24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

21/07/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:4406:2813:3917:1920:4022:09
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد بقاء رونار مدربا للمنتخب الوطني المغربي؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | مدارات | ذكرى طيب تيزيني .. فيلسوف قرأ التاريخ بالمنهج المادي الجدلي

ذكرى طيب تيزيني .. فيلسوف قرأ التاريخ بالمنهج المادي الجدلي

ذكرى طيب تيزيني .. فيلسوف قرأ التاريخ بالمنهج المادي الجدلي

قلم آخر من الأقلام الوازنة تسقط لتودعنا إلى الأبد...اسم آخر من الفلاسفة يترجل عن صهوة جواده،اسم فرض نفسه في لائحة الأسماء التي تمّ إدراجها ضمن أهم مائة فيلسوف في أواخر الألفية الثانية. إنه المفكر السوري الراحل طيب تيزيني الذي غادرنا دون رجعة، لكن فكره سيبقي شامخا يبصم بصماته في خريطة الحقول المعرفية العربية.

خمسة وثمانون عاما، قضى الراحل معظمها ناسكا في محراب العلم ، غارقا في دهاليز الفكر، ماخضا عباب الفلسفة، مستخبرا أسرارها، معاركا ممراتها الوعرة، ومسالكها الشائكة ، متحديا كل العقبات والإكراهات، مؤسسا لقيّم المعرفة، محللا ومنظرا في صمت وتواضع.

تعرفت على الراحل أولا كعاشق لكتبه التي كانت ولا تزال يشار إليها بالبنان، ثم تشرفت بلقائه في دمشق سنة 2001 بجامعة دمشق، رغم أن اللحظة كانت قصيرة، لكني اكتشفت خلال دقائقها المعدودة الرجل الخلوق، المتدثر بآمال وطنه وأمته. كانت عقارب بوصلة حديثنا حينها تتجه نحو القضايا المركزية في الفكر العربي، وسؤال المناهج التاريخية، والأوضاع في العالم العربي، والقضية الفلسطينية. غير أنه كان بين الفينة والأخرى يرسل إليّ تنبؤاته حول ما يخبئه القدر لمستقبل لسوريا والوطن العربي من قنابل طائفية قابلة للانفجار، وتحولات لم يكن العديد من المثقفين آنذاك يتخيلون وقوعها.

طيب تيزيني هو- دون مدافع - أحد الأيقونات الكبيرة في الفكر العربي المعاصر، وأحسب أنه أثرى المكتبة العربية بأنفس الكتب في الفلسفة و التراث، وآثر الابتعاد عن التملق، واقتناص فرص المناصب، وأبى إلا الاستقلال بفكره الأكاديمي، والاشتغال في التدريس بجامعة دمشق، والتفرغ لأبحاثه، وتحيين مشروعه الفكري إلى آخر رمق من حياته.

في مشروعه الفكري، كان الراحل يعتبر التاريخ مفتاحا لقراءة الفكر العربي. لذلك كان يحرص على قراءته قراءة واعية متبصرة، تعتمد على جسّ النبض والفحص، ثم الغطس في أعماقه، وتناوله في سياق معرفي شمولي مقترن بمشروعه الفكري، فجاءت قراءته قراءة منهجية متماسكة، متدثرة بعباءة علمية حصيفة، كشفت عورات التاريخ التقليدي ومحدوديته وسطحيته.

ينطلق المفكر السوري المأسوف على فراقه في تحليله للتاريخ الإسلامي من المنهج المادي الجدلي، المتولّد من المنظومة الفكرية الماركسية التي كان يسعى لتبيئتها تجريبا وتطبيقا في كافة حقول المعرفة الإسلامية، ومنها التاريخ. وفي رحلته عبر حقب التاريخ الإسلامي، جعل من زمن النبوة أنموذجا للانتماء، ومصدرا للبحث عن الحقيقة التاريخية التي غيبتها العقلية الإسلامية النخبوية، والتقلبات التاريخية التي عصفت بالمجتمع الإسلامي، وتحول الخلافة إلى ملك عضوض.

وعندما يأخذ تيزيني من الماركسية جدليتها في التحليل التاريخي، فهو يروم استكشاف ما أفصحت عنه الحلقة التاريخية الإسلامية الباكرة من قيّم العدل، ومشاهد التكافل الإجتماعي، والمساواة وحقوق المواطنة. وبالتالي فهو يجعل من التاريخ نمطا من أنماط الوعي الاجتماعي، ويدعو المؤرخ إلى أن يكون منخرطا في قضايا المجتمع، مشاركا في التغيير الثوري الذي يبدأ بالوعي بالتاريخ. غير أن هذا التاريخ لا يدرك إلا بتوظيف المنهج المادي الجدلي، وهو ما يتيح للمؤرخ إتقان ممارسة " فن المُحادثة "، والحوار معه لاستكشاف مضمراته ومغلقاته المتمنّعة، وهو جزء من مهمة" المؤرخ المناضل" بتعبير مارك بلوخ.

إن حركة التاريخ كما تبناها طيب تيزيني في مشروعه الفكري تجري وفق مقولة الصراع الطبقي، وقانون جدلية التناقض بين المثالية والمادية، والخرافة والعلم. وفي ضوء هذه الرؤية الجدلية، قرأ التاريخ العربي بدءا من الحقبة الجاهلية، ثم فترة الرسالة، ليصل إلى العصور اللاحقة. وفي خضم هذا الإبحار في ثنايا التاريخ الإسلامي، استخلص أن الإسلام ليس مجرد دين وعقيدة فحسب، بل هو أيضا فضاء دنيوي يحفل بقضايا وإشكاليات عولجت بمنتهى الكياسة الحكمة، ومورست فيها ((تربية جماهيرية اشتراكية)) وفق تعبيره، مما ولّد عدالة اجتماعية متميزة أرخت بظلالها على المجتمع الإسلامي في مرحلة التشكّل.

وبحكم أن الإنسان هو العنصر الأساسي الفاعل في التاريخ، فإن طيب تيزيني استطاع بالمنهج المادي الجدلي أن يميط اللثام عن الصراع الطبقي المحدّد لصيرورة التاريخ الإسلامي، وأن يقف على الإنسان الواعي المناضل الذي تصدى بدون هوادة لنقيضه الاجتماعي الطبقي، المشار إليه في القرآن الكريم ب((الذي جمع مالا وعدّده ))، أي الفئة المنتمية اقتصاديا لأصحاب رؤوس الأموال وملاك الأراضي والربويين الذين أخلّوا بتوازن المجتمع. لذلك نلحظ أن المفكر السوري لا يتعامل مع النص القرآني كنص مقدس فحسب، بل يتجاوز عتبة المقدس ليحوّله إلى بنية استشهادية معتمدة في سياق كشف التناقضات الاجتماعية، وتوظيفها لقراءة ثورية للتراث الفكري والحقوقي.

وفي تحليلاته للجوانب الحضارية في التاريخ الإسلامي، انطلق المرحوم تيزيني من روح مشروعه الفكري، فحلّل قدرة العقل الإسلامي الحضاري المنفتح على الآخر، وبيّن بجرأة ومهارة مدى المنجزات التي حققها بفضل ما يتسم به الدين الحنيف من ليونة وقدرة على الاستيعاب والتثاقف والتزاوج الحضاري، دون السقوط في فخ التبعية للعقل اليوناني.

هذه مجرد التماعات، ودرر صغيرة من الدرر الوافرة التي يعكسها منظوره للتاريخ، وهو ما نلمسه بعمق وتفصيل في كتابه "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، وغيره من كتبه الأخرى التي لا تملّ العين من متابعة صفحاتها.

ولا شك أن نظرة كلية راصدة لكتاباته المتنوعة، تجعل المرء يلاحظ حرصه على جعل التاريخ كذلك نقطة مركزية في تحليله لجدل الهوية والحداثة في المجال العربي المعاصر، وجسّ نبض الأزمات التي تعصف بالوطن العربي. فبالتاريخ استشفّ أهمية تجربة الإصلاح السياسي والديني في بناء الوعي الثوري، وإعادة صياغة سؤال التراث وعلاقته بالمشروع الديمقراطي. وقد خاض في هذا الصدد معارك فكرية وجولات نقاشية مع رفاق دربه ممن كانوا يرومون بناء جبهة عربية لمقاومة التخلف الفكري من أمثال محمد عابد الجابري ومهدي عامل وحسين مروة وصادق جلال العظم وغيرهم .

لقد كان المفكر السوري الراحل أنموذجا للمثقف الطليعي، المشدود إلى القضايا العربية والوطنية، الثابت على المبادئ، القوّال للحق، يوظف كل ما أوتي من عمق فكري، وثقافة تاريخية، وتجربة ناضجة في الدفاع عن القضية الفلسطينية التي كان يؤمن إيمانا عميقا بعدالتها، كما آمن فيما بعد بثورات الربيع العربي وتعاطف معها، ورأى فيها بريق الأمل، مع التزامه بمساحة الواقعية وحدود التحرك في هذا المجال.

فرحمة الله على فارس الفكر العربي، وأحد القامات العلمية الباسقة، والهامات الأكاديمية العربية المنيفة، المتوج إلى الأبد بنياشين منجزه المعرفي. وإذا كان جسده قد أوسد التراب يوم 17 من شهر مايو 2019، فإن فكره سيظل يقظا، معبئا، وحاضرا في كافة دروب المعرفة.

* مؤرخ وأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (15)

1 - alpha الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 03:25
pour moi le cerveau marocain n'est pas fait pour ce domaine et les marocains jusqu'à maintenant il y a des notions qui les dépassent je me rappelle d'un certain lahbabi "soi disant philosophe" une fois ils les ont testé et ils leur on dit que ce type était candidat au prix Nobel alors ils ont fait avec lui un interview un vieillard tout excité disant n'importe quoi je crois l'enregistrement peut se trouver alors qu' on connait l'histoire comme disait Jacques Brel "il ne faut pas jouer au riche quand on n'a pas un sous"
jusqu'à maintenant les marocains croient que leurs salaires est mérité faites leur comprendre qu'ils sont bernés par des entités qu'ils ne connaissent pas et je suis sûr qu'ils ne vont pas changer d'avis pour eux le travail c'est un droit constitutionnel comme l'habitat la nourriture etc... si vous analysez ces attitudes vous allez déduire beaucoup de choses et puis vous gardez le silence
2 - فتحي الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 04:14
إثر فينا مؤلفه " مشروع رؤية جديدة..." لما كنا طلاب الثانوي في الثمانينات. واتذكر حينها أن صادف اطلاعي على هذا المؤلف، إنجاز موضوع في بعض إشكاليات الفكر الإسلامي خلال السنة النهائية)- لما أعاد لنا الاستاذ المواضيع. سجل ملاحظة مفادها أنه لا يمكنه تصحيح فكر طيب التزني... كان ذلك في الثمانينات. وبعدها أدركت قيمة التزني بعدما صرت أستاذ تاريخ. رحمة الله عليه.
3 - Aghbalu الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 04:52
لقد عرفت بلدان عربية مثقفين من طراز عالي
لكن الفكر المتنور كان يهزمه دائما الفكر الخرافي والرجعي، لهذا لم تصمد الحجة العلمية والتاريخية أبدا أمام خزعبلات السلفيين والوهابيين
4 - مهتم الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 08:21
بهذه الشهادة، يرجع بنا استاذنا القادري بوتشيش الى السجالات التي كانت تعرفها الجامعة على مستوى ااتاريخ الاسلامي والتي اصبحنا نحن اليها في زمن "ثقافة الفاست فود"تحية لاستاذنا الجليل واطال الله في عمره امين.
5 - mostafa yassine الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 09:09
بموت هذا الفيلسوف تكون لؤلؤة أخرى قد سقطت لتفسح المجال لمجموعة من الاميين الذين أصبحوا يصدرون الفتاوي في قضايا مصيرية للامة. أقدم تعازي الحارة لآسرة الفقيد الصغيرة وللمثقفين العرب. إنا لله وإنا إليه راجعون.
6 - سعد جبار الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 09:22
هل أسلم وآمن بالله وصدق بكتابه وبرسوله...يا جماعة حتى نترحم عليه...
7 - البحتري الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 09:32
صاحب كتاب مشوع رؤية جديدة كان شامخا في فكره وتفكيره دقيقا وعميقا في تحليلاته شاملا في نظرته للمقاولات الفلسفية. أحببنا الفلسفة واعمل العقل في دراسة كل المواضيع. كان رحمه الله أبا للفلسفة العربية. هؤلاء هم الرواد حقا وليس المغنين او الممثلين مع احترام عملهم الهادف.
8 - فكر الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 10:20
نتمنى من هسبريس نشر موضوعات تحليلية و فكرية أكثر لصد موجة الجهل المستشري في المجتمع بمختلف طباقاته و أعماره و تلاوينه. فقد أصبح المجتمع ليس قدرا فقط على إنتاج بل حتى على فهمه.
9 - ما فاهم والوا الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 11:30
السلام عليكم رحم الله الاستاذ الطيب التزيني ومحمد عابد الجابري ومحمد اركون وسالم يفوت وآب السوسيولوجيا محمد جسوس صاحب مقولة اجيال الضباع الذي يحز في نفسي ؟؟؟؟!!! هؤلاء العمالقة يموتون في صمت ؟؟؟! لا إعلام لا والو ؟؟؟! والفانانون ووووو ؟؟!! يعملون لهم ضجة ؟؟؟؟! والمؤسف المبكي ان هذه تلمواضيع تجد عدد التعاليق 8 فقط ؟؟؟؟! والمنتخب المغربي او فنان ؟؟؟! تجد 150 تعليق وما فوق ؟؟؟؟! ولكم واسع النضر
10 - Oujdi الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 12:09
مفكرون أغنوا الحركة الفكرية في العالم العربي :
أمثال محمد عابد الجابري والمهدي المنجرة ومهدي عامل وحسين مروة وصادق جلال العظم...
أما الآن نحن أمام شبه مفكرين من النوع الهجين الذين يدعون الى التفرقة، والنعرة الإثنية، ويضربون كل ماهو ينتمي إلى لغة الضاد،بطريقة مباشرة والإسلام بطريقة غير مباشرة...
الحركة الصهيونية والمسونية تدرك جيدا أن جوهر السلام هو اللغة، فكيف يمكن ضربه اللغة حتى يمكن تجريدنا من هويتنا لإسلامية !
لم أسمع يوما أن هؤلاء القامات الفكرية قالوا أن الإسلام هو مصدر تخلفنا !
وإنما طرحوا موضوع لماذا تخلف المسلمون وتقدم الغرب ؟

شكرا للأستاذ، إن مقالك كان رائعا
11 - راضية الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 13:14
التفاتة طيبة تجاه مثقف طيب هو طيب تبزيني رحمه الله، أغنى الثقافة العربية وجدد الفكر العربي. ولا زلت أتذكر حين كا ن يحيلنا الدكتور القادري على مؤلفاته ويطلب منا أن نقوم بدراسة مقارنة مع عابد الجابري والسيد قطب. أيام زمان كان الجامعة في أوجها وكان الكل يقرا لطيب تيزيني وعابد الجابري وجلال العظم وغيرهم . أما اليوم فأغاب الطلبة مفتونين بالواتساب....
12 - د.شعيب الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 13:30
يستحق هذا المفكر اكثر من تكريم. استمتعت بقراءة هذا المقال المتميز الذي تناول حلقات مهمة في فكر هذا الرجل الي افتقدته الساحة الفكرية العربية. وكل من قرا مؤلفاته يشعر بملامح التجديد والابداع الفكري في جل كتبه. فرحمه الله رحمة واسعة.
13 - لوسيور الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 14:11
درس في فاس وكان شامخا...تتلمذ على يده دكاترة كبار...هذا الفذ لا ينتج طلبة يؤمنون بالرؤى الصالحة والبركات ...هذا السوري المتنور ينضاف الى الدكتور فخر الدين قباوة ..والى المصري الصباخي في الاقتصاد السياسي و عبدالله الطيب...فرحم الله من علمونا
14 - أستاذة الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 14:31
تكريم المفكرين ينقص كل الجرائد ورقية وإلكترونية، واحيي هسبريس على نشر مثل هذه المواضبع حول مفكرين أهرام أثروا في الفكر العربي من أمثال طيب تيزيني ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وغيرهم ممن قضوا نحبهم. هؤلاء لم يتنافسوا على المناصب المخزنية ، بل كانوا يتنافسون في حلبة العلم وفي تغيير أفكار المجتمع. المثقفون اليوم للأسف انعزلوا او تراموا على المناصب، فوقعت نكسة في الفكر . أقترح أن تخصص مادة في جريدة هسبريس للتعريف بأفكار هؤلاء المفكرين العمالقة
15 - متابع الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 16:11
لماذا لا تطلق أسماء امثال هؤلاء المفكرين على الشوارع والساحات في المدن العربية؟
المجموع: 15 | عرض: 1 - 15

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.