24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

21/11/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:3308:0213:1816:0118:2519:43
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما تقييمكم لحصيلة التجربة الحكومية لحزب العدالة والتنمية؟
  1. جمال الثلوج بآيت بوكماز (5.00)

  2. الشرطة الإيطالية تصادر فيلات "عصابة كازامونيكا" (5.00)

  3. أبقار بقرون أم بدون قرون؟ .. السويسريون يصوتون لحسم الخلاف (5.00)

  4. تسييس صراع الأجيال .."نخبة الضباع" تسفه "جيل الأمل" (5.00)

  5. رحّال: "بّاك صاحبي" في بعثات الصحراء .. ولوبي انفصالي بالرباط (5.00)

قيم هذا المقال

4.67

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | في حضرة شاعر افريقيا

في حضرة شاعر افريقيا

في حضرة شاعر افريقيا

بمحطة القطار الرباط أكدال انتظرني 'صديقنا' المشترك الذي تطوع ليرافقني إلى بيت الشاعر الكبير محمد الفيتوري و يعرفني عليه.. كنت أحمل باقة ورد طلبت من البائع أن يحرص على ترتيبها بعناية فهي مهداة لشاعر ولا داعي لأن أتحدث عن حس الشعراء !

سلكنا طريق تمارة و انحرفنا بالسيارة في اتجاه ضاحية سيدي العابد .. بدا البحر متعبا في آخر النهار بعدما تخلت عنه الشمس, فقط رائحته القوية كانت تضوع الفضاء.

في الطريق تحدثنا عن شاعر افريقيا, هذا الدرويش الذي عزف متجولا مطولا قبل أن يستقر به المقام في هذه الرقعة المتنحية عن العاصمة .. أهي لعنة الشعر أم هو قدر الشعراء, تساءلت؟

أخبرت الصديق أن محمد الفيتوري واحد من الشعراء الذين تعرفت عليهم أول مرة من خلال المقرر الدراسي للمرحلة الابتدائية قبل أن يطال التغيير تلك المناهج المترعة بروائع القصائد و النصوص لكبار الكتاب والشعراء من المغرب و المشرق.. مازلت لا أفهم حتى الآن لم تم تغييرها!

قصيدته الموجعة تلك التي يدعو فيها افريقيا للاستيقاظ ماتزال عالقة في ذهني منذ قرأتها أول مرة.. وجدت أنها تحمل قدرا كبيرا من المرارة و الألم و الانشغال بمصير قارة كاملة, كان الفيتوري يلح فيها على مناداة افريقيا كما لو ينادي محبوبة آثرت تجاهله, يسائلها, يشجعها, يشحذ همتها, يغيظها بكلامه اللاذع تارة و يجاملها تارة أخرى: افريقيا افريقيا استيقظي من حلمك الأسود.. قد طالما نمت ألم تسأمي؟ ألم تملي قدم السيد؟... جوعانة تمضغ أيامها كحارس المقبرة المقعد عارية الماضي بلا عزة تتوج الآتي و لاسؤدد !

أمام 'فيلا أشرقت' توقفت السيارة, قال لي الصديق: إنه اسم ابنته و هي تدرس حاليا بفرنسا.. أجبته: اسم جميل, فقال بصيغة سؤال استنكاري : و هل يقترف الشعراء إلا كل جميل؟!

فتحت لنا الباب زوجته المغربية 'راجات' رحبت بنا بمنتهى اللطف, استلمت مني باقة الورد شاكرة و قادتنا إلى الطابق العلوي حيث توجد غرفة الشاعر.

جلسنا في صالون بالبهو ننتظر أن يخرج علينا الفيتوري و أنا أتصور رؤيته بعد لحظات يتحرك كما كان يفعل أيام زمان وهو يتلو قصائده الشعرية.. حين كان يقرأ بصوته و يعبر بحركات جسده كما لو أنه يؤدي قطعة مسرحية.

بعد لحظات عادت زوجته وطلبت منا أن ننتقل إلى غرفة نومه فهو لا يقوى على المشي إلى حيث جلسنا رغم أن المسافة لا تتجاوز ست أو سبع خطوات.. فالفيتوري ألمت به قبل سنوات عدة جلطات متتالية ألحقت شللا ببعض أطرافه و أفقدت ذاكرته جزءا كبيرا مما كانت تختزنه من ذكريات.

في طريقنا إلى الغرفة بدا لنا مكتب صغير بجواره مكتبة, وقفت هنيهة أتأمله فلا مجال للشك أنه مكتب الفيتوري, قبل أن تعلق زوجته: لطالما جلس هنا و كتب دون توقف.

كان مستلقيا على السرير, بدا جسده نحيلا و عيناه شاخصتان في سقف الغرفة, حزينا لكن ليس منهزما.. شاحبا لكن محافظا على كامل قيافته و ترتيبه و أناقته, متألما لكن ممسكا بأحابيل الكبرياء والشموخ الذين طبعا شعريته.

عندما انتبه لوجودنا أشرق وجهه بابتسامة عريضة, ألقيت عليه التحية وسألته عن حاله.. حدثه صديقنا عن اهتمام الناس بمعرفة أخبار صحته و الاطمئنان عليه.. ليجيب عن أسئلتنا كان يكتفي بقول: إيوة أو بهمهمة قصيرة.

أخبرته أني معجبة بأشعاره و سألته عن سر كل هذا الحب الذي يتدفق من قصائده لافريقيا.. تقطر الدمع من عينيه و قال: افريقيا.. قبل أن يطلق آهة طويلة و يتبعها بالقول بصعوبة : إنها جدتي..

رائد مدرسة 'الافريقانية' وصاحب الثمانية و عشرين ديوانا شعريا عاجز عن ترتيب كلامه ونطقه بسلاسة كما عودنا.. يا لغدر الدنيا !

الفيتوري كانت تربطه علاقة خاصة بجدته التي كانت برأيه تتمثل فيها و من خلالها القارة السمراء كلها, لذلك لا عجب أن يطرح الشاعر مآسي قارته و جدته طرحا متناغما و متداخلا, مسقطا مشاكل جدته و عائلته على مشاكل افريقيا و سكانها, حاملا هموم السود و الزنوج و الأفارقة المضطهدين طوال الوقت.

بعد محاولات شاقة.. رحنا نتذكر معه بعض لقطات مسيرته الطويلة.. ذكريات ميعة الصبا في الاسكندرية و ليالي بيروت و صوت الموج في شواطيء طرابلس, و الأمسيات الساهرة في الخرطوم وصولا إلى أيام الرباط.. أضاء وجهه مجددا بابتسامة تركناه بعدها ليستريح و انسحبنا في هدوء.

في طريق العودة.. تذكرت ما قرأته من الأرشيف مما كتب عن الفيتوري و ما قيل عنه أيضا, صحيح أن الرجل كان متقلب المزاج و المواقف السياسية على وجه الخصوص, و صحيح أيضا أنه كتب شعرا في جميلة بوحيرد و غسان كنفاني كما كتب شعرا في صدام حسين وتشاوشيسكو.. لكن سواء اتفقنا معه أو اختلفنا فإنه واحد من كبار الشعراء الذين قلبوا تاريخ الشعر في افريقيا إلى جانب ليوبولد سينغور و إيمي سيزار..

ذاك المساء كان استثنائيا.. كلما تذكرت تفاصيله تمنيت الشفاء لشاعر افريقيا و قلت في نفسي: شكرا لصديقنا المشترك الذي لم يكن سوى الصحفي السوداني العزيز طلحة جبريل.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (10)

1 - اسماء الأحد 02 فبراير 2014 - 16:20
افريقيا العروبة طبعا كما يحلم بها القذافي بما انك ذكرت مدن في الشرق الاوسط وصدام حسين عراب القومية البعثية
ليس افريقيا "الجدة" التي تنكر لها ابناءها ليعتنقو العروبة ’
مشكورة على انسانيتك ونتمنى الشفاء العاجل للشاعر
2 - جلال الأحد 02 فبراير 2014 - 17:27
وألف شكر لصديقتنا المشتركة التي أخدتنا معهما في هاته الرحلة الجميلة مرورا بالبحر المتعب ووصولا الى المكان وأهله، أصابتنا رهبة من صمت المكان ،وعزلته وأحسسنابحزن وشفقة علىالشاعر الكبير وأدركنا مدى العقوق والنسيان الفظيع الذي نجازي به كبارنا....فتحية للشاعر ونرجوا له الشفاء،وشكرا لصاحبتنا المشتركة التي قادتنا لعيادته،والتي لم تكن سوى الإنسانة ”اعتماد سلام”
3 - بابا سنفور الأحد 02 فبراير 2014 - 18:02
شكرا لشاعر افريقيا بامتياز محمد مفتاح الفيتوري احبك افريقيا
4 - Bashar ibn keyboard الأحد 02 فبراير 2014 - 18:16
" لم أعد أعبد قيودي
لم أعد عبد ماض هرم , عبد وثن
أنا حي خالد رغم الردى
أنا حر رغم قضبان الزمن
فأستمع لي...إستمع لي "
محمد الفيتوري. من ديوان أغاني إفريقيا

شكرا إعتماد على إقتسام هده الزيارة معنا, إستمتعت بقراءة مقالك. لحظة إبداع فني مرهف كم نحتاجها في هدا الظرف الخشن !
بقدر ما أسعدتني دكرى الفيتوري, تحسرت على مآل كبير شعراء إفريقيا. أفترض أن الجحود تجاه المثقفين أصبح روتينآ فالزمن إنتصر للخبز وإنسحب المبدعون, أولهم الشعراء يتبعهم الغاوون. لكن في النهاية الحالمون يرثون الأرض.
شكرآ مرة ثانية إعتماد, أتمنى بقوّة أن تعودي إلينا بأطلالات منتظمة.
5 - علماني الأحد 02 فبراير 2014 - 18:32
التفاتة كريمة و صادقة منك تجاه الشاعر، تعبر عن حس مرهف و أنوثة في غاية الرقة . أتمنى لك الإستمرار و التوفيق.
6 - أفريقية الأحد 02 فبراير 2014 - 20:37
فرض على المغاربة منذ 13 قرن ان يصلوا في اتجاه اسيا و يولوا وجوههم اليها و كل من يصلي في اتجاه ارضه افريقيا لا تقبل منه صلاته و سيصلى نارا ذات لهب بعد ان يحاسبه الثعبان الأصلع حسابا عسيرا باللغة العربية لغة الجنة و لغة حور العين .
7 - عمر نونو الاثنين 03 فبراير 2014 - 13:54
جزيل الشكرر والإمتنان للصحفية اعتماد سلام، على العمل الجاد والكلمة الصادقة ونبل الإحساس، بكل طلاقة وتلقائية وأمانة. إلتفاتة في غاية الإنسانية بأسمى وأشرف ما تحمل الكلمة من معنى.حببت في قلوبنا الشعر وزرعت في نفوسنا حب الشعراء. إنتصار أخر لمهنة المتاعب.
نتمنى الشفاء للشاعر محمد الفيتوري، ومسيرة موفقة لك اعتماد.
8 - حسن المولوع الاثنين 03 فبراير 2014 - 15:19
دائما أسلوب الكاتبة اعتماد يبهرني ويستوقفني لقراءة ما خطته أناملها لأعاود الكرة مرتين دمت متألقة أيتها الكاتبة المحترمة ولا تبخلي علينا بمقالاتك واصلي فقافلتك تسير للأمام وفقك الله
9 - OMAR ABOUCAD الثلاثاء 04 فبراير 2014 - 01:07
سيظل محمد الفيتوري شاعرا عظيما بالرغم من كل شيئ انه صاحب حساسية شعرية متميزة متشحة بلون اديم الأرض الأسمر الذي هو الأصل الجدير بالتقدير و الاحترام.....تمنيت الآنسة إعتماد لو طعمت مقالك بالإشارة لدراسة نقدية رائدة تناولت تجربة محمد الفيتوري الشعرية وهي للناقد المغربي بن عيسى بوحمالة تحت عنوان« النزعة الزنجية في الشعر العربي المعاصر محمد الفيتوري نموذجا»
أتمنى لك مسيرة موفقة مع النجاح والعطاء المستمر
10 - مجاهد عيسى ادم الثلاثاء 10 فبراير 2015 - 12:58
الانسة اعتماد ليس غريبة على المغرب اهتمامها بالاديب السودان الفيتوري فهي اي المغرب تلك اللحظة الثقافية العظيمة وذات القدرة الهائلة في استضافة عدة ثقافات تتموحر ما بين الافريقية والعربية والفرنسية ..وهو نفس التكوين الثقافي الملفت للفيتوري بالرغم من اهمال السلطة السياسية في السودان له لكن عادت تجربته الشعرية الطويلة تلفت الانتباه للادب السودان واظن ان توصيفك الانيق لكبرياء النص الشعري لدى الفيتور لم يختلف عن شخصه واعتداده بافريقيته التي يؤمن بها ايمانه بالحرية ..لك الشكر على المقال الحيكم الذين جعلنا نتحسس كل لحظة ما بين غرفة جلوسه ونومه شفاه الله وعافاه
المجموع: 10 | عرض: 1 - 10

التعليقات مغلقة على هذا المقال