24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

18/09/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4307:0913:2716:5119:3420:49
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما هو المطلب الأكثر أولوية في رأيك؟

قيم هذا المقال

4.50

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | عين على | بيروت .. منحوتة طاحون الزمان وقوانين السير في خبر كان

بيروت .. منحوتة طاحون الزمان وقوانين السير في خبر كان

بيروت .. منحوتة طاحون الزمان وقوانين السير في خبر كان

بعد رحلة ساعتين في السيارة من بيروت باتجاه الشمال وقفت أمام نصب "طاحون الزمان" للنحات المدهش رودي رحمة. أشعر بدوار الطريق، فقد كان السائق في سباق حقيقي مع المنعرجات وضد السيارات المنطلقة بسرعة جنونية. أدور للمنحوتة العالية. تلتقي عقارب الساعة الحادة على جسد عاري معلق...

أشعر بالدوار.. لذا لا تظهر لي أبعاد التشكلات المنحوتة. لم تخرج السيارة من بيروت إلا بصعوبة. أعرف فوضى السير في الدار البيضاء. لكن في بيروت الأمر عجب. في الدار البيضاء شوارع عرضها عشرين مترا، شرطة ورادار وغرامات كثيفة... في بيروت شوارع أصغر وسيارات أكثر. لكن الحماقة في السياقة واحدة. وهي تعكس الثقافة السلوكية للفرد، وتعكس علاقته بالقانون.

طاكسيات لبنان تشبه البلد. في المغرب طاكسيات بألوان موحدة. لطاكسيات كل مدينة مغربية لون موحد. بينما يصعب تمييز الطاكسيات في بيروت. حين تمشيت على الكورنيش وقفت سيارة وقال صاحبها إنها طاكسي. سألته عن الشارة التي توضع فوق، فقال أنها سرقت منه.

ركبت. طلبت منه تشغيل العداد، فقال لا يوجد. نقلني من الكورنيش حتى مطعم تاء مربوطة في الحمرا. أخذ مني عشر دولارات لكني استنطقته. يمر على البيوت التي عليها حواجز ويذكر لي أصحابها. يقطن الرجال المهمون في قلب المدينة على الكورنيش، وهذا يعقد حياة الناس. قال إن حراس الزعماء مليشيات في ثياب قوى الأمن. في بيروت ما لم أره في البيضاء. على الشوارع لافتات مثل "رئيس الجمهورية فوق الكل"، "دعم الجيش واجب الكل".

بعد ندوة السفير في مسرح المدينة الحمرا بيروت

توجد أوجه شبه بين البيضاء. فمن مطعم الفندق في الطابق السادس مشهد موحش. فوضى عمرانية، مباني متباينة. لكن لبيروت خصوصيتها: على جدران كثيرة أثر رصاص كثيف...

في الشوارع الضيقة وذات الاتجاه الواحد من يعثر على مكان لركن سيارته كمن حقق معجزة. عدد السيارات مساو لعدد اللبنانيين، في المغرب عُشر السكان يملكون سيارات. هذا يخلق فرقا في درجة الاكتظاظ.

أربعة ملايين سيارة في عشرة آلاف كيلومتر مربع. في المغرب مليون كيلومتر مربع. في شوارع بيروت سيارات مرقمة في سوريا أيضا. لا خليجيين في لبنان الآن. هناك الكثير من السوريين والعراقيين.

على طريق المطار السرعة خمسين والسيارات تمشي بمائة. في المحاور يمر الجميع في كل الأضواء. وقفت طويلا في المحاور أتأملها. كل محور يريد أن يسبق غيره. لم أر سائقا يحترم علامة قف.

لا يضع اللبنانيون حزام السلامة. بين قيادة السيارات وقيادة البلد تقاطعات كثيرة. تقاطع السلطة والمجتمع... أقول لمحاوري اللبناني والفلسطيني والعراقي "في المغرب من لا يضع حزام السلامة يدفع غرامة". يردون علي في إجماع "في المغرب لديكم فساد ولديكم دولة. عندنا فساد وليس عندنا دولة".

يُفترض أن أفرح بهذا. بعد أسبوع فرحت.

بعد ضجيج السيارات ودوار الطريق دخلت مغارة جعيتا العليا. درب طويل تحت الجبل، درب فيه إضاءة فنية تحتفظ بسر المكان. فجأة لفني صمت هائل. تعرضت أذني لقطرة ماء باردة فاستعادت سلامها الداخلي. كلما جاد سقف المغارة بقطرة زاد انتعاشي... أبطأت السير لأبتعد عن زوار المغارة الذين يثرثرون في حضرة هذا الجمال الأخاذ. صار الضجيج بعيدا ومحتجزا خلف كتل الصخر. أمشي وحيدا أسبح في الصمت. "يدمر الكلام الروح عبر الأذن"، هذه هي النصيحة التي قدمها ستانيسلافسكي للمخرج وهو يدير الممثلين.

منحوتة طاحون الزمان

في هذا الصمت العميق والعزلة الملهمة بدت لي المغارة أشبه بالروح البشرية، في كل منعطف مفاجأة، طبقات مضاء وأخرى مظلمة لا يعلم عمقها، أخاديد النفس الإنسانية وأوجاعها على شكل دموع صخرية... بين كتلة دموع وأخرى سطح بنتوءات تشبه شكل المخ، وهي خليط جير وكلس وجليد... بينما أقرأ المكان بعين سيغموند فرويد أمضي على ممر إسمنتي ملتوي. يقع خط السير هذا في مكان عال. لكنه أقرب لسقف المغارة من عمقها. هنا الأنا الأعلى المضاء.

في نهاية السير شعرت بالوحدة، اشتقت للبشر فجريت نحو الباب. أنزلني قطار "الأنا" نحو المغارة السفلى. إنها أشبه باللاشعور. فيها الكثير من الماء والظلام. لا ممر لعبورها. يجري اكتشافها بزورق يسمح بإلقاء نظرة سريعة... رجعت سريعا بسبب القشعريرة وظلمات "الهُو"...

خرجت من المغارة وقد بلغت مرحلة متقدمة من تصفية حسابي مع فلسفة المكان. لن أشاهد فيديو وشروحات عن المغارة. كيف لمن شاهد حقيقة الطبيعة أن يشاهد ظلها؟

أتأمل "طاحون الزمان" فبدت لي أبعاد جديدة لعلاقة البشر بالزمن. أسفل عقارب الطاحون أشلاء الذين سحقهم الزمن. يسحق ويمضي. لا يتوقّف الزمن حين تتعطّل الساعة. بالنسبة للنحات تتخذ صورة الزمن والساعة شكل دائرة، الدهرُ كالدولاب والدائرة حلقة مفرغة. الساعة هي يوم الحساب، مع النفس أو في الآخرة. يقول مثل صحراوي بأن الله صنع الزمن والإنسان صنع الساعة. منذ اختراع الساعة صار الزمن كميا. يقاس بالثواني والدقائق. وهذا عامل ضغط رهيب على البشر. إن الزمن لاعب أساسي في كل المعارك.

من خلال أشلاء الأجساد فهذا زمن بيولوجي لا فلكي. داهمني خوف من الزمن. في مطعم على البحر قرب جبيل، وفي أنظار صحن السمك ذقت كأس عرق لأول مرة في حياتي. يريح الكأس من قلق الزمن. فجأة تذكرت السؤال الذي عبر بذهني حين أقلعت الطائرة من الدار البيضاء:

ما هو لبنان بالنسبة لي؟

إنه كتب دار الآداب، وصوت فيروز وطريقة كتابة مهدي عامل. وصوت درويش يدوي"بيروت بحر، بيروت ربح، بيروت حرب".

لقد جاء بي الحبر إلى بيروت.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (13)

1 - عابر سبيل الخميس 10 أبريل 2014 - 08:43
شكرًا للكاتب على الوصف المتميز، منذ أمد طويل لم نصادف أسلوبا راقيا يمتح من أغوار اللغة السليمة، وشكرا على إتاحة السفر لي إلى بيروت، فقد شعرت فعلا ، ولهنيهة، أني داخل سيارة الأجرة وأكاد اسمع ضجيج الزحمة في الشوارع، برافو.
2 - قيس الخميس 10 أبريل 2014 - 10:12
المغرب عملة نادرة يجب الحفاظ عليها كل من موقعه ملك،شعب،و حكومة !أحمد الله إني مغربي رغم ضيق اليد ! يحيا المغرب تحيا لبنان !
3 - عادل الوجدي الخميس 10 أبريل 2014 - 10:15
مقال رائع أسلوب جميل في الوصف ومفيد للمقارنة بين البلدين، زرت أيضا القاهرة ايام مبارك ولاتختلف عن بيروت في فوضى السير واختراق قانونه، هناك فشلت اضواء المرور في فرض سيطرتها على السير حتى تعطلت اغلبها ولم يعد هناك داع لإصلاحها فالذراع هو الحكم بين السائقين كما قال لي احد سائقي الاجرة، إذا كان المغربي يكتشف ان بلده متخلف عندما يزور اوروربا لأول مرة فهو يكتشف من جهة اخرى ان بلده متحضر عندما يزور الدول العربية، في السفر نكتشف الآخر ونكتشف أنفسنا أيضا، بلدنا حقق نموا عبر السنوات لايجب ان ننكر ذلك، فالمزيد من العمل نحن في الطريق.
4 - younes الخميس 10 أبريل 2014 - 10:16
Good job man i was believing the writers are desperate In Morocco but now im sure We still have a great writers like you .
Very well description and very well strong language
5 - كاتب صحفي الخميس 10 أبريل 2014 - 10:52
لقد أصبت يا محمد جميل كالعادة... كنت على اهبة الاستقرار بهدا البلد الدي كان يلهب خيالي...الآن احمد الله انني اقلعت عن الفكرة...مقال رائع دام لك تالق الوصف الجميل
6 - aziza agadir الخميس 10 أبريل 2014 - 11:11
شكرا على المقال وكأنني زرت بيروت ،كتابتك جميلة ومفهومة في بعض الاحيان أصادف مقالات أقرأها ولا أفهمها نظرا لاستعمالهم لبعض الجمل والمصطلحات الغامضة. مقال رائع أحييك.
7 - البشير الخميس 10 أبريل 2014 - 11:18
كلمات رائعة يعيش القارئ من خلالها لحظات المتعة والنظر في عاصمة الارز العربية تحية للكاتب المقتدر .حقا للكلمات سحر اخاد قلة من ينطقون هذا السحر .
8 - marocain et fiier de l etre الخميس 10 أبريل 2014 - 14:34
au contraire ce qu il adit le libanais les marocains respectent la loi de la circulation en plus la loi est severe la dessus les cmeras pa tout la police la gendarmerieroyal par tout ce n est pas comme les pays arabes manque de dimocrstie corruption falcifications des elections hercelement sex obsession guerre civile mais nous les marocains on a lasecurite le respect on civilise
9 - mounir الخميس 10 أبريل 2014 - 15:38
مقال رائع أسلوب جميل في الوصف ومفيد للمقارنة بين البلدين،
10 - عبدول المغربي الخميس 10 أبريل 2014 - 18:24
مقال أدبي رائع ... لا مجال للمقارنة بين مملكة مغربية العريقة و بين رقعة أرضية تسمى لبنان و هي بلا دولة و هي أقرب إلى دويلة ... و دولة ضعيفة للغاية عسكرية و غير قادرة على حماية شعبها حتى ... أما المغرب يدرب بها المثل في كل شيء
11 - عبدو الخميس 10 أبريل 2014 - 21:04
إني مغربي رغم ضيق اليد ! يحيا المغرب تحيا لبنان !
12 - مغربي الخميس 10 أبريل 2014 - 23:11
القبلية العربية لا تقبل القانون فالكل يعتقد أنه مهم بحكم انتمائه لقبيلة ترى نفسها اشرف القبائل و القانون ال يطبق عليها فهي فوقه
13 - محمد الخميس 24 أبريل 2014 - 21:22
جمالية الصورة وروعة الاسلوب وخصوبة المضمون تدفع القارئ الى التهام الاسطر التهاما.....تحية للكاتب.........
المجموع: 13 | عرض: 1 - 13

التعليقات مغلقة على هذا المقال