24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

11/08/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:0706:4313:3817:1520:2321:46
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟

قيم هذا المقال

4.38

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress

يوسف

يوسف

في سنة 1993 ، اكتريت منزلا صغيرا بجنب منزلهم في حي تبريكت بسلا، وبالضبط في زقاق اسمه "ليبريا". وكما لا يخفى على أحد، فإن الأسماء الفخفاخة التي توحي بالترف والسلطة والغنى، تطلق على الشوارع والأحياء النظيفة الجميلة التي يقطنها النافذون من الميسورين وذوي السلطة، وأما الأسماء الموحية بالتخلف وما يتبعه من مجاعة وبؤس ونكد، فهي تطلق على الأحياء والأزقة الآهلة بالبسطاء الذين لا يحلمون سوى بضمان كسرة خبز وكأس شاي.

ولما استقر بي المقام مع المرحومة أمي في ذلك البيت الأرضي المتكون من حجرتين ومطبخ صغير، ما دار في خلدي أبدا بأن مسار حياتي الجديدة سيأخذ منعطفا حاسما سيتمخض عنه زواجي ببنت جاري اليميني وتعرفي على يوسف ابن جاري الشمالي.

كان شابا يجاوز عتبة الثلاثين بقليل، مربوع القد، أسمر البشرة، لا تفارق وجهه الحزين نظارات طبية بيضاء، تعطي لتقاطيع وجهه الدقيقة نوعا من الهدوء والوقار.

كنت أراه في رأس الدرب مع بعض أترابه يدردش معهم الساعات الطوال دون كلل أو ملل، فكنت أمر عليهم وأسلم سلاما عارضا وأنا أتساءل في نفسي حول المواضيع التي يمكن أن تغذي بينهم تلك الأحاديث الماراطونية التي كانت تتمدد إلى طلوع الفجر.

ولم يكن يفوتني أنه مع أصدقائه كانوا ينظرون إلي بفضول ويريدون أن يستكشفوا هويتي، إذ كانت تثيرهم عزلتي وتشييع والدتي لي دئما على عتبة الباب، وكذا خطواتي السريعة التي كانت تشبه خطوات موظف استيقظ متأخرا فتخلف عن موعد وصوله إلى عمله.

وذات يوم، قدم في طلبي رجال الاستخبارات في إطار تلك الملاحقات الشرسة التي ما كانت تنتهي إلا لتبتدئ بحدة أكبر.

فأجمع شباب الحي بمن فيهم جاري يوسف بأني مهرب خطير للمخدرات، وهذا ما سيعترف لي به أحدهم فيما بعد.

بعد أسبوع من هذا الحادث، وبينما أنا في مقهى "عمر المختار" أراجع بعض الدروس الجامعية، وقف قبالتي يوسف وهو يطل بنظراته المنطفئة من خلال نظارته الطبية، فقال:

ـ هل لي أن أجالسك هنيهة ؟

قلت مرحبا:

ـ تفضل...

أخذ مكانه بجواري وطلبت له فنجان قهوة، فقال لي بنوع من الحرج والارتباك بعد أن أشعل سيجارة وعب منها دخانا كثيفا:

ـ لست ادري لماذا حدثتني نفسي أن أجالسك، منذ رأيناك في هذا الحي وأنت تثير اهتمامنا بكثرة انشغالك وانكبابك على بعض الكتب، وزاد فضولنا بك أكثر لما رأينا رجال الاستخبارات يزورونك من حين لحين، ويطالبون بعضا منا بمراقبتك عن كثب...

قلت له مبتسما:

ـ أما لكم من شغل أنتم شباب الحي سوى مراقبة الناس؟

ـ وماذا تريدنا أن نفعل؟ لقد درسنا حتى شبعنا من الدراسة، ولم تضمن لنا الجامعة سوى مكانا في رأس الدرب نقتل فيه الوقت، وها أنت ترى أن الوقت هو من يقتلنا "عرقا بعرق"، بدليل أن الشيب قد غزا مفرقنا ونحن لا زلنا بعد في شرخ الصبا.

قلت مستطلعا:

ـ هل أنت مجاز؟

ابتسم بمرارة وقال:

ـ جارك مجاز في الاقتصاد منذ عشر سنوات...

قلت:

ـ ألن يأكل المجازون الخبز إلا عن طريق الوظيفة العمومية؟

ـ بلى، ولكن من لا يجدون فيها مجالا يجدونه في غيرها بسبب دعم الآباء أو المعارف أو الوسائط.

ـ أعرف شبابا مثلك عروا عن سواعدهم وحفروا طريقهم في الصخر بأسنانهم.

ـ أنا كما ترى، لا أسنان لي ولا سواعد، ومن حاله في المغرب مثل حالي ما عليه سوى أن يركب البحر أو يرمي نفسه فيه. تصور أني لما نلت الإجازة كنت أحمل أختي الصغيرة على كتفي، وهاهي ذي اليوم قد كبرت ووجدت وظيفة لائقة بعدما شق لها جمالها بين الذئاب طريقا، وهي اليوم من توفر لي ثمن السجائر.

ـ أخشى أن أجرح كرامتك إن قلت لك بأنني لو كنت مكانك لعاش ضميري معذبا مؤرقا...

ـ تقول هذا لأني أراك لا هم لك، تبدو مرتاحا سعيدا رغم الشبهات التي تحوم حولك...

ـ لو حكيت لك يايوسف لبدلت رأيك ولهان عليك ما أنت فيه، فنحن دائما نضخم مشاكلنا ونهون من مشاكل الآخرين وكأننا نستلذ أن يرانا الناس أشقى الخلق طرا حتى ننال منهم شيئا من العطف والعزاء...

ـ أنا كلي آذان مرهفة...

استمع إلي يوسف في صمت مطبق وعيناه المنطفئتان تشتعلان من حين لآخر بوميض رهيب...

ولما أنهيت قصتي، قال برنة من كان يروم إنجاز أمر فثناه عنه شخص في آخر لحظة:

ـ أوتدري أنك أفشلت مخططي؟

ـ أي مخطط؟

ـ الانتحار...

ـ أعوذ بالله... ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما...

مرت سنتان ويوسف يقصدني كلما رآني جالسا في المقهى وكأنه كان يستجير بي من فكرة توجع قلبه وتحرق أعصابه.

وذات صباح استيقظت على صراخ وعويل، فلما خرجت إلى الزقاق مستطلعا، انفطر قلبي حزنا وكمدا قيل لي بأن يوسف قد انتحر على الساعة الخامسة صباحا بعد أن شنق نفسه بحبل في سطح منزلهم.

قصة حقيقية مائة في المائة


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (17)

1 - حميد الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 19:14
امتلأت عيناي بالدموع من هذه الواقعة. وتصورت شباب المغرب الذي يذبل يوما بعد يوم. والمجتمع غارق في تجاهله لهذا المشكل العويص.
ما عساي ان اقول غير لاحول ولا قوة الا بالله
يتبع....
2 - Etudiant de Management الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 19:21
لازلت اتذكر انني قرأت هاد العمود على صفحات هيسبريس الورقية ..

كل الاحترام و التقدير أحمد المرزوقي
3 - aziz الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 21:44
شكرا سي احمد .ان شر البرية ما يضحك نريد بعض الطراءف من تازمامارت .وشكرا
4 - NawFaL الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 21:52
هدا حال أغلب الشباب الدين ليس لهم وسائط تساعدهم في إيجاد الشغل
ولكن الإنتحار ليس هو الحل
الله يعطينا قوة الإيمان والإتكال عليه وحده سبحانه وتعالى

شكرا سيدي أحمد المرزوقي على مشاركتك لنا قليلا من معاناتكم في هدا الوطن الحبيب
5 - dostoievski الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 22:04
recemment j'ai visité tazmamarat, en faison la route vers gourrama, j'ai pensé à toi et a ton bouquin, tu es l'homme qui a su écrire sur le maroc, le vrai maroc de hassan II, tu ne peut étre un homme normal suite à ce que tu as supporté! je te souhaite tous les bonheurs du monde.
6 - Roudani in Arizona الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 23:09
و ما أكثر يوسف في بلاد الكنوز التي استحوذ عليها من لم يتق الله فينا. و تركو يوسف و أمثاله عرضة للضياع و الموت.
7 - عابر سبيل الأربعاء 24 يوليوز 2013 - 23:35
لا حول ولا قوة الا بالله "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما", صحيح ان مرارة العطالة لا يعرفها الا من جربها, لكن ان يصل بالانسان حد انهاء حياته التي هي أمانة عنده من الله. ماطا عساه يقول عند لقاء الله وقد فرط في الأمانة
8 - مليكة الخميس 25 يوليوز 2013 - 02:45
شكرا ايها الرجل العظيم
الله ايوقف مع ولاد بلادي ويحفظهم
9 - شكرا الخميس 25 يوليوز 2013 - 02:53
كما العادة موضوع هادف شكرا جزيلا الاخ احمد المرزوقي
10 - الرداد الخميس 25 يوليوز 2013 - 05:56
اعرف حيك ،فامام المسجد هو زوج خالتي رحمها الله.اسمه سي احمد شفاه الله.قرات ايضا ما كتبت عن محنتك و اقرا ما تكتب هنا . اتعجب كيف تعيش بذون حقد مرتاح البال .ربما تبكي ليلا خلستا ،ربما لا تنام عيناك ،من يدري.ربما تعيش في فقر رهيب.
تتالم لمن هو افقر منك ، ومن هو اشقى منك وفي بلادنا هذا يعني انك تتالم كل يوم كل ساعة.ربما تعيش فقط من اجل رفاقك.اطال الله عمرك يا القلب الكبير. 
11 - a man in the west الخميس 25 يوليوز 2013 - 07:29
A big hello to you Ahmed Marzouki from UAE.

Moroccan young people needs to read about your life and your story and get inspired by it.

People get sad for nothing

Unfortunately they don’t want to realize that hard work always pays off.

I get irritated when people are telling me that government need to give them a job in public sector.

Young people need to work hard and adapt their skills because the market is changing.

Of course, in life we always need someone to help us.

Question to you : what are you doing now ? when can we see you doing a TV program ?
any new book planned so far ?
12 - أم حسن الخميس 25 يوليوز 2013 - 11:07
ما يجهله الكثير من المغاربة هو أن التجارة فيها خير كثير، أرجوكم لا تيأسوا من رحمة الله و لا تحتاجون للوظيفة العمومية لكي تعيشوا حياة كريمة. البيع و الشراء فيه خير كثير و الإنسان المتعلم يتدرج في التجارة و يطورها. المهم أن لا يتعود الشباب على الجلوس في البيت لأنه يصيب بالإحباط. تحية لكاتب المقال النبيل، نعتذر لك عن المضايقات التي تلاحقك، رحم الله والدتك الفاضلة و قد أبكيتنا عندما تحدثت عنها. اللهم اغفر لها و اجعلها من أهل الجنة.
13 - Rachid Almania الخميس 25 يوليوز 2013 - 13:05
ابكيتنا اخي احمد بهذه الفاجعة..........ياالله الهذا الحد نرمي بابنائنا الى الضياع? لقد عشت اصرخ بينكم وانادي...الافق يصغر والسماء كئيبة...خلف الغيوم ارى جبال سواد...ورفعت كفي قد يراني عابر...فرايت امي في ثياب حداد...اجسادنا كانت تعانق بعضها كوداع احباب بلا ميعاد...هذا قميصي فيه وجه بنيتي ودعاء امي كيس ملح زادي...ردوا الى امي القميص فقد رات مالا ارى من غربتي ومرادي..
وطن بخيل باعني في غفلة....حين اشترته عصابة الافساد....وعلى امتداد النهر يبكي الوادي...وصرخت والكلمات تهرب من فمي...هذي بلاد لم تعد كبلادي
14 - Algerino الخميس 25 يوليوز 2013 - 13:27
c'est l'homme qui je respecte de plus au maroc, je connais ton histoire mieux que beaucoup de marocains, je t'ai suivi sur aljazeera jours par jours, pour moi t'es l'exemple de chaque homme libre d'afrique du nord. tout mon respect pour toi. t'as voulu d'un maroc meilleur mais ton espoire et la mal chance n'ete pas la. esperons que d'autre homme libre comme toi naisserons un jour au maroc pour un changement meilleurs. c'est avec des hommes comme youcef qu'on veut crée un grand maghreb uni et solidaire
15 - zorif souss الخميس 25 يوليوز 2013 - 16:32
تحية للأخ أحمد. و مسرور لضهورك لأن كتاباتك تحمل الصدق لقد قرأت كتابك و تابعت كل حلقاتك على الجزيرة و عشت من الحكرة ما لا يتحمله انسان،لدي فقط طلب و قد ذكرت الغالو رحمه الله كيف كان يغني بالامازيغية و بعض الحوارات بالأمازيغية للمسجونين و مدى كون الثقافة الأمازيغية تنبد الاقصاء ، إذا كان ممكنا ذكر احذاث و قصائد تؤرخ لذلك المكان الرهيب.لأنه ذكرت ذلك باقتضاب في كتابك ،و شكرا!
16 - hassane الخميس 25 يوليوز 2013 - 18:16
Si Ahmed,d abord que Dieu ait l ame de votre mère et celle du jeune Youssef en sa sainte miséricorde. Ensuite nous vous remercions pour votre souci incessant à l égard des démunis de ce riche pays appauvri.....Mais comment s étonner lorsque cela vient d un grand homme noble ayant vécu l enfer dans la cellule N 10....Puisse Dieu vous bénir et et vous accorder santé et prospérité.Amen
17 - يونس امي ن تانوت الخميس 25 يوليوز 2013 - 19:15
لم يتغير شيء في هذه البلاد السعيدة تزممارت هناك وتزممارت هنا في كل نقطة من هذا الوطن الجريح الذي علمونا أنه أجمل بلد في العالم .فتزممارت "الماضي" كان لها زنازنها المظلمة ووحوشها من الحراس وقواننها الشيطانية. وخارج تزممارت"الصغيرة" توجد تزممارت أكبر فالاولى لم تكن سوى وليدة الثانية.
تحياتي أستاذ أحمد.
المجموع: 17 | عرض: 1 - 17

التعليقات مغلقة على هذا المقال