ثمّ قبل به وترأسه الاتحاد العام التونسي للشغل- لتنتهيا إلى علاقة شراكة سياسية بلغت أحيانا حدّ التواطئ والتخليّ عن الالتزامات السابقة لكل منهما. ومن المهم هنا التوقف عند خلفيات وتعبيرات هذا التحوّل الذي يمكن اعتباره بمثابة "انقلاب" في الحياة السياسية، وكان من نتائجه إحداث صدمة في صفوف الجناح الندائي المؤدلج والمعادي بضراوة لما يسمّيه "الإسلام السياسي" أو "الإخوان" وهي التي أدّت إلى تصدّع صفوفه.

الصراع على الهيمنة: من الفزاعات التآمرية إلى التفاهمات الانتهازية:

في ظل ما ذكرنا عن طغيان الاهتمامات والنزاعات الإيديولوجية والسياسية على ما عداها، شكّلت اللعبة السياسية كما أدارتها زعامتا نداء تونس وحركة النهضة أحد أبرز العوائق أمام البحث عن حلول للقضايا المزمنة التي تعيشها تونس والتي أدّى تراكمها وتفاقمها إلى الانتفاضة الشعبية. كان هاجس قيادة كل من الحزبين هو الوصول إلى الحكم أو البقاء فيه، إمّا منفردا ممّا يقتضي إقصاء المنافس، وهو ما اتضح تعذره، أو بالاتفاق على إقامة احتكار ثنائي لا يحول فيه "التدافع" دون التفاوض والتفاهم، وهو ما حصل في لحظة ثانية. كانت مسألة السيطرة ولا تزال أولوية الأولويات بالنسبة لهما وليست قضية التنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية مهما زعما وحبّرا من برامج وقدّما من وعود انتخابية.

لذلك ومهما كان حظ الدهاء والحسابات الماكيافيلية، وحظ الشعور بالخطر أو عدم الاطمئنان في رسم الاتجاهات والمنعطفات، فقد عمل كل من النداء والنهضة على إنتاج وتكريس وضع من الاستقطاب تحقق في مرحلة أولى بتغذية مشاعر الخوف من نوايا الخصم قبل الانتقال إلى المهادنة والتسويات وتبادل المصالح.

ففي الوقت الذي كانت فيه النهضة، عبر ترويكا افتراضية إلى حد كبير، تسعى للتحكم في الإدارة والأجهزة الحسّاسة والإعلام وتبدي تساهلا مدهشا إزاء تحركات السلفية الجهادية واعتداءات التكفيريين، كان قائد السبسي وأعضاده يعملون بنجاح على توسيع صفوف النداء. وبين ادّعاء قياديي النداء أنهم "معاضدة لا معارضة" وامتناع حركة النهضة عن تصديق من تعتبرهم سليلي التجمع وأزلام بن علي، تصاعدت التوترات وانخرط كلا المعسكرين في حملات عنيفة لأطراف أسقطت نزاعها على المجتمع التونسي بأسره وقسّمته دون علمه إلى علمانيين وإسلاميين.

وممّا ضاعف من أخطاء حركة النهضة وهي في الحكم خلطها بين العداوة لبورقيبة ونظامه والدولة الوطنية ورموزها. وكانت الحركة نأت منذ بداياتها عن المتخيل الوطني في ردّ فعل على سياسة بورقيبة تجاه المؤسسة الدينية وعلمانيته المكافحة وبتأثير من الإيديولوجية السلفية الإخوانية التي لم تتخل عن حلم الخلافة وأولوية مفهوم الأمة الدينية على الأوطان والدول القومية. في الحقيقة لا يختلف الموقف من الدولة القومية (الوطنية) هنا عمّا نجده في الإيديولوجيتين القومية العربية والماركسية والفارق هو أن قيادة الاتجاه الإسلامي/النهضة جعلت كراهيتها للنخبة التي قادت بناء الدولة عامل قطيعة مع المتخيّل الوطني، وهو شعور وجد ترجمته في إحجام حكومتي الجبالي والعرّيض عن إحياء ذكرى عيد الاستقلال وأيضا عجز حركة النهضة عن التقاط حادثة الاعتداء السلفي الجهادي على رمزية العلم الوطني ببوابة كلية منوبة.

لم يكن من الغريب والحالة تلك أن يستغل مؤسس حزب النداء الفرصة ليتهم النهضويين بأنهم لا يؤمنون بالدولة ولا بالعلم الوطني. بل ذهب به الأمر، وهو العلماني، إلى استخدام سلاح الدين ضدهم واعتبارهم غير مسلمين (صحيفة المغرب، 17 جوان 2012)، كما هاجم زعيم النهضة شخصيا واعتبره غير مسلم.

ولا ينبغي لهذا التوظيف السياسي للدين أن يثير الاستغراب حتى وإن شكّل مفارقة في مشهد الاستقطاب: فالزعيم الحبيب بورقيبة سبق أن فعل نفس الشيء أكثر من مرة، بدءا بموقفه من قضية التجنيس. كان تصرّف قائد السبسي سياسيا محضا ولم يكن في أيّ لحظة تخلّيا عن ثوابت الثقافة السياسية الوطنية الحداثية التي تعود إلى تأسيس الحزب الدستوري ثم تعززت وتمكنت في ظل مركب الدولة/الحزب المبشر بالحداثة. فالقنوات المتعددة للتنشئة من التوجيهات الرئاسية إلى المدرسة إلى الإتحاد النسائي والنقابات، وصولا إلى المجتمع المدني كما نحتت ملامحه هذه الدولة الوصية -هو ما أعطاها ثقلا تاريخيا وعمقا اجتماعيا وثقافيا لم ينجح لا زلزال الثورة ولا ثأر الإسلاميين في إلغائه. لقد تشكل بمرور الأجيال نسيج واسع ومركب من ثقافة سياسية وهيمنة إيديولوجية بالمعنى الذي أعطاه غرامشي لهذه العبارة، نواتها الصلبة تتمثل في الفكر السياسي الدستوري-البورقيبي ولكنها تتداخل في أطرافها مع المرجعيات اليسارية والنقابية والحقوقية. وهذه الثقافة هي التي كانت سلاح أحزاب المعارضة وهيئات المجتمع المدني وأوساط الاتحاد العام التونسي للشغل والمدرسة والإعلام وحتى الأجهزة الأمنية، والذي مكّن هذه الكتلة الواسعة من وقف الزحف الإسلامي النهضاوي والسلفي قبل أن تمر الى الهجوم المضاد وتدفعه إلى التراجع.

بيد أن ما يسترعي الانتباه في تلكم المواجهات المكلفة والمفيدة في نفس الوقت، هو مفردات ووسائل الحرب الإيديولوجية زمن حكم الترويكا. ونكتفي في هذا الصدد بالتوقف عند ما نسمّيه أسطورة المؤامرة. فقد نمت فكرة المؤامرة ووجدت تعبيرها في صيغ مثل الإنقلابية والتمرد والثورة المضادة، والفارق الوحيد هو أن كليهما ينسب هذه النوايا الخبيثة والمشاريع الخطيرة للطرف المقابل.

كان حزب النداء والجبهة الشعبية قد روّجا لصورة المؤامرة على أرضية العداوة المتأصلة بين التجمّعيين والإسلاميين مرفوقة منذ عهد بن علي بالعداء الذي يحمله الماركسيون والقوميون للفكر الإخواني: الأولون بسبب موقفهم من الدين في حدّ ذاته وخلطهم بين الإسلام والإخوان المسلمين تحت عنوان "الظلامية"، والآخرون لأنهم بقوا متأثرين بذاكرة الصدام بين جمال عبد الناصر والإخوان في مصر وكذلك بين نظام البعث والإخوان في سوريا. ولذلك ارتبط الهجوم على حركة النهضة بعلاقتها المفترضة مع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وما أخذ عليها في الماضي من زرع خلايا في الجيش والأمن، مضافا إلى ذلك ما أشيع من وجود أمن مواز يخدمها وما نسب لعناصر نهضاوية من تعامل مع عناصر إرهابية. وبقطع النظر عمّا إذا كانت هذه الصورة مطابقة للواقع أو مضخمّة ومهوّلة أو مصطنعة، فقد تمّ تفعيل أسطورة المؤامرة الإخوانية لدحر حركة النهضة وإجبارها على ترك الحكومة.

في المعسكر المقابل تمّ نسج أسطورة معاكسة عنوانها "الثورة المضادة" أو "المؤامرة التجمعية". فكرة ولدت منذ ظهور الأشكال الأولى لمقاومة محاولات النهضة بسط نفوذها على أجهزة أو مؤسسات مثل الأمن والإعلام. ومع اتساع المعارضة للنهضة والترويكا وتشكّل حزب النداء والمواجهات التي تلت الاغتيالات السياسية ثم ظهور دعوة للتمرد كصدى لما كان يجري بمصر ضد حكم الإخوان، اعتبرت حركة النهضة ما يحدث مؤامرة تستهدفها وسرّبت معلومات لصحيفة "الصباح" عن حبك خيوط مؤامرة في بعض السفارات للانقلاب على الشرعية وكانت أكثر اتهاماتها خطورة تلك التي صدرت عشية اغتيال شكري بلعيد والتي فسرت كمقدمة لمحاولة انقلابية مدبرة من طرف "اليسار الاستئصالي" ورئيس النداء وتواطئ وزير الداخلية الفرنسي فالس (صحيفة الضمير، 14 فيفري 2013).

عندما يكون التوافق الندائي/النهضوي بديلا عن التوافق الوطني الجامع:

لم يكن "الانقلاب" الذي حصل هو ما تبادل الحزبان الاتهامات بشأنه، وإنما هو تغيّر لم يكن يتوقعه أحد، أملاه حساب موازين القوة الداخلية والإقليمية وقرار اتخذه زعيمان بحكم ما يتوفر لهما من الخبرة وما يضمنانه من ولاء لشخصهما بالذات. قرار بتحويل العدو اللدود الذي كان يجري السعي لإقصائه إلى شريك لا غنى عنه في إدارة العملية السياسية وحكم البلاد. وقد تجسدت الثمار الأولى لهذا الانقلاب إبّان الحملة الانتخابية لتشريعية 2014 عندما أعلن الغنوشي أن حركته مستعدة للعمل ضمن حكومة ائتلاف تضم نداء تونس، ثم ترحم في خطاب له بمدينة سوسة على من كان يعتبره أشد أعدائه ويرفض القيام بهذه الحركة الرمزية إزاءه ألا وهو الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وفي ذات الوقت وصف الدساترة والتجمعيين ببناة الدولة (جريدة الصباح، 11 و1 أكتوبر 2014).وأثناء الخطاب التاريخي الذي اختتم به الحملة الانتخابية في 24 أكتوبر 2014، سعى راشد الغنوشي لإحلال جو من الوئام مع مكونات المجتمع التي كانت معادية له. فقد بدأ بتحية وزارة الداخلية والأمنيين وهاجم الإرهاب بوصفه "نبتة خبيثة وتفسيرا فاسدا للإسلام" وفسّر خروج حكومة الترويكا "بأن تونس أحب إلى النهضويين من السلطة ومن النهضة نفسها"، وتطرّق إلى نزعات التقسيم وما تلحقه من أذى "بالوحدة الوطنية"، وأكد أن الدستور "حسم في مسألة نمط المجتمع وهويته"، مختتما بالقول حرفيا: "نحن الكل توانسة وهذا هو العلم متاعنا".

كان ذلك الخطاب تاريخيا بامتياز وتعبيرا عن قرار حاسم بوضع الفكر السياسي لحركة النهضة ضمن أفق جديد وإطار جديد هو الثقافة الوطنية التونسية الموسومة بالاعتدال والتسامح وإحلال مناخ من الحوار والقبول المتبادل بين مكونات المجتمع التي كانت بالأمس القريب تكن لبعضها أشدّ العداوة. ولئن كانت بعض عناصر هذا الخطاب غير جديدة إلا أنها لم تكن تمثل ركائز ثابتة بالنسبة لحركة ولدت وهي متأثرة بمقولات الإخوان المسلمين.

كان يمكن لهذا التحوّل في الخطاب السياسي لزعيم النهضة أن يمثل لبنة تنضاف إلى الدستور الجديد لإرساء أوسع توافق وطني تحتاجه البلاد لمعالجة المشاكل التي أفضت إلى الثورة والتي حالت الصراعات السياسية والإيديولوجية والاستقطاب حول الهوية دون الشروع في معالجتها. بيد أن التدقيق في سياق الخطاب وما لحقه من التطورات بدءا بتفاهم الشيخين في لقاء باريس الشهير وانتهاء بدعم قيادة النهضة لقائد السبسي كمرشح رئاسي ضد المنصف المرزوقي يبيّن أن الهدف الأساسي لقيادة النهضة خلال سنة 2014 كان التفاهم مع حزب نداء تونس وعلى الأخص مع مؤسسيه بشأن ما يمكن أن يخدم مصلحة الجانبين.

وبدون العودة إلى التفاصيل المتعلقة بحيثيات وصيغ ترتيب هذه العلاقة الجديدة في مستوى رأس السلطة والعلاقة بين قيادة الحزبين وصيغ المحاصصة في توزيع المناصب، فإن الكيفية التي أديرت بها الملفات الكبرى تدل على أن ما بدا لحظة المصادقة على الدستور كتوافق وطني عريض، رغم الخلافات، سرعان ما تمخض عن تفاهم مصلحي ضيّق، بل صفقة سياسية أعاقت تجسيد الغايات النبيلة والمبادئ العظيمة التي وردت بالدستور ومعالجة التطورات الكارثية للأوضاع الاقتصادية والبيئية والاجتماعية ولحالة التجهيزات العمومية منذ سقوط نظام بن علي.

التسوية التي حصلت تضمنت مقايضة تتمثل في تأييد حركة النهضة لسياسة رئيس الجمهورية وتعاونها مع ابنه ووريثه المزعوم على رأس حزب النداء مقابل تطمينات قد تكون أعطيت بالتحكّم في قمقم الدولة العميقة وكبح نوازع الثأر لدى الأطراف التجمّعية واليسارية والقومية "الكافرة" بالنهضة. ربما كانت تونس في حاجة إلى تفهم التذبذب الذي عاشته النهضة أثناء ممارستها للحكم بين المرجعيتين الإخوانية والديمقراطية الليبرالية والى مساعدتها على الخروج من الدائرة الأولى. والأكيد أن تونس كانت بحاجة إلى مصالحة بين أبنائها ممّن يقبلون بالعمل تحت سقف الدستور، على أن تتمّ في كنف الشفافية والالتزام بمبادئ وخطوات العدالة الانتقالية. لكن التوافق الذي حصل والذي تمّ فيه تشريك أطراف مثل الحزب الوطني الحر بما جمعه من مرتزقة السياسة، إنما كان توافقا انتهازيا داس على كل القيم النبيلة ومقتضيات إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي، وهو صفقة سياسية تحققت بابتزاز حركة النهضة مقابل التطمينات بشأن محاسبة التجاوزات التي حصلت في فترة حكمها. وكان من أولى ثمراتها المصادقة على قانون المصالحة الإدارية والعفو عمن ارتكبوا جرائم سياسية أو اقتصادية في حق تونس والتونسيين دون مساءلة لهم ولا اعتذار منهم.

كذلك استفادت من هذه الصفقة السياسية لوبيات الفساد والتهريب ومحترفو التهرّب، وهو ما كشفت عنه أحداث وملابسات مناقشة وإصدار قانون المالية لسنتي 2017 و2018. فقد عمدت كتلتا النهضة والنداء في مجلس النواب إلى إدخال تغييرات على مشروع حكومة يوسف الشاهد في الحالتين، ولم توافق على مشروع قانون المالية إلاّ بعد تحوير أو إلغاء البنود التي تمكّن الدولة من أسلحة لمكافحة التقصّي الجبائي. بل أن أكبر مقاومة للحرب على الفساد والتي طالبت بها الأحزاب الديمقراطية التقدمية جاءت من قيادتي النداء والنهضة. فقد أنكرتا على حكومة الشاهد استخدام الوسائل الاستثنائية لإيقاف بعض كبار الفاسدين ودعتا إلى ترك المسألة للقضاء، متجاهلتين أن المؤسسة القضائية لم تحرك ساكنا منذ 2011 للتحقيق في المعطيات والشبهات الواردة بالملف الذي جمعه المرحوم عبد الفتاح عمر.

ومع ذلك لم يكن توافق الحزبين/القبيلتين من المتانة بحيث يضع حدّا للشعور العميق بعدم الثقة وعدم الاطمئنان للشريك المنافس.

لقد أحدث تفاهم قائد السبسي والغنوشي وما قاد إليه من شراكة بل تواطئ برلماني وحكومي صدمة ومرارة في صفوف الكثير من المثقفين وغيرهم الذين التحقوا بالنداء بسبب عدائه للإسلاميين وأحدثت بذلك شروخا وانشقاقات أضعفت وزن هذا الحزب وجعلته مدينا للنهضة في كل مرة يحتاج فيها للحصول على أصوات النواب أو حتى الناخبين كما حصل في الإنتخابات الجزئية بألمانيا. فهذه الأخيرة أحدثت صدمة ثانية ضمن من بقوا على ولائهم لابن الرئيس والذين عادوا مجددا للتشكيك في نوايا النهضة وحاولوا تكرار خطاب التقسيم الثنائي للتونسيين الذي نجح قبل سنوات، ومعه الدعوة إلى التصويت المفيد. وفي هذا السياق أيضا جاءت ضغوط ومناورات الباجي قائد السبسي بين التشكيك في مدنية حركة النهضة قبل تبييض صفحتها مجدّدا، ثم اختبارها في جملة من المسائل منها التمديد لهيئة العدالة الانتقالية التي كانت تحضى بدعم الحركة، ومنها طرح فكرة التسوية في الإرث. وبذلك وضع على المحك مدى قدرة النهضة أو بالأحرى قيادتها على الإلتزام بمرجعياتها التقليدية الإسلامية وبمواقفها ذات الصلة بمسار الانتقال نحو الديمقراطية.

هكذا وعبر مختلف المنعرجات التي مرت بها الحياة السياسية في تونس منذ انطلاق ما سمّي بالحوار الوطني، والى حدّ الساعة، تمّ تقديم المحطات الكبرى على غرار المصادقة على دستور 2014 وكذلك مختلف صيغ الحكم والتفاهمات صلب البرلمان أو الحكومة على أنها تجسيد لمبدإ التوافق. ومثلما لاحظنا فإن الإلتباس أحاط باستمرار بهذا المصطلح نتيجة فهمين واستخدامين مختلفين لفكرة التوافق. فعندما يتعلق الأمر بخدمة أجندات حزبية محضة واتفاقات سرية على تقاسم النفوذ وتوزيع الغنيمة الوزارية والإدارية، من البديهي أن يعني ذلك تواطؤا وتلاعبا وتجاهلا للأهداف العليا والأحلام المشروعة التي ضحت من أجلها أجيال من التونسيين، ومن الحق والبديهي أن يعتبر هذا التوافق مغشوشا ومدانا، علما بأنه لا يفعل سوى أن يغذي الطاحونة الإيديولوجية للتيار الحداثوي واللائكي المكافح الرافض أصلا لأي اتفاق وأي عمل مشترك مع حركة سياسية ذات مرجعية ثقافية وفكرية إسلامية.

على أن هذا الإمكان الواقعي لا ينزع كل قيمة عن فكرة التوافق، فعندما يتعلق الأمر بالمصلحة العليا للوطن وبالإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي وإعداد إجراءات إصلاحية قوية وشجاعة لفائدة الأغلبية الشعبية، وعندما يكون ذلك في نطاق الوضوح يتعيّن البحث عن المشتركات وتقريب وجهات النظر وإلقاء معاول الحرب الإيديولوجية والقيام بالتنازلات المطلوبة والاستعداد للتضحيات الموزعة بالعدل ويصبح كل ذلك عنوانا لتوافق يعلو على الوثنيات الإيديولوجية والقبليات السياسية وكذلك على الطائفيات المهنية التي سنتناولها فيما يلي.

*أستاذ وباحث تونسي في علم الاجتماع


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (4)

1 - مشكلة تونس الاثنين 30 يوليوز 2018 - 11:16
مشكلة تونس
تونس مثل كل الدول العربية حيت الأنظمة تصنع بيدها الأحزاب والنقابات والجمعيات واللاأمن واللاعدل وسرقة المال العام والثروات وتهريبها إلى الخارج إلى حماتهم في الغرب المستعمِر لهم إلى يومنا هذا والظلم والفساد والرشوة التراتبية وحمايتها كل ذلك تابع للدولة وأجهزتها السرية والعلنية وسلطات الظل والعلن وتمثل على الشعب المقهور المسروق مسرحية ديموقراطية الفساد وتزوير حقيقي لانتخابات صورية بين أحزابها التابعة لها دينية ولا دينية والكل تابع يأتمر بأوامرها موالاة ومعارضة ومتطرفين ومشرملين وفراقشية تراقب الشعب وتحسب أنفاس مواطنيها الذين تخنقهم باستمرار وبازدياد
مشكلة تونس
النظام في تونس كان ولا زال فاسدا متعفنا من رأسه إلى قدميه
في تونس تم إسقاط رأس الفساد بينما استمر النظام الفاسد المتعفن في حكم تونس بالظلم والرشوة والفساد والاستعباد والقمع وسرقة أموال وثروات الشعب التونسي بل ورفع من وثيرة ذلك
تونس بعد الثورة بنظام تونس قبل الثورة
مات الحاكم الفاسد عاش الحاكم الفاسد
والأنظمة الفاسدة لم تمت ولم تُعتقل ولم تحاكم

أخطاء الثورة أنها لم تقتلع النظام الفاسد من جذوره بل اكتفت باقتلاع رأس النظام
2 - tunsna الاثنين 30 يوليوز 2018 - 13:14
نتمنى الخير لتونس والازدهار والخروج من هذه المرحلة والدخول في توافق وطني واسع.
3 - قارىء بسيط الاثنين 30 يوليوز 2018 - 13:27
السبسي والغنوشي استطاعا تخطي مرحلة اعادة تاسيس تونس ووضعها على سكة الديمقراطية. لقد اجتهد ت انظمة الخليج كثيرا لتوريط تونس ما بعد الثورة في صراع بين العلمانيين والنهضة ونشر فوضى الارهاب والتطرف. لاكن بفضل حكمة الشرفاء والنخبة استطاعت تونس ان تفشل هذا المخطط.
نتمنى لتونس ان تبرهن انها قامت بثورة ونجحت فيها
4 - كمال الاثنين 30 يوليوز 2018 - 14:30
في اي فتره انتقاليه من الديكتاتوريه الى الديموقراطيه لا بد.من مواجهه صعوبات وعلى اكثر من صعيد .ما زال هناك الكثير من استأنس طويلا مع الدكتاتوريه ورضع من ثديها والبتالي ليس من السهل إقناعه .لكن في اخر المطاف تونس ستحقق أهدافها لا محاله وتصبح ديموقراطيه ناجحه بكل المقايس.
بالمقابل نحن تم النصب علينا من قبل محتالين في غايه الاحترافيه. باعو لنا قردا وضحكو علينا .والسلام
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.