24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

20/01/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:5908:2813:4316:2618:5020:08
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل أنت متفائل بمستقبل المغرب سنة 2019؟
  1. ألعاب رقمية تدرّ أكثر من مليار دولار على تركيا (5.00)

  2. الحالة الجوية .. أمطار وثلوج وانخفاض درجات الحرارة في المملكة (5.00)

  3. اتحاد الشغل التونسي يتشبث بالإضراب لزيادة الأجور (5.00)

  4. قرار من المحكمة التجارية يمدّد "نشاط لاسامير" شهورا إضافية (5.00)

  5. تحدّي 10 سنوات (5.00)

قيم هذا المقال

1.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | عين على | "يوم الموت" في المكسيك .. طقوس غرائبية و"اعتقادات فرعونية"

"يوم الموت" في المكسيك .. طقوس غرائبية و"اعتقادات فرعونية"

"يوم الموت" في المكسيك .. طقوس غرائبية و"اعتقادات فرعونية"

يلتقي المصريّون القدامى في حضارتهم الفرعونية الضاربة في القدم التي أبهرت العالم، وملأت الدّنيا، وشغلت الناس، مع سكّان المكسيك القدامى من شعوب المايا والأزتيك، وسواهما من الدّول والإمبراطوريات الكبرى السابقة للوجود الكولومبي التي تعاقبت على المكسيك، وبعض بلدان أمريكا الوسطى، في بعض مظاهر احتفالاتهم بالموت، وبالطقوس المحيطة به، وفى نظرتهم للغيب، وللعالم الآخر، والبعث، وعودة الحياة، حيث نلتقي في هذه الاحتفاليات الغرائبية مع شبيهي إله الموت عند قدماء المصريين "سوكر" ومع نظائر من إيزيس، وأوزوريس، وسواهما من آلهة المصريين القدامى.

ومثلما ارتبطت احتفالات المكسيكيين بالظواهر الفلكية والنجوم والتنجيم، والأفلاك، والأجرام السماوية، فقد ارتبطت أعياد الفراعنة واحتفالياتهم منذ القدم كذلك بالظواهر الفلكية، والأرض، والطبيعة، ومظاهر الحياة. وتعود احتفالات المصريين القدامى منهم والمعاصرين بعيد شمّ النسيم منذ ما ينيف على خمسة آلاف عام، ولقد أطلق الفراعنة على هذا الاحتفال اسم عيد "شموش"، أي إعادة بعث الحياة، وتمّ تغيير هذا الاسم في العصر القبطي إلى اسم "شم"، ثمّ أضيفت إلى هذا الاسم كلمة "النسيم" نسبة إلى صَبَا الرّبيع ونسائمه العليلة، وكانت الأكلات، والأطعمة التي تُقدّم خلاله تعتبر عندهم ضرباً من ضروب "أطعمة الموت".

ومثلما كان يعتبر البيض الملوّن في أعياد الفراعنة القدامى مظهراً من مظاهر الاحتفال بعيد شمّ النسيم وفي مصر اليوم كذلك، فهو ما انفكّ يشكّل عند المكسيكيين في احتفالياتهم بيوم الموت مظهراً أساسياً كذلك من مظاهر هذه الطقوس إلى يومنا هذا المشهود.

ومثلما ارتبطت بعض العادات المصرية القديمة بالحياة الجنائزية، حيث كانت أُسَر المتوفىَّ تضع إلى جانبه عند دفنه بعض المأكولات التي كانت أثيرة عنده في حياته، كما كانت هذه الأسر تزور في أعياد الموت والموتى المقابرَ لإحضار الأطعمة لموتاها، فكذلك يوجد في المكسيك هذا التقليد إلى اليوم.

ومجمل القول إن القارئ سيلتقي في هذا المقال مع العديد من مظاهر الاحتفالات، والعادات، والعوائد، والتقاليد، والموروثات التي كانت "مصر القديمة" مصدراً، ومنبعاً، وبوتقة، ومهداً لها منذ أقدم العصور الغابرة، والدهور السحيقة:

عاشت المكسيك خلال شهر نوفمبر الفارط أيّاماً هادئة صامتة لم يألفها الأجانب القاطنون في مدينة مكسيكو سيتي العملاقة؛ إذ لم تكن ترى في الشوارع، والأزقة والدروب، سوى القليل من المارّة، يجوبون المدينة مهرولين، مسرعين، قلقين، متوجّسين، مشدوهين، تعلو أديمَ الثّرى بعض قشور البيض الملوّن المكسّر على واجهات بعض أبواب المساكن والبيوت، وعند مداخل الدور والقصور، والمنازل الفارهة، والمباني الضخمة التي تكوّن غابة كثيفة من الإسمنت المُسلّح، والزجاج المقوّى، والحديد الصّلب في قلب هذه الحاضرة الأزتيكية العريقة مترامية الأطراف التي قد تصل بعض شوارعها الكبرى حوالي المئة كيلومتر طولاّ، والشيء ذاته كنت تراه في مختلف مدنها الأخرى وقراها ومداشرها، وأرباضها، ونواحيها، وكان الأمر يبدو غريباً نوعاً ما أو على الأقلّ غير مألوف أو معروف عند الكثيرين.

تقاليد متوارثة

اتّضح فيما بعد لزوّار هذه المدينة أن السكّان قد برحوا المدنَ والحواضرَ، وأمّوا القبورَ والمقابرَ، وكنت لا تسمع سوى أصوات الغناء، والصيّاح يتعالى هنا وهناك، ورائحة البخور الغريبة تزكم الأنوف، والناس ما زالوا في حيرة من أمرهم، يهرولون وبأيديهم باقات من الورود، والزهور مختلفة ألوانها وأشكالها وأحجامها، وفي الأسواق لم تكن ترى سوى أكوام من القرع (اليقطين) وقد احتلّت مكان الصّدارة بين المعروضات.

كان اليوم هو "يوم الموت"، وربما كانت هذه أكبر تظاهرة يقيمها الأحياء للموت والموتى؛ إذ يعتقد المكسيكيّون أن موتاهم في هذا اليوم يعودون إلى دورهم فيعدّ لهم أهاليهم أطيبَ المأكولات، وأشهىَ الأطعمة، خاصّة تلك الأطباق والصحون التي كان يحبّها الميت عندما كان على قيد الحياة، فضلاً عن إعداد أنواع كثيرة من الفواكه، والعسل، والسكّر، والملح، وبعض الحلوى يطلقون عليها "خبز الموتى" وهم يعتقدون اعتقاداً راسخاً أن موتاهم يخرجون إليهم في ذلك اليوم فيقضون الليل كلّه معهم في المقابر ويسهرون فيها حتى الصّباح.

تستمدّ هذه التظاهرات والاحتفاليات الغريبة أصولها القديمة وجذورها البعيدة من العادات الغابرة المتوارثة للسكّان الأصليين للقارة الأمريكية، وتتمثّل هذه التظاهرات في الاحتفال بيوم الموتى أو يوم الموت، وقد أصبحت هذه العادة مزيجاً بين العادات الشعبية المتواترة الضاربة في القدم، والمعتقدات التي استجدّت بعد اكتشاف أمريكا عام 1492.

وما زالت هذه العادات منتشرة بين الناس على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية، ولهذه الاحتفالات عندهم رموز، ودلالات، وأبعاد عميقة، وهي تجسيم لمفهوم الكائن البشري في هذا الصّقع النائي من العالم ونظرته وتصوّره للموت كحدث طبيعي لا يمكن ردّه، أو صدّه، أو إيقافه، أو التغلّب عليه، أو تفاديه، يشلّ حركة الكائن، ويعود به من حيث جاء أوّل مرّة.

طقوس تعود إلى أربعة آلاف سنة خلت

عرفت مختلف الحضارات البشرية القديمة هذا النّوع من الطقوس التي تحتفل بالموت كظاهرة طبيعية محيّرة، وقد خلّفت لنا تلك الحضارات معالم ومآثر ومقابر أشهرها أهرامات مصر، والحضارات السابقة للوجود الكولومبي في أمريكا، ومجسّمات كلها ترمز للموت أو الموتى، حيث يُعتبر الموت في هذه الحضارات نوعاً من التصرّف العلوي، حدوثه لا يثير أيّ حزن أو همّ أو ألم أو حسرة أو حداد.

وكان الناس يتقبّلونه كحدث طبيعي، وظلّ هذا الشعور مستمرّا حتى تاريخ الاكتشاف، ويرجع الاحتفال بالموت أو الموتى في الحضارات المكسيكية إلى ما يزيد على ألفي سنة قبل المسيح، أي إنه يعود الآن إلى أربعة آلاف سنة خلت.

ومثلما هو الشأن عند الفراعنة وبعض الحضارات القديمة الأخرى، فقد عثرت على بقايا هياكل آدمية وبجانبها حاجياتها الخاصة، ومجسّمات مصغّرة وأقنعة وأواني وجواهر ومعادن وحليّ نفيسة من ذهب وفضّة...إلخ، وكانت كلّ ميتة عندهم لها تفسير خاص، فالمحاربون عندما يموتون عندهم يصبحون "رفقاء الشمس"، وكذلك النساء اللائي تدركهنّ المنيّة عند الولادة.

ويذهب الأطفال إلى مكان أشجاره وثماره تذرّ لبناً، أمّا هؤلاء الذين يموتون على إثر مرض عضال، أو الذين ماتوا على إثر نزول صاعقة، أو هبوب عاصفة هوجاء، أو زوبعة رعدية، أو الذين ماتوا غرقا في يمّ، أو بحر، أو بحيرة، أو نهر جارف، فلهم مصير آخر بعد الموت أقلّ من الدرجات السّابقة.

كان من عادة الأزتيك أنه عندما كان يموت أحدهم يجعلونه يجلس القرفصاء، ثمّ يوثقونه جيّداً، ويضعون الجسمَ في نسيج من قطن حديث الصّنع، ويضعون في فمه قطعة من يشم كانت ترمز إلى قلبه، وعليه أن يتخلّى عنها وهو في طريقه إلى "متكتلات"، وهو مكان الموتى عندهم، ثمّ يخيطون الكتّان والجثّة بداخله. وفي ساحة بعيدة عن المدينة يعدّون منصّة عالية يضعون عليها الميت محاطاً بحاجياته الخاصّة التي استعملها في حياته مثل درعه، وسيفه، أو رمحه، وقوسه وسهامه، وتعدّ الأسرة بعض المأكولات التي غالبا ما تكون من عجّة الذّرة، واللوبياء والبازلاء وبعض المشروبات.

بعد ذلك يقوم كبير قومهم ليتأكّد من أنه لا شيء ينقصه، ثمّ تُضرم النيران عليه على طريقة الهندوس، وعندما يعلو اللهب في الفضاء يجلس أفراد عائلة الميت وهم يتأمّلون نهاية عزيزهم، وينشدون أغاني هي مزيج بين الحزن والفرح في آن واحد، ثمّ يوضع الرّماد داخل وعاء إلى جانب اليشم.

وكان الأزتيك والشعوب الأصلية السابقة للوجود الكولومبي يعتقدون أن الموت ليس سوى شكل جديد للحياة، كما كانوا يعتقدون بالعالم الآخر، وكل ميت لا بدّ أن يأخذ طريقه نحو هذا العالم، ويصنّف أو يُجازى حسب الأعمال التي قام بها في حياته، وعندما يصل الميت إلى السماء السابعة كدليل على حسن تصرّفه في دنياه، عليه أن يترك هناك قطعة اليشم التي وضعها الأحياءُ في فمه.

وكان السكان الأصليّون للقارة الأمريكية يؤمنون بالبعث أيضاً، وهم يفسّرون ذلك باختفاء النجوم وراء الأفق، ثم تعود للظهور من جديد، كما يشبه عالم الأموات عندهم كذلك بالذرة التي بعد أن تُرمى في أحشاء الثرى وتموت تعود للحياة من جديد في شكل نبات قائم جميل مثمر، كانوا يعتقدون أن الوجود الأزلي أو الخلود الحقيقي هو للرّوح وليس للجسد الفاني الذي يؤول إلى الزّوال والاندثار والفناء. وكانت الجمجمة عندهم لا ترمز إلى الموت وحسب، بل إنّها ترمز إلى الحياة كذلك، إذ إنها تعني الأمل في البعث من جديد. ويقول شاعر أزتيكي بهذا الخصوص:

إنّنا نأتي هنا فقط لننام**إنّنا نأتي هنا فقط لنحلم

فليس صحيحا أنّنا**نأتي للأرض لنعيش

فقد كانت الأرض عندهم بمثابة محطّة للمرور، أو جسر للعبور والانتقال إلى عالم آخر، وهكذا كان مفهوم الزّمن أو الفضاء، أو الحيّز، أو العالم المرئي، والعالم غير المرئي، ليس سوى عالم واحد، وهنا تكمن ثنائية الاعتقاد بالموت والحياة عندهم، وبأنّ المنيّة في العمق هي دليل الخلود وليس العكس.

يوم الموت

الموت يسوّي بين جميع الأحياء ولا يمكن لمخلوق أن يفلت منه، وهو واقع يومي يحاول الناس نسيانه، إلاّ أنه يدركهم في آخر المطاف مهما طال مقامهم في هذه الديار، (وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ**وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ)، ويقاسم الشاعر الأزتيكي الكبير" نيزاوالكويوتل" شاعرَنا العربي القديم زهير بن أبي سلمى المزني هذه الحقيقة، فيقول هو الآخر:

هكذا نحن أحياء-أموات**لا بدّ لنا يوماً أن نرحل

عن هذا العالم الأرضي**مهما طال بنا به المقام

وللموت عشرات الأسماء والنّعوت في مختلف لغات الأرض، فالأموات الذين كانوا يوماً أحياء يرزقون في الأرض ليس من السهولة واليُسر نسيانهم في الحياة، وعليه يحاول الناس في المكسيك وفي بلدان أخرى في هذا الشقّ النائي من العالم مرّة كل عام في هذه التواريخ أن يرتدوا لباس المنيّة، أو يتدثّروا بمسوح الموت، أو قناع الحِمام يتمثّلونه في الحياة قبل الممات استذكاراً واستحضاراً لموتاهم.

ومن ثمّ جاءت هذه الاحتفالات التي تنطلق من أواخر شهر أكتوبر وتتوّج في الثاني من شهر نوفمبر من كلّ حول، حيث يخيّل للناس أنهم سيلتقون بموتاهم وجهاً لوجه، وتوقد في هذه الأيام في أعلى مكان من المنزل أنوار خافتة إلى جانب مائدة وضعت عليها أشهى المأكولات وأطيب الفواكه وألذّ الحلويات التي كانت أثيرة لدى الميت في حياته.

ففي ليلة 31 أكتوبر يبدأ الاحتفال، وعندما تسمع ضربات النواقيس (12 ضربة) عندئذ توقد الشموع والأنوار في مختلف الدّور، وفي تلك اللحظة تخلو المدينة من المارّة ويسودها سكون شامل رهيب، ويبدأ الأطفال في إيقاد عيدان الندّ، وعَرف الطّيب، والبخور التي تشيع روائح زكية في مختلف أركان البيوتات والمنازل، وتوضع إلى جانب المائدة ورود، وأزهار، وشموع بيضاء، واحدة لكلّ ميت، كما يوضع كوب من ماء، ومجسّمات صغيرة من طين وفخار لاستقبال الموتى، كما توضع لُعبٌ لاستقبال الموتى الصغار.

وفى الصّباح يتخيّل الناس أن موتاهم الصغار والأطفال يأتون لزيارتهم ويشاركونهم طعام الإفطار، وفي الساعة الثانية عشرة زوالاً تُستبدل الزّهور البيض بالزّهور الصُّفر، ثم تقرع النواقيس من جديد لاستقبال الموتى الكبار، كما تستبدل الشموع بقناديل سوداء، وشموع أكبر من الشموع السابقة.

وفي الساعة الثانية عشرة ليلاً يترحّمون على موتاهم، وعند الصباح تقرع الأجراس من جديد، عندئذ يخرج الناس من دورهم ويتّجهون إلى المقابر، وقد أوقدوا الشموع من جديد، وأشاعوا البخور في الأجواء، ويقضون الليلَ كلّه إلى جانب أحبّائهم الرّاحلين، وقد غطّوا القبور بالورود والأزهار.

وفي ثالث نوفمبر يتزاور السكّان فيما بينهم ويتبادلون الأطعمة والأطباق التي كانوا قد أعدّوها لموتاهم، وهكذا يقيمون روابط، وأواصر، ووشائج فيما بينهم.

كما يتّجه الناس في هذا اليوم أفواجاً وزرافات ليلاً إلى مدينة "مكسيك" القريبة من العاصمة العملاقة "مكسيكو سيتي" للترحّم على أجدادهم القدامى، وهم يحملون آلاف الشموع والقناديل المضاءة، ويشكّلون بذلك منظراً مثيراً حيث تتلألأ الأضواء الصغيرة تحت عباءة الليل الحالكة، وينوف عدد الذين يزورون هذه المدينة في هذه المناسبة على مليوني شخص، يؤمّون مختلف منازل المدينة للسّلام على ذويها، ومشاهدة الأطعمة التي أعدّت للموتى في كلّ دار.

متحف الحِمام

في خضمّ هذه الاحتفالات الكبرى المتوالية بيوم الموت والموتى في هذا البلد الأزتيكي الغريب، ليس غريباً إذن إذا علمنا بوجود متحف فريد به من نوعه خاص للاحتفالات بيوم الموت، ويتوفّر هذا المتحف على العديد من الأجنحة تشمل تقاليد مختلف جماعات السكّان الأصليين، ولا يتعلق الأمر فقط بمعرض لنماذج من الموائد التي يتمّ إعدادها في مختلف الأقاليم في هذه المناسبة، بل هو معرض شامل ومتكامل حول كلّ ما له صلة بهذه الاحتفاليات الغرائبية والطقوسية الضاربة في القدم، وهذا المعرض مفتوح في وجه الزوّار على امتداد الحول كلّه للتّذكير بالمصير المحتوم لكلّ كائن، أو هو في الواقع، من جانب آخر تذكير بالحياة وبالأحياء؛ ذلك أن العديد من السكّان يرون في هذه الاحتفالات مناسبة للتأمّل وإعمال النظر والفكر في الحياة الحاضرة، والحياة الأخرى التي تنتظر المرء، فيبدأ في مراجعة نفسه، ويحاسبها حتى لا ينسى أنه مجرّد طيف عابر، أو ظلّ زائل في هذه الدار، وأنه لا بدّ راحل لا محالة يوماً نحو العالم الآخر.

هالوين أو ليلة السّاحرات

ولا يعرف كيف وصلت حفلات شبيهة بتلك التي تجري في المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى بلدان أخرى في مختلف أنحاء المعمور تحت اسم "هالويّن" أو احتفاليات ليلة السّاحرات التي يغشاها الرُّعبُ، والذُّعرُ، والفزَعُ والمفاجآت، والمباغتات التي تتميّز بها هذه التظاهرات الصّاخبة.

ويُعتقد أنه ربّما تكون قد وصلت إليها من إنجلترّا، أو إيرلاندا، (السّلتيك) حيث كانت وما تزال هذه العادة منتشرة إلى اليوم بشكل أوسع من السابق، وكانت بعض بلدان أمريكا اللاتينية قد عملت على منع إقامة هذه الاحتفالات، خاصة في الأماكن العامة والشوارع وفي المدارس والمعاهد.

وقد دأب الناس في معظم هذه البلدان على إحياء هذه الاحتفالات، خاصة في ليلة 31 أكتوبر، ببهرجة، وصخب، ودأب، ولجب، حيث يرتدون أقنعة صاخبة مختلفة، وأردية مزركشة تنكّرية، غالباً ما تكون مخيفة ومرعبة تجسّم شخصيات تاريخية أو أسطورية اشتهرت بالرّعب، والذّعر، والفزع، والهلع مثل دراكولا، وفريدي، وطيبيس، إلخ. وكان للفنّ السّابع دور كبير في نشرها، وذيوعها، وتأصيلها بين الناس.

احتفاليات الكتّاب بيوم الموت

وإعتاد "الاتحاد العام للكتّاب والفنانين المكسيكييّن" منذ عام 1986على إحياء احتفالية خاصة بالكتّاب، والفنّانين، والمبدعين الرّاحلين، ومائدة خاصة بالكتّاب الذين ما زالوا على قيد الحياة. وعلى عكس التقاليد السائدة، لا تقدّم خلال هذه الاحتفاليات مأكولات أو حلويات، بل يغلب عليها إقامة الأنوار والزهور، وهذا التقليد جديد في المكسيك لم يسبق إليه أحد من قبل.

ويتمّ تنظيم هذه الاحتفالية في مسرح كبير بالمدينة في حيّ معروف يسمّى "كيوكان"، ومعظم قاطني هذا الحيّ من الكتّاب والفنّانين، كما تقدّم خلال هذه الاحتفالات أشرطة وثائقية، وتسجيلات حول حياة هؤلاء الكتّاب، مع قراءة بعض إبداعاتهم القصصية أو الشعرية، أو عرض بيان حول أعمالهم التشكيلية، كما تنظّم موائد مستديرة حول تلك الأعمال حيث يتخيّل المحتفون والحاضرون أن هؤلاء الرّاحلين موجودون معهم خلال هذه الأمسيات، وذلك باستعمال أدوات تسجيل حديثة ومتطوّرة تتضمّن أصوات هؤلاء الذين رحلوا عن عالمهم ولم ترحل معهم نصوصهم الإبداعية ولوحاتهم الفنية وسواها.

كما تقدّم خلال هذه الاحتفالات بعض الأعمال المسرحية التي تلقي الأضواء على عمق هذه العادة، وتحلّل رمزيتها، وهكذا يكتسب هذا التقليد بالإضافة إلى طابعه الرّوحي والوجداني طابعاً اجتماعيًا وثقافياً وفنيّاً، حيث يتذكّر فيه الناس أحبّاءهم الرّاحلين، ويستحضر الخلاّن أصدقاءَهم، كما تعمل هذه الاحتفالات على تذكير المشاركين في هذه التظاهرات بأنّ عالم الأموات في العمق غير ناءٍ عنهم، بل هو قاب قوسين أو أدنى منهم، كما أنه جزء لا يتجزّأ من عالمهم.

وهكذا تمتزج التقاليد القديمة والطقوس المتوارثة بالفنون الإبداعية من كلّ لون، في جوّ تنبعث منه روائح البخور الزكية، والشموع المحروقة، وقد حقّقت هذه التجربة الفريدة من نوعها نجاحات كبيرة على الرّغم من أنه كان هناك مَنْ عارض إحياءَها معتبراً ذلك نوعاً من التجنّي والتطاول على تقاليد مبجّلة ما زال السّواد الأعظم من السكّان، خاصّة الأصليين منهم، ينظرون إليها بنوع من التقديس والمهابة والتوقير.

الموت والأدب

لقد كُتب الكثير عن الموت، وهناك عشرات المؤلفات، والمجلّدات، والقصص، والأشعار، والمسرحيات، والحكايات، والأساطير، والمرويّات التي تتناول هذه الظاهرة الطبيعية في مختلف العصور والدهور، فمن وجهة نظر المواطن المكسيكي، فإن الموت يعيش فينا وبيننا، وهو يضحك، ويبكي، ويغنّي، والاحتفالات التي تقام للموت إنما تأتي انطلاقا من هذا المنطق.

ونحن واجدون هذا المفهوم مبثوثا في العديد من الحِكم، والأشعار، والأقوال المأثورة، والأمثال السائرة؛ فالموت في هذه الموروثات الشعبية هو رفيق كلّ من تدبّ فيه الحياة، ويهيم على أديم هذه البسيطة، وهكذا فالجمجمة المصنوعة من القرع (اليقطين) والعيش المرشوش بمسحوق دقيق السكّر، وحُبيبات الملح، ولذيذ الحلويات، وباقات الزّهور ذات اللون الأصفر الذي يرمز إلى الشحوب والذبول، واللون الأحمر، رمز الحياة والحيوية وتدفّق الدّم، كلّ ذلك يقدّم في هذه الاحتفاليات وإلى جانبها تكتب الحكم والأمثال والأشعار التي تذكّر بالمصير المحتوم.

وكلمة الموت هذه التي تقشعرّ لها الأبدان، وتصطكّ لها الرّكبان في مختلف أنحاء العالم هي بالنسبة للمواطن المكسيكي شيء مألوف، فأنت تراه يلاطف الموت، ويداعب الموت، وينام إلى جانبه، ويرتمي في أحضانه، بل إنه لا يتورّع من السّخرية منه، والتهكّم والازدراء به.

ومعروف أنه لا يوجد في الآداب العالمية في مختلف الثقافات واللغات شاعر، أو كاتب، أو مُبدع، لم يتعرّض لموضوع الموت في أعماله وإبداعاته، وهو موضوع كان له وجود في مختلف العصور، في ملاحم بلاد الرافدين، وعند الآشوريين، والبابليين، وفى حضارة مصر القديمة، وعند الرّومان، والإغريق، وعند قدماء السكان الأصليين في أمريكا اللاتينية، وفى الأدبين العربي والأمازيغي، قديمهما وحديثهما، هناك العديد من الشعراء والفنّانين الذين تغنّوا بالموت، أو كتبوا عنه.

كما نجد في الأدب الإيبرو-أمريكي ممّن كتبوا عن الموت الكثيرين، منهم على سبيل المثال وليس الحصر: داريّو، وبورخيس، ونيرودا، وساباتو، وغاليانو، ولوركا، وألبرتي، وفيّارّوتيا، وخوسّيه بوسادا، وبرونو ترافين، وأوكتافيو باث، وبرناردو أورتيس، وتامايّو، وفريدا كاحلو، وريفيرا، وأنخيل أستورياس، وخوان رولفو الذي قدّم لنا في قصّته الشهيرة "بيدرو بارامو" بطلاً من الأموات، وكارلوس فوينتيس الذي يتعرّض لموضوع الموت في شخص رجل مسنّ يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية بحثا عن الحِمام (بكسر الحاء) خلال الثورة المكسيكية لأنه يعتقد أن استشهاده في هذه المعركة أكثر شرفاً له من أن يموت موتة طبيعية.

كما نجد موضوع الموت عند معظم الشّعراء لدى مختلف الأمم، منهم زهير، وطرفة، والأعشى، والخنساء، وأبو العتاهية، وأبو تمّام، وابن الروّمي، والمتنبّي، والمعرّي (في داليته الشهيرة وسواها)، وعمر الخيّام، وطاغور، وبودلير، ورامبو، وكافكا، وباسكال، وريلكه، وكامو، وهمنجواي، وسواهم من الأدباء والشعراء العالميين وهم كثر.

وقديماً قال المتنبّي:

أصارع ُخيلاً من فوارسها الدّهرُ**وحيداً وما قولي كذا ومعي الصّبرُ

تمرّستُ في الآفاتِ حتّى تركتها**تقول أماتَ الموتُ أو ذُعِر الذّعرُ

وقال الشاعر القديم:

حَسْبُ الخليلين نأيُ الأرضِ بينهما**هذا عليها وذاك تحتها بالي

وقال آخر:

تزوّد من الدّنيا فإنك لا تدري**إذا جنّ الليلُ هل تعيش إلى الفجرِ

فكمْ من سليمٍ ماتَ من غيرِ علّةٍ**وكمْ من سقيمٍ عاشَ حيناً من الدّهرِ

وكمْ من فتىً أمسىَ وأصبحَ لاهيا**وقد نُسجت أكفانُه وهو لا يدريِ.

والأشعار والأمثال المأثورة، والحِكم والأقوال السّائرة في هذا الباب غزيرة لا حصر لها.

*عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا (كولومبيا)


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (4)

1 - عابر سبيل الاثنين 31 دجنبر 2018 - 06:42
شاهدت فيلم كرتوني على Netflix اسمه coco ،لم استوعبه حتى قرات هذا المقال .
شكرا للكاتب
2 - محمد سعيد KSA الاثنين 31 دجنبر 2018 - 10:34
السلام عليكم


كذلك الأديان المعاصره أخذ بعضها من الحضارات السابقه فقد فت نظري في المقال هو (البيض الملون) في عيد قدماء المصريين فهو موجود أيضا في (عيد الفصح عند النصارى) وكذلك (الثالوث) أخذه النصارى من الحضارة المصريه القديمه.

نحن كمسلمين لا نحتفل بالموت بل تنفر منه أنفسنا ونسأل الله ان يجعل خير أيامنا يوم نلقاه مسلمين له وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فالموت ليس سهلا لا على الميت نفسه ولا أهله.
3 - mann الاثنين 31 دجنبر 2018 - 12:28
الى 2 - محمد سعيد KSA
سبحان الله حلال علينا حرام عليهم، المسلمون لا ينظرون أبدا الى وجوههم في المرأة ..الشعوب و الأديان الأخرى كلها و بدون استثناء أخذت من الحضارات السابقه الا الاسلام !!
4 - Pas de fête pour les morts الثلاثاء 01 يناير 2019 - 00:46
Au numéro 2 qui tout les autres religions ln recopier sur les ancienne civilisation excepté l islam qu'elle simplicité alors que l islam ne date que depuis peu au contraire si le dernier qui a recopier sur le premier la preuve l. Islam est rempli de plagiat.
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.