24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

25/08/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:2106:5313:3517:0920:0721:26
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقع انشقاق حزب العدالة والتنمية بعد التصويت على "فرنسة التعليم"؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | كاداريه... الحرب الرواية والدم

كاداريه... الحرب الرواية والدم

كاداريه... الحرب الرواية والدم

يحتاج قارئ إسماعيل كاداريه للتوقف بين حين وآخر لهضم ما يقرأ، ولا يرجع عسر الهضم هنا إلى صعوبة الرواية بقدر ما يرجع إلى الدهشة : كيف يؤاخي الأسطورة و التاريخ ،الماضي والحاضر،النقد والهواجس، الواقع والنبوءة، التاريخ والسياسة، الرواية والملحمة ؟!

رواية "الملف هـ" خير نموذج لهذا الدّوار السردي /الثقافي/السياسي، لأنها تتنبأ بما يقع في كوسوفو "لقد كانت الحرب مصيرية"ص103(1.) ولأنها كذلك فإن كل سيناريوهات السلام تبقى مهددة بالعداوة التاريخية التي تجمع الأطراف في البلقان.

تتخذ الرواية صورة بحث أكاديمي رصين ـ يوجد على تخوم الثقافة والسياسة ـ ينجزه إرلنديان لطرح ملف قديم (المسألة الهوميرية) وفق رؤية جديدة تحتكم إلى وسائل تجريبية لإثبات النتائج، أي أن البحثَ ميْداني، ويشكل الوضع في ألبانيا (شخصية نائب الوالي، زوجته، المخبر، الزاهد، العلاقات الاجتماعية... ) إطارا عاما للأحداث التي تدور في فترة ما قبل المرحلة الشيوعية، لأن الكاتب لا يمكن أن ينسب الفساد والجهل إلا للماضي ـ قبل الثورة ـ وإلا سيتعرض للمطاردة دون أن ترى أعماله النور. فمن هو H؟ ولماذا يضع له المؤلف ملفا؟ ألا يتعلق الأمر برواية بوليسية خاصة وأن كاداريه قد عايش القمع في ألبانيا وعرف برودة المنفى؟(2.)

تتحدث الرواية عن رحلة (ماكس روث و ويلي نورثن) إلى هارفارد لإنجاز أطروحة عن هوميروس: هل كان فعلا مبدع الإ ليادة والأوديسة أم مجرد محرر؟ كيف تمكن من تحرير الملحمتين الإليادة والأوديسة وليس لديه لا وثائق ولا كتب ولا آلات تسجيل وفوق ذلك أعمى؟ هل كان هناك هوميروس واحد أم أكثر؟... ولم يكن الباحثان يطمحان لتحقيق معجزة لأن الموضوع قد استهلك. ولكن أحدهما سمع صدفة حوارا إذاعيا عن "المسألة الهوميرية" مفاده أن هناك منطقة معزولة في البلقان يُفترض أن تبقى فيها التقاليد الملحمية حية، وقد قرر الإرلنديان السفر بسرعة إلى هناك لدراسة الموضوع عن كثب قصد إضافة شيء جديد للمسألة العتيقة على الأقل، و لم لا الحسم فيها ميدانيا؟ قبل السفر درسا الألبانية واشتريا آلة تسجيل اخترعت حديثا(تتخذ أحداث الرواية الثلاثينات من هذا القرن زمنا لها)، وهنا تبدأ مشاكل السفر إلى تيرانا،لأن قنصلية ألبانيا في واشنطن تتعامل مع الإرلنديين كجواسيس منذ البداية، لهذا تُرك الموضوع لوزير الداخلية، ويسخر هذا من موظفي الخارجية المثقفين دون فاعلية لأنهم يهتمون بالمحاضرات والكلام فقط، أما عندما يتعلق الأمر بالأمور القذرة فإن السيد الوزير يفتخر لأنه يكون "ملجأ الجميع" ص 11.

واستباقا لكل مشكلة حرر الوزير رسالة وجهها الى نائب الوالي في مدينة (N) النائية يأمره فيها بمراقبة الإلنديين بدقة من جهة وجعلهما يحسان كأنهما في بلدهم ومنازلهم من جهة أخرى. وصلت الرسالة إلى النائب، تفحص الظرف جيدا لأنه يعرف ـ بالخبرة التي راكمتها الممارسة البيروقراطية ـ أهمية الرسالة من قوة وضوح الخاتم، وكان وزير الداخلية قد طبع بقوة. قرأ النائب الرسالة وأخبر زوجته "ديزي" المصابة بملل الأغنياء. سرت المدام بالخبر لأنه ينقذها من الروتين والحرمان الذي تعاني منه في منطقة معزولة، وقامت ـ فورا ـ تعد نفسها لاستقبال الضيفين الذين تصورتهما شابين، استلقت في حوض الماء الدافئ بالحمام ومضت تحاول تصور شكليهما بتأمل أسمائهما، تفضل روث، ولكن ماذا لو أحبها ويلي؟ ستلعب على الغيرة ، و لا يقلقها إلا أن زوجها عاقر، فإذا حملت سيفضحها طبيب المدينة الوحيد لأنه يعرف عقم زوجها!
بعد متاعب عديدة وصل الباحثان إلى فندق (N)، وليلة الوصول وجه لهما النائب دعوة لحضور حفل استقبال على شرفهما وبعث مخبره ليفتش حقائبهما ويستنسخ كل أوراقهما. وفي اليوم الموالي سافرا بعربة تجرها الخيول إلى المكان الذي يقصدانه، بناء على قول الباحث في الإذاعة" يوجد في شبه جزيرة البلقان، ويغطي كل ألبانيا الشمالية ، ويضم أيضا قسما من الجبل الأسود ويمتد حتى بعض المناطق البوسنية بالتراب اليوغسلافي" ص 56. مكان بين شقي الرحى، معزول تحاصره الجبال وهو ما يهم الباحثين لأن المكان المعزول يحافظ على خصائصه الأصلية ولا يتعرض لمؤثرات خارجية قوية.

وصل الإرلنديان إلى فندق قديم يدعى " عظم الجاموس" و كان المخبر "دول" في استقبالهما، وهو مخبر نادر، يحب مهنته ويُنَظِّـر لها، إذ يميز بين المراقبة بالأذن والمراقبة بالعين. يقصي العين لأنها لا تصلح في مجتمع لا يتواصل فيه الناس بالكتابة، ويعتبر المراقبة بالأذن أنجع في مجتمع أمي يتواصل أفراده شفويا فقط، بل يعتبر التجسس فنا سمعيا ، لذا يفحص أذنيه دوريا لتلافي الخطأ! وسيواجه هذا المخبر مشكلة خطيرة لأنه لا يفهم الأنجليزية وهو ما سيضطره للقيام بمراقبة" صـمـاء" طيلة المدة التي سيختفي فيها بالسقف الخشبي بغرفة الأرلنديين بالفندق. وقد قرر"دول" أنه لابد من استقدام مخبر يتقن الانجليزية من العاصمة مع أن وزارة الداخلية تشتكي من نقص خطير في هذا النوع من الأطر، وقد أُرسل مخبر يعرف الانجليزية ويتمتع بفتنة وهيبة مدهشة ستقود إلى وقوع المتوقع !

دخل الأرلنديان غرفتهما و بدآ ـ دون تأخير ـ دراسة أوراقهما و بحث فرضياتهما: هاهم أخيرا في أرض الملحمة، يتساءلا ن: كيف ينكب الدارسون في منهاتن وباريس ودبلن على مناقشات عقيمة، دون أن يفكر أحدهم بالقدوم إلى هنا ليحلل ويدرس إواليات إنتاج الملحمة المستمر؟ ص57 ليحل لغز هوميروس ميدانيا من خلال الاستماع إلى الرواة المنشدين rhapsodes Les، وتسجيل أصواتهم ثم إعادة التسجيل بهدف المقارنة بين التسجيلات، خاصة وأنه قد أثبت باحثون سابقون استحالة أن يتمكن أي منشد من إعادة نفس المقطع (2000بيت مثلا) حرفيا، وهنا تدخل إوالية النسيان mécanisme de l'oubli. ويتساءل الباحثان عن طبيعة هذا النسيان ، هل هو إرادي أم لا؟ ويفترضان أنه قد يكون إراديا أحيانا من أجل فسح المجال لإبداع جديد ، وهو ما يفسر دخول أحداث معاصرة إلى الملحمة. ولدراسة لعبة النسيان والتذكر يعتبر الباحثان أن عملهما لن ينجح إلا إذا سجلا صوت المنشد الواحد مرتين على الأقل، ثم قارنا بين التسجيلين، مما سيساعدهما على رصد الثابت والمتحول في مسار الملحمة الشعبية الشفوية، والمقارنة هي جوهر البحث الذي يعملان فيه.

وبينما يجتهد الإرلنديان ليل نهار للحسم في المسألة الهوميرية، يجزم النائب ـ الذي يتلقى تقارير يومية عنهما ـ أنهما جاسوسان وما هوميروس إلا ذريعة. ويصور كادريه من خلال تركيزه على النائب فساد الطبقة الحاكمة. ويقدم لنا ألبانيا(3): بلاد صغيرة، شعب عريق، تاريخ مأساوي ونصف عدد السكان خارج الحدود [يوجدون في كوسوفو] "شعب طيب ونظام فاسد" ص127. وسيدفع ماكس و ويلي ثمن هذا الوضع. لأن نائب الوالي ـ وبدل أن يحمي الباحثين ـ يعتقد أنهما لم يأتيا إلى لأخذ زوجته التي قضت ليلتها في أحلام إيروتيكية، يقوم من مكتبه ليراها نائمة، يشتهيها ولا يلمسها كي لا يوقظها، بينما هي مسهدة تكاد تبكي من فرط الرغبة!! ص 75. وبدل أن يهتم النائب بزوجته يرهق نفسه ليقلد أسلوب مخبره، وهو أسلوب يخلب اللب حقا ويظهر كاداريه الشاعر لا الروائي، ولا تنتهي محاولات النائب إلى نتيجة... فمن يزعم أنه يستطيع تقليد أسلوب كاداريه؟

إنه الدوار السردي الذي أشرت إليه في المقدمة، دوار تحقق بفعل امتلاك الرواية، كعمل نثري، لمرونة فنية كبيرة وبفعل استثمارها لجميع الأساليب (4) وهذا مصدر غناها وتطورها المدهش أمام أجناس عريقة. فمنذ أن تحول الشعر إلى الغنائية أصبح النثر وحده ـ يقول لوكاش ـ القادر على أن يدرك ويمسك، بقوة كبيرة، بالألم والإنعتاق، بالمعركة والتتويج، بالتقدم والتكريس... لأن النثر قابل للتمدد ومحرر من الإيقاع وهو ما يمكنه من التعبير عما في العالم من قيود وحرية...(5) وقد استثمر كاداريه هذه المعطيات في توليف نص من أشكال أدبية متداخلة : رسائل، يوميات، تقارير، مقتطفات صحفية، حوارات مسرحية، ملخصات ملاحم، تحاليل أدبية... دون نسيان الجمل الشعرية التي تقطر فتنة وبهاء.

ورغم هذه الجماليات ، فإن الرواية ، وخاصة بعد الصفحة (150) تشكو من ثقل كبير، بسبب وقف السرد وواستعراض أسئة الباحثين الأكاديمية من قبيل أن التقاليد الملحمية تتأسس على نواة صلبة لا تتغير مقابل وجود قوالب ظرفية تمكن الملحمة من الاستجابة لكل مرحلة... وأن الشفوي أروع من المكتوب (6) لأن هذا الأخير ثابت (ميت) في حين أن النص الشفوي قابل للتعديل وأن الملحمة فن سمعي لذا فإن هوميروس أعمى!...

في الأيام الأولى للإقامة بالفندق وصل المنشد الأول وسجل الباحثان إنشاده، على أن يسافر ويعود بعد أسبوعين أو أكثر، ليسجلا ما سينشده من جديد، ليقارنا التسجيل الأول والثاني والثالث إن أمكن، ومن خلال الوقوف على الاختلافات سيحاولان تحديد المتغيرات التي سيقيسان عليها مسار تشكل الملحمة التي تسيل بالدم منذ آلاف السنين. وقد شمل التسجيل الأول ملحمتتين دمويتين : Zuk و.Aikoune

في الأولى (Zuk) تبحث فتاة في الجبال عن أخيها الذي جرحه الأعداء (من هم؟)، تعثر عليه غارقا في دمائه يشكو العطش ، تخاف إن هي ذهبت لتبحث عن الماء أن تتيه في العودة، يقترح عليها أن تأخذ قطعة من ثوبه مضمخة لترسم طريق العودة بالدم، تنفذ نصيحته وتذهب، لكن مطر هطل فجأة فمحى آثار الدم!

تاهت الفتاة والتقى بها غراب و دب، قال لها الأول أنه نقر عيني جريح و قال الثاني أنه التهم رأسه... فالماء منعدم فجأة يهطل غزيرا ليمحو الأثر، وليس هذا الحدث صدفة لأن السرد الملحمي يستلزم تدخل قوى ميتافيزيقية في مسار الأحداث وإن عاكس هذا التدخل الحقيقة: ( الماء يمحو الدم؟ لا يبدو ذلك ممكنا في البلقان ، الدم يراكم الدم إلى ما لا نهاية)ص 114.

أما إيقون (Aikoune) فهي زوجة قائد ألباني "مويو" خطفها قائد صربي، وقد حاول الألباني استرداد زوجته فقبض عليه عدوه ، ولن يستطيع أحد أن يخمن ماذا فعل به!

لم يقتله ولم يحرقه أو يسلخه حيا، قيده و ربطه عند قائم السرير ووضع في فمه مشعلا ليضيء ليلة الحب الأولى بين زوجته وعدوه . ولا أستطيع أن أتصور إذلالا أكبر من هذا إلا إذا كان يغذيه حقد أكبر من ذاك الذي تركه الإرلنديان في دبلن وبلفاست وجاءا ليحلا ( يحلا؟) مشكلة الألبان والصرب.

وليس الأساسي هنا إبراز القدر الخاص ب"مويو" وزوجته كأشخاص، وإنما إظهار أسلوب المعاملة بين شعبين، وقد أوضح لوكاش أن بطل الملحمة لا يكون فردا بل عشيرة (7)، ومصير هذه العشيرة بالأساس، ولا تهتم الملحمة بالقدر الخاص للفرد إلا في علاقته بمصير الشعب، عكس الرواية التي تركز على الذات المفردة والمعزولة (الوعي في غرفة).

وقد استمع الإرلنديان إلى أحداث ملحمة Aikouneفي أربع صيغ مختلفة ، و قارنا بين هلين طروادة وإيقون ألبانيا، فالأولى خطفها باريس ولكن هوميروس لم يوضح هل أحبت عشيقها أم ظلت مخلصة لزوجها... في حين أن موقف الثانية واضح لأنها أخلصت لزوجها حتى النهاية. ويقول كاداريه ـ بشكل مبطن ـ أن هوميروس ربما شكل شخصية هيلين من الصيغ الأربعة الألبانية لملحمة إيكون ص115 . مما يترك موقف هيلين غامضا. وعلى هذا الفرض فالملحمة الشعبية الألبانية هي أصل الملحمة الأدبية عند هوميروس؟!

وقد كان كاداريه ذكيا في اختيار جنسية الباحثين، لأن بيتهما من زجاج وجاءا إلى البلقان ليؤكدا نسبة الملحمة للألبان، وهو ما لن ينجح، خاصة بعد ظهور راهب صربي ذو اهتمامات ملحمية سمع بالإرلنديين فزارهما ودخل معهما في حوار ساخن شرحا له فيه سبب وجودهما في المنطقة: ندرس الملحمة الألبانية لأنها الأقدم ولأن الألبان هم سكان البلقان الأصليين ولأن الملحمة الألبانية غنية بالعناصر الميثولوجية مقارنة مع الملحمة الصربية (السلافية)، والغنى الميثولوجي دليل على العراقة...أتوافقنا؟
"ولكن لا!" رد الراهب ، فوجد الإرلنديان نفسيهما أمام معطى لا يدخل في سياق بحثهم ـ غير علمي ـ ولكن لا مناص منه: لقد أصبحا طرفا في الحرب الدائرة في البلقان!!

غادر الراهب فبدأت المشاكل، أحد المنشدين لم يرجع أبدا، آخر تعرض للتعذيب، ثالث عاد وقدم إنشادا غريبا لم يتمكن الباحثان من تفسيره... ولم يكتف الراهب بهذا، بل زار متصوفا ألبانيا متعصبا يسكن "كهفا" وبدأ يحرضه ضد الإرلنديين وآلتهما الشيطانية. وقد سجل"دول" اللقاء الذي دار بين الراهب والمتصوف ونقله إلى النائب حرفيا وجدد طلبه بإرسال مخبر يتقن الأنجليزية لتجاوز المراقبة "الصماء" التي يقوم بها. وبعثت وزارة الداخلية المخبر من تيرانا، وسمعت "ديزي" الخبر، فخافت أن ينصت للإرلنديين يتحدثان عنها ويخبر زوجها، لذا استدعته لتتفق معه على حماية أسرارها. جاءها "مخبر العاصمة" وزعم أنه سبق له أن رآها عارية في فندق أنتر كونتينونتال بالعاصمة تيرانا لأنه مكلف بمراقبة حمامات الفنادق!
فكرت "إذا كان قد رآني عارية فكأنه ... والباقي شكليات " ص 195.

ولم تكن للمخبر الجديد أية فائدة لأن المتصوف قد حسم المشكل عندما جمع أنصاره وهاجموا الفندق فجرحوا أحد الإرلنديين ودمروا آلة التسجيل وأتلفوا الأشرطة التي تضم تسجيلات الملاحم بأصوات المنشدين... وهكذا حقق الراهب الصربي هدفه. ولم يبق هناك مجال للبحث، فغادر الإرلنديان الفندق بحزن عميق دون أن يتمكنا من حل اللغز الذين حلما بحله. لأن القوى الرجعية في الداخل قد تحالفت مع الأعداء لتدمير كل ما يفيد الوطن...

لقد تناول كاداريه المسألة الهوميرية وجعل منها بؤرة توتر قارب من خلالها محنة البلقان من زاوية جديدة تتعامل مع الثقافي والسياسي كوجهين لعملة واحدة، مادام الثقافي وسيلة قوية لتحصين الذات وإثبات الحق التاريخي أمام العدو الدموي. وليس ضروريا أن نتفق مع الكاتب في كل الواقف التي حاول تمريرها، إنما الضروري أن نقرأ هذه الرواية لنقف على الصراع القدري بين الألبان والصرب الذين تنازعوا منذ قرون حول كل شيء : الأرض، الحدود، المراعي، المياه، قوس قزح... والملحمة التي توجد في اللغتين، الألبانية والصرب ـ كرواتية ، من أبدع الملحمة ومن سرقها من الآخر؟ لا يمكن أن يبدعها شعبان مرة واحدة ! وتكمن قيمة الملحمة في تضمنها لجواب عن سؤال مصيري: من سكن البلقان أول مرة؟ إنهم الألبان، ثم جاء الصرب ودفعوا السكان الأصليين إلى الهامش، ويبدوا أن المد الصربي لن يتوقف أبدا، لذا كانت الحرب مصيرية في كوسوفو، وقد تحققت النبوءة!

هذا ما يقوله الروائي (المحايد؟) على لسان ماكس و ويلي اللذان كانا يعتقدان أن بحثهما سيحسم في الخلاف الذي دام ألف سنة ، وهذا كثير، كثير، ص (100-101). وليست الملحمة موضوعا للحرب فقط، إنها تتحدث عن الحرب ولا شيء غير الحرب،أو ما يسمه كاداريه الحداد البلقاني الذي صورته الملحمة المنقرضة وتصوره الرواية التي حلت محلها والصاعدة دوما.

كل هذا ولم يتعلم الألبان والصرب شيئا، لذا فالسلام ليس غدا، يقول شاعر ألباني:

"في الحقد المتبادل و لدنا..."

و فيه سيعيشون رغم المؤتمرات الإجبارية... لأن الذين يتعاركون على قوس قزح لن يتمكنوا من تحقيق السلام على الأرض!

إن كاداريه روائي ذو نفس ملحمي يحولmétamorphose الحدث ويكشف الوجه المخفي من التاريخ، وقد تمكن في هذا العمل الفذ عن طريق توليف عناصر نصية مختلفة من خلق بنية تحاورية في الرواية، بنية تحتضن ملفوظات وأجناس مختلفة، مما وفر تجديدا على مستوى الشكل الروائي، تجديد يدخل ضمن التجريب الإيجابي الذي يخدم الموضوع ويقدم متعة للقارئ...

مثل هذه الروايات تجعلني أفرح.

هـوامـــش:

1- "Le dossier H" Ismail Kadartraduit de l’albanais par Jusuf Vrioni Gallimard 1989
كل الإحالات على الرواية يشار إليها في المتن. و H إشارة إلى الحرف الأول من إسم الشاعر الملحمي الإغريقي هوميروس.

-2كاداريه:شاعر وروائي ألباني ولد سنة1936 ، درس في معهد غوركي بالإتحاد السوفياتي ، وانقطع عن الدراسة بعد الأزمة بين البلدين)1960(، وقد صور أثر هذه الأزمة بشكل رائع في روايته "الوحش" إذ يصور العدو كحصان طروادة الجاثم خارج تيرانا ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها. وأعتقد أنه سيفوز بجائزة نوبل ذات يوم!

3ـ ألبانيا كلمة تعني "أرض النسور".

4ـ تقول مارت روبير أن الرواية" تستثمر لمصلحتها جميع الأساليب دون أن تكون ملزمة حتى بتسويغ استخدامها")4)"رواية الأصول وأصول الرواية" اتحاد الكتاب العرب 1987ص 62.

5ـ جورج لوكاش، "نظرية الروية" ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل، ط1 الرباط 1988. ص55 . ويميز لوكاش في كتابه هذا بين الملحمة والرواية بوضوح.

6ـ وقد دافع كاداريه عن الشفوي لأن الكتابة تجمد الفكر الحر في أحابيل الحروف وقال أن إثبات الأغاني على الألواح بمثابة صلب لها وأن الموشح المكتوب ميت لأنه عاجز عن التنفس ولايمكن حقنه بفرح أو حزن جديدين... "الوحش" ترجمة عفيف دمشقية، دار الآداب ص 163 -164 .

7ـ لـــوكاش م م ص 62 بعد انهيار الأوهام صارت الرواية تركز على الفرد ووعيه، الوعي في غرفة بتعبير باختين.

[email protected]


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (5)

1 - وردة @ الخميس 08 يناير 2009 - 12:01
شكرا لك لان مواضيعك دائما مميزة
2 - Ayour-lkshmat الخميس 08 يناير 2009 - 12:03
lir entre les lignes. je vous felicite pour votre effort, lessentiel est que le message arrive a destination.merci
3 - محمد السمارة الخميس 08 يناير 2009 - 12:05
أشكرك لانك قدمت لقراء هيسبريس أحد اهم الروائيين في كل الازمنة في تقديري حتى ولو لم يحصل على جائزة نوبل
يمكن للقراء تعويض صراع الاثنيات على الرموز الثقافية والارض والسماء في البلقان بفلسطين.

4 - خديجة الخميس 08 يناير 2009 - 12:07
نشر مقال بنعزيز عن رواية كاداريه في جريدة القدس العربي 22-02-2008 الصادرة في لندن
وفي مجلة الكلمة العدد 15 التي يصدرها صبري حافظ في لندن
ما ذا أقول؟ قال الشاعر:
ومنْ يكُ ذا فم مرّ مريض
يجدْ مُرُا به الماء الزُّلالا
5 - marocain الخميس 08 يناير 2009 - 12:09
يا اخي اسمح لي ان اقول لك ان كل ما تقوم به هو انك تترجم بعض المقالات من بعض المجلات والجرائد والكتب الاجنبية..ولذلك فان كل ترجماتك غير مفهومة..رجاءا اكتب من وحي افكارك..فربما قد يتجاوب القارئ مع نظرية جحا!!
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

التعليقات مغلقة على هذا المقال