24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

11/08/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:0706:4313:3817:1520:2321:46
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟

قيم هذا المقال

4.21

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress

مفارقة

مفارقة

رجع علي من عمله الشاق متعبا لا تكاد رجلاه تحملانه من شدة العياء.

وبعد أن اطمأن على حالة أبنائه الأربعة الراجعين من المدرسة، حضّر شيئا من الطعام فوضعه في سلة ثم أخذ حافلة متهالكة وتوجه قصدا إلى مستشفى الولادة حيث ترقد زوجته التي وضعت بالأمس طفلها الخامس.

ما أن اقترب من العنبر الكبير ذي الجدران الرطبة المهترئة حتى لطمت أنفه رائحة زاكمة هي مزيج من عرق ودم ودواء.

في المدخل، استقبلته الممرضة السمينة ذات الأرداف الغليظة بنظرة شزراء تقطر كراهية واحتقارا.

قال في نفسه مشيحا عنها بوجهه وهو يبادلها أحاسيسها بأسوء منها:

ـ لقد علفت هذه الفيلة في مسارها المهني قناطير من جبنة البقرة

الضاحكة وآلاف من علب "دانون"، وبلعت من البيض المسلوق ما باضته ألف دجاجة ودجاجة، كل ذلك عن طريق ابتزاز الحاملات والوالدات. ولما وجدت جيوبي أنشف من قلبها ناصبتني عداءا مجانيا...

اقترب من زوجته فطبع قبلة على جبينها ثم قبل طفلته الوليدة وجلس على كرسي بمقربة منهما بعد أن سلم يسارا ويمينا على جارات زوجته الوالدات والزائرات. في هذه اللحظة ارتفع بكاء الرضع دفعة واحدة وكأنهم كانوا على اتفاق مسبق، فضج العنبر الواسع بالصراخ وكأنه زريبة التقى فيها الخرفان بأمهاتهم بعد يوم من الفطام.

قالت له زوجته بصوت واهن:

ـ قال لي الطبيب بأني لن أخرج قبل أربعة أيام بسبب النزيف الحاد الذي لم ينقطع منذ أن وضعت، لذا أرجوك أن تصرف مائة درهم على أوراق من فئة عشرة وعشرين درهم وأن توافيني بها حالا لأنفح بها من يهمهن الأمر.

أجابها ثائرا مغتاظا:

ـ والله لن أعطيهن رهما واحدا وليكن ما يكون... فهل يعتقدون أنهم بالوصلات الإشهارية سوف يقضون على الرشوة في هذه البلاد؟

لما عاد إلى البيت، أشعل التلفزة فوجد في إحدى القنوات الفرنسية ريبورتاجا يشد الانتباه:

غرفة الانتظار في عيادة.

غرفة شاسعة فاخرة تسطع نقاء وبياضا وكأنها قمة جبل تعمم بثلج لم تطأه أبدا قدما إنسان.

الممرضات الشقراوات يتهادين في غدوهن ورواحهن وكأنهن فراشات

تخفق بأجنحتها تحت شمس ربيع مترنح سكران.

من خلال النوافذ المشرعة يتراءى بساط أخضر لعشب رائق مشذوب بعناية فائقة.

صمت رهيب يخيم على أسرة قدمت بقضها وقضيضها لمرافقة حبيبة عزيزة أرغمها وهن الشيخوخة على تسليم جسمها المنهك لمشرط الجراح.

الزوج يخفي قلقه العميق خلف نظارات شمسية داكنة وهو يذرع الغرفة جيئة وذهابا.

الزوجة متهالكة على أريكة وثيرة وقد بدت مروعة الوجه بعد أن جفت من عينيها الدموع. في حضنها طفلة ملتاعة أشبه ما تكون بدمية "باربي".

باقي أفراد الأسرة، انتصبوا كتماثيل مشرئبة بأعناقها نحو باب بعينه في انتظار النبأ العظيم الذي سيطوح بها في مفازات الحزن السحيق أو سيحلق بها في سموات الفرح المجنح...

توتر شديد يزداد مع كل دقيقة ثقيلة تمر.

ينفتح الباب فجأة على طبيب أشيب يهتف في المنتظرين ببسمة عريضة :

أبشروا ... لقد نجت محبوبتكم...

ينتفض الجميع دفعة واحدة ويرتمى بعضهم على بعض متبادلين التهاني ومهللين بالخبر السعيد.

يقول رب الأسرة للطبيب بصوت مرتعش:

ـ هل يمكن لنا أن نراها يا دكتور؟

ـ إن شئت ذلك. ولكنها لا زالت مخدرة.

يدخل الجميع إلى قاعة العمليات على رؤوس بنانهم بقلوب واجفة ويتحلقون حولها بعيون تقطر حنانا وعشقا...

الكلبة ليكة ممددة على جنبها، مسبلة العينين كعروس خجلانة وقد لف بطنها الأبيض بضمادات خرج منها شيء من الدم.

مدت الزوجة وجهها وقبلتها على فمها في حنان فياض استقطر منها

آخر دمعاتها الحارقة.

هيستيريا من الفرح تأخذ الأهل والأحباب وكأن الأمر يتعلق باستقلال وطن...

بعد هذا المشهد المثير، ينتقل الريبورتاج التلفزيوني

إلى مقبرة للكلاب يزورها أحبابهم بأكاليل الورود والأزهار يضعونها على قبور رخامية تحمل إسم الراحل العزيز مع صورته ويومي ولادته ووفاته...

هنا، أحس بالإحباط فأقفل التلفزيون وضرب يدا بيد، ثم غمغم في نفسه وهو يهز رأسه بمرارة:

ـ لكم الله ياأطفالنا في "البراريك" وفي العراق وسوريا وفلسطين والصومال ...

اللهم ارزقنا حظ بعض من ولدوا في الغرب كلابا يارب...


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (12)

1 - أبو دعاء الخميس 25 يوليوز 2013 - 23:20
شكرًا أخي احمد على هدا المقال،والله انه لشيء مخز أن يكون هدا حالنا،
أبو دعاء من كندا
2 - فاطمة الجمعة 26 يوليوز 2013 - 01:06
إنه مقال رائع أدام الله عليك الصحة و على قلمك المداد الوفير
3 - باحثة عن المعرفة الجمعة 26 يوليوز 2013 - 02:42
لا يسعني سوى القول ان هناك فرق بين المجتمع الاوربي و المجتمع العربي فهذا الاخير يعاني من المعضلات مالا يعانيه الاول و لربما يعود هذا لافكار و معتقدات و سوء التدبير ... الخ و كما ذكر اعلاه ظاهرة الرشوة فالرشوة ظاهرة متفشية في وطننا العربي و هذا امر ملموس لذا لا مجال لكي نقارن بين هذين المجتمعين و كل الشكر للاستاذ احمد
4 - حسن السلاوي الجمعة 26 يوليوز 2013 - 08:23
السلام عليكم اخي احمد بارك الله فيك وجزاك عنا كل خير واطال لنا في عمرك
هدا هو الواقع الدي نعيشه في هدا البلد الكل يجري وراء المال وبكل الطرق واكترها واسهلها الحرام... من حكمو هده البلاد نجحو في خطتهم من خلال زرع كل الخصا ل الفاسدة بين افراده الرشوة الحكرة التكبر المحسوبية والانانية واخطرها الكراهية التي تفرق ولا توحد حتى يسودو!!!
احي كل الشرفاء والنزهاء في هدا الوطن اللدي هو في اشد الحاجة لهم
5 - عزيز شعيبي / امريكا الجمعة 26 يوليوز 2013 - 08:46
اعجبتني كتابتك هاته اخي احمد.. واحس انك مبدع كبير يمتعني قلمك الذي لازال فياضا رغم سنين السجن والتنكيل اما الموضوع المطروح فهو حقيقة : ففي البلدان التي تحترم الانسان ينظر الطبيب الى حالتك الصحية قبل المادية اذ المهم عندهم ان يزول الالم عن المريض هذا ما عشته عندما كنت حذيث العهد بامريكا ساعتها تحمد الله انك بهذا البلد اما اذا ابتلاك الله بالمرض بالمغرب الاقسى فالكل يبتزك من حارس الباب الى المنظفة اما الطبيب فيتحول الى جزار خاصة في المصحات العمومية .. صحيح ان الكلاب في دول الحق والقانون تلقى معاملة حسنة احسن مليون مرة مما يلقاه المواطن الفقير في مملكتنا السعيدة .. و الله اعلم.
6 - Royame Du Maroc (RDM) الجمعة 26 يوليوز 2013 - 08:57
Non Mr ELMARZOUKI, cette fois ci je ne suis pas du tout d'accord avec vous, même si la France est la 4° puissance mondiale, même si son système social est le meilleur au monde, certaine de ces hôpitaux sont dans un état pire que celui d'IBNOUSINA ou LGHASSANI ou.... dans notre pays on vénéré les personnes âgées en France les personnes âgées souffrent de solitude . c'est à mon tour de vous raconter une histoire:
c'était un hiver dure, je prenais mon café à cote du vieux monsieur au cours de la conversation il m'a appri qu' il avait 5 garçons qui sont bien placés et qu'un jour il les a appeler pour leur demander de lui acheter du pétrole de chauffage (30€) .Aucun d'eux n'a répondu à sa demande et il a fait la manche ( saaya) . et depuis il a compris dans sa tête qu'il ne peut plus compter sur ses enfants et ne les considère plus comme ses enfants: le lien est coupé à jamais .
7 - FATNA الجمعة 26 يوليوز 2013 - 11:32
تبارك الله عليك ، ودعواتي لك بالتوفيق
8 - عادل الجمعة 26 يوليوز 2013 - 13:54
تحية اجلال وتقدير الى الاستاد والمناضل الكبير احمد المرزوقي في هدا الزمن المر زمن الخيانة والعهر السياسي وفي الوقت الدي فضل فيه اشباه المثقفين الارتماء في احضان المخزن او التواطئ بالتزام الصمت.الوضع لا يحتمل لا زلت اقاوم لكي لا التحق بيوسف الدي كتبتم قصته في المقال السابق
9 - محمد الجمعة 26 يوليوز 2013 - 14:33
كلما قرات مقالا من مقالاتك , ساد الصمت ذهني , لقد صرت كمن يصفعني كلما اخدني النعاس ,لاستفيق على واقع مرير , واقع لطالما اردت تجاهله .
استمر يا سي احمد .
10 - جبلو من جبلة الجمعة 26 يوليوز 2013 - 15:01
مقال جميل من كاتب جميل في وطن لا حول ولا قوة له فهي مواطن
11 - Ha-tin Digh الجمعة 26 يوليوز 2013 - 15:22
سؤال للسيد المرزوقي،
ألم يكن "هندا" أحق بمثل تلك الرعاية من بعض بني البشر لدينا-المسؤولون تحديدا-؟
من حيث الحنان، ومن حيث الرعاية، ومن حيث المسؤولية والانسانية، فالكلاب أحن وأرعى وأكثر إنسانية من مسؤولينا الذين هم طينة منا، بالتالي ألسنا نحن أيضا هكذا؟
12 - Marocain de france الجمعة 26 يوليوز 2013 - 16:26
En accompagnant ma femme quand elle a accouché de notre enfants, j'ai découvert le premier principe de la civilisation européenne a savoir donner de l'importance à l'élément humain. J'ai vu comment les jeunes infirmières douces et super sympathique se comportent avec les femmes quelle que soit leur couleur, leur origine ou leur religion... Tout le monde est égal et on pense au confort et la santé des femmes et des bebe en permanence. C'était dans un hôpital public. À ce moment la j'ai compris que le vrai progrès ne consiste pas a ouvrir des grands centres commeciaux ou des bâtiments de luxe mais ça consiste à donner de la valeur et de l'importance aux citoyens et leur assurer une éducation et un système de santé convenables. اللهم اهدنا و حسن أحوالنا و تعنا على تغيير انفسنا
المجموع: 12 | عرض: 1 - 12

التعليقات مغلقة على هذا المقال