24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

18/09/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4307:0913:2716:5119:3420:49
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقع تأهل المنتخب المغربي إلى "مونديال 2022" بقيادة المدرب وحيد خليلودزيتش؟
  1. بوعشرين: أؤدي ضريبة الصحافة المستقلة .. ملفي "سياسي ومخدوم" (5.00)

  2. سلطات البيضاء تشن "حربا ضروسا" ضد هجوم الحشرات الضارة (5.00)

  3. العرايشي يرد على أسئلة المجلس الأعلى للحسابات (5.00)

  4. رسائل رئاسيات تونس الخضراء (5.00)

  5. مكتب الفوسفاط يطلق "المثمر" للفلاحين بسيدي بنور‎ (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | عبد الله ابن سبأ ، أسطورة في أسطورة 2

عبد الله ابن سبأ ، أسطورة في أسطورة 2

عبد الله ابن سبأ ، أسطورة في أسطورة 2

 ابن سبأ وفضيحة ابن خلدون

ليس الغرض هنا بيان تهافت حكاية عبد الله بن سبأ ومحاولة ربطه بمدرسة إسلامية عتيدة فحسب ، بل الغرض هنا أن نظهر ومن خلال تهافتات بن خلدون في رصده لأحداث الفتنة الكبرى ما هي الأسباب الموضوعية التي تفسر هذا الإصرار العنيد على اختلاق شخصية وهمية ونسبة كافة الأدوار القذرة إليها. الأمر يتعلق بحجب فضيحة تاريخية كبرى وليس فتنة كبرى. وليس أفضل من المتن الخلدون مثالا على هذه "الشقلبة".

في البداية أخشى أن يثقل الأمر على من يحب التعبد بالخلدونية لمجرد ما ورد في المقدمة من آراء نثمنها أيضا ونحاسب ابن خلدون في ضوئها لأنه لم يطبقها على كل فصول  كتاب العبر. وطبيعي أن يتبنى ابن خلدون هذه الخرافة لأنها ليس الأولى التي يتمسك بها دفاعا عن تحيزه. لقد اعتقد بالتنجيم في الكتابة التاريخية كما تظهر حواريته الغريبة مع تيمورلانك.. كما اعتقد بمقتل سعد بن عبادة من قبل الجن.. كما نسب الحفصيين الآمازيع إلى الخليفة الثاني. وفي هذا السياق سعى ابن خلدون بدوره إلى تكريس خرافة ابن سبأ لمنع الحديث عن المفاعيل الموضوعية للفتنة الكبرى. كان بن خلدون هنا متحيزا متمذهبا وليس مؤرخا منصفا. ومثل هذه الهنات عرفت عليه كما لا يخفى من قبل دارسيه الناقضين عليه أو المعجبين به. فكلما اقتربنا من الصدر الأول حاد ابن خلدون عن منهجه التأريخي على خلفية فلسفة العمران وازداد تحيزا وتقليدا وتبريرا. وكلما ابتعدنا عاد ليدخل القوم في سنة التاريخ والعمران من أوسع الأبواب. كيل بمكيالين وجب الحذر منه في تاريخ بن خلدون. هناك ثلاث محطات أساسية تطرق إليها هذا الأخير في حديثه عن خلافة عثمان. وهي تلك التي عنون لها ببدء الانتفاض على عثمان، وحصار عثمان ومقتله. كيف تناول ابن خلدون تلك الملابسات، وأي قدر من الصراحة ضمنها نصوصه حولها.. من ألّب على عثمان ومن قتله ولماذا.. ومن هم أنصاره ومن هم معارضوه وأعداءه..كيف تمت عملية القتل ومن تولاها؟

أسئلة كثيرة تضع تاريخ ابن خلدون أمام محك الحقيقة. هنا تركيز على نقطتين في استعراض ابن خلدون لأحداث ما يسمى بالفتنة الكبرى.

  ـ إن الذين ثاروا على عثمان وقتلوه كانوا يشكلون سفهاء القوم وغوغائهم.

ـ إن الثورة على عثمان كانت من وحي عبد الله بن سبأ.

وما يدل على المسألة الأولى، هو قول ابن خلدون في الجزء الثالث من حديثه عن أحوال الفتنة ومقتل عثمان: " كانت عروق الجاهلية تنبض ووجدوا الرياسة عليهم للمهاجرين والأنصار من قريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه، ووافق أيام عثمان، فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار، والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات، والاستبطاء عليهم في الطاعات، والتجني بسؤال الاستبدال منهم والعزل، ويفيضون في النكير على عثمان ". وقوله: " ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".

أما ما يؤكد المسألة الثانية، فهو قوله:

ـ " إلا عمارا فإنه استماله قوم من الأشرار، انقطعوا إليه، منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء ".

ـ " وكان ابن سبأ يأتيه - أي إلى أبي ذر - فيغريه بمعاوية ".

ـ " وتأخر عمار ابن ياسر بمصر واستماله ابن السوداء وأصحابه ".

ـ " وكان بدؤه فيما يقال شأن عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ".

والمعنى الإجمالي من هذا الكلام المبسوط في ثنايا الحديث عن حوادث الفتنة وتحرك الأمصار إلى مقتل الخليفة ، هو أن ابن خلدون يريد أن يثبت عبر التلبيس والتدليس أن الثورة على عثمان كانت من وحي عبد الله بن سبأ من خلال تحريض الجماهير من الغوغاء ضد الخليفة، وإنها بالنتيجة لم تكن ثورة شعبية وإنما كانت مؤامرة مدبرة وفوضى مجنونة استغل فيها المتآمرون سوقة الناس ودهمائهم، وفساق القوم وسفهائهم.

وقد سبق أن أفضنا في هذه القضية ، ويكفي ما ثبته العالم النحرير والمحقق الرئيس السيد مرتضى العسكري في سفره النفيس " عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ". فقد أثبت بكامل الوسع ضعف هذه الرواية التي انفرد بها سيف بن عمر التميمي والذي أخذها عنه الطبري ثم سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم عند جل من رواها من المؤرخين. ولندع القارئ يواجه بنفسه تفاصيل تحقيق الأستاذ الكبير، كما ذكرنا ذلك آنفا، ونتوقف نحن عند ابن جرير الطبري الذي منه أخذ ابن خلدون رواية عبد الله بن سبأ من دون النظر في مدى صحتها. وقد سلك ابن خلدون في هذا مسلك المقلدة في الأخبار من أؤلئك الذين طالما عاتبهم على التلقي غير الواعي، واللامنتج للخبر من دون تمحيص وإعمال النظر ، حينما يقول : " هذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير، فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن، والشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين ".

إذن، ابن خلدون أخذ هذه الرواية عن الطبري. ونلاحظ أنه لم يأخذ عنه الروايات التي تدين سياسات عثمان، لا سيما المالية وقسوته على بعض الصحابة ومحاباته لأقربائه. فهو إذن ينتقي. وفي انتقائه ذاك يعبر عن إعنات مفرط، وانتحال للأخبار موقع في التلبيس. وقد سبق أن رأينا كيف طوى كشحا عن تلك الروايات الكثيرة عند الطبري في أمر وفاة الرسول (ص) والسقيفة، ورأينا كيف كان من دأبه أن يروي الأساطير في تعزيز مذهبه التاريخي، نظير ما جاء في مقتل سعد بن عبادة من قبل الجن، وهو بذلك يؤكد على حالة الاستثناء السحرية في منهجه التأريخي. ومثل تلك الأساطير التي اعتمدها لما تنطوي عليه من تعتيم على واقع الأمور و مجريات الأحداث. ولا حاجة لتكرار الحديث عن ضعف والتباس الرواية المذكورة. يكفي أنه انفرد بها كاذب وضّاع متروك الرواية عند جهابدة السنة وأهل الحديث. فعجبا كيف يتمشدق بها من يزعمون أنهم يرجحون طريق المحدثين في تصحيح الأخبار على طريقة المؤرخين. وإنما أريد أن أؤكد على تهافت ابن خلدون في سرده لهذه الرواية بشكل مثير للتأمل. إنه مرة يؤكد أنه - أي ابن سبأ - ذهب إلى البصرة حيث يوجد حكيم بن جبلة ، أحد عمال علي بن أبي طالب ، وقائد وفد البصرة. وقد كان هذا الأخير حسب شهادة ابن خلدون ممن أخرج ابن سبأ إلى الكوفة. ومنها ذهب إلى مصر حيث التقى بعمار. من خلال هذه القصة يعتقد ابن خلدون بأن أتباع ابن سبأ الرموز كانوا هم عمار وأبو ذر.

وذلك لأن هؤلاء كانوا هم طليعة الثورة على عثمان. ومن هنا سنبدأ مناظرتنا لابن خلدون:

أولا: إن اعتراف ابن خلدون بتشيّع حكيم بن جبلة لعلي بن أبي طالب وإخراجه لعبد الله بن سبأ، دليلا واضحا على أن حكيم بن جبلة ممن رفض أفكار عبد الله بن سبأ. غير أن التاريخ يثبت أن حكيم بن جبلة كان من الثوار الكبار ضد عثمان. ومن الذين جاؤوا بوفد البصرة الذي شارك في حصار عثمان. ومن جهة أخرى، نجد أن الوفود كانت تتألف من الوفد المصري والكوفي والبصري. وكلهم كان على موقف واحد. وعلى مطلب مشترك. وكلهم من المتشيعين لعلي بن أبي طالب: " ونزل معهم أناس من أهل مصر وكان هواهم في علي ".

نستخلص من ذلك كله، أن حكيم بن جبلة لم يكن حسب ما ذهب إليه ابن خلدون موافقا على مطالب الوفود إذ زعم أنه رفض تحريض ابن السوداء. وأن هذا الأخير هو من كان وراء حركة الأمصار. ولو كان كذلك - إذن لزم عدم مجيئه في وفد كامل لقتل عثمان. فهناك إذن تناقض بيّن فيما ادعاه ابن خلدون .

ويثبت أن ابن السوداء فشل في إقناع حكيم بن جبلة وأهل البصرة. وليس ثمة ما يقنعهم به إلا أمران: التشيع لعلي، والثورة على عثمان. فأما الأولى فكانت من شأن حكيم بن جبلة وأهل البصرة ـ وذلك بشهادة بن خلدون ـ لا حاجة لأن يعلمهم ابن سبأ تعاليم دينهم وقد كانوا حواريين لعلي بن أبي طالب صاحب القولة الشهيرة: "اسألوني قبل أن تفقدوني". كيف لنخبة شيعة علي بن أبي طالب تتعلم دينها وتشيعها لعلي من شخص مجهول وهي على وصال دائم بباب مدينة العلم كما في الصحيح من الخبر.. وأما الثانية، فلو كانوا رفضوها، إذن لما جاؤوا بوفدهم لقتل عثمان. يقول ابن خلدون بعد ذلك: " وحدث بالبصرة مثل ذلك من الطعن ". فإذن، التحريض على عثمان لم يكن من اختصاص ابن سبأ الأسطوري. بل ثمة احتقان شعبي ومطالب حقيقية للإصلاح استشرت في الأمصار فكانت ثورة. إن التناقض هنا واضح جدا لمن تأمل ثنايا الخبر.

ثانيا: نجد ابن خلدون الذي بذل الوسع في إعلائه من شأن الأمويين، ورفض مذاهب الشيعة إذ رفضها لغلوها في استنقاص الصحابة، هاهو الآن يحط من قدر جلة من الصحابة جعل منهم طراطير لا يفقهون حديثا ، لم ينفع معهم أن صاحبوا الرسول(ص) ولا علي بن أبي طالب(ع)، ليقودهم ويعلمهم دينهم يهودي حديث الإسلام بفترة وجيزة. وينزل ابن خلدون من شأن الصحابة كأشد ما يكون من الاستنقاص وكأحط ما يكون الاستنزال. فهو يتهم صحابة من ذوي الفضل والسابقة، وممن شهد لهم الرسول (ص) بالشأنية وعهد لهم بما سارت به الركبان وغنت به الشعراء. فيجعلهم أكثر دونية وصغارا، ويصورهم على أشكال تقع دون البله، وأقل تبصرا من الغرير. فيجعل من عمار بن ياسر ذي السابقة والبلاء ممن يستميلهم اليهودي المتزندق، ومن أبي ذر الغفاري العظيم، من يغريهم السفهاء والدخلاء بالتعرض للأمراء، وكأن ديننا ليست فيه فكرة عن مناهضة الظلم، ولا وازعا لمحاربة الفساد. وأي دين هو أحرص من ديننا في طلب الإصلاح وممارسة التغيير؟! وحسبك من ذلك التهافت، أن ابن خلدون ذهب إلى أن حكيم بن جبلة كان قد رفض على ابن السوداء دعوته وإخراجه من البصرة.. كيف يكون حكيم هذا أبصر بالأمور، وأكثر تمييزا لما بين الحق والباطل، ممن قام الإسلام على إخلاصهم، وماتوا على صدق في المواطن. ثم بالله عليك، ماذا سوف يعلمهم ابن السوداء، وكيف يغري أبا ذر ويستميل عمارا؟!

ابن خلدون يذهب إلى أن ابن سبأ أغرى أبا ذر بمعاوية، إذ قال:

ـ " وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ".

ـ " وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذر". كما زعم أنه علم عمارا القول بالإمامة والرجعة. إن هذا لعمري هو صميم النيل من الصحابة. وإنه لازدراء ما بعده ازدراء. فهدي محمد(ص) لم يستطع أن يوفر أدنى حصانة دينية وعلمية لعمار وهو من أعمدة الدعوة وأركانها، حتى يأتي يهودي فيستميله، كاستمالة الحدث الصغير.

وإن أبا ذر الغفاري الذي تأله قبل الدعوة. وجاء طوعا يبحث عن الإسلام، وساهم بكل إخلاص في حروبه كلها، هل كان في حاجة إلى يهودي يعلمه الثورة على الظلم. وهل كل ما قام به معاوية لم يكن كافيا لإثارة الوازع الديني في أمثال أبي ذر وعمار. فهل بعد هذا كله يليق بابن خلدون أن يدعي أنه اعتمد على تاريخ فيه البعد عن المطاعن والشبه في كبار الأئمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين!!.

ثالثا: إن ابن خلدون وهو يمارس تدليسه هذا على القارئ كان على مقربة من فهم الأمور. فما يعز على محلل العمران ومفكك التاريخ أن تنطلي عليه مثل هذه القضايا. إنه يعترف بأن هؤلاء الثوار كانوا على علاقة وثيقة بالإمام علي . وهم من سمع رأيه في المرة الأولى فراوحوا الأمصار. وهم الذين بايعوه ودعوا إلى إمامته. وكان جديرا بابن سبأ وهو رمز الدعوة إلى الولاية لعلي بن أبي طالب فيما يزعمون، وهو الذي علّم عمارا القول بالإمامة، وعلم مثل ذلك لأبي ذر وهو الذي انتقل بين الأمصار المتمردة ـ الكوفة والبصرة ومصر وهي مسقط رأس الوفود ـ لكان إذن جدير أن يتقدم شيعة علي بن أبي طالب في زمانه، ويكون في طليعة الفاعلين. ولكان علي قد ولاه فيمن ولاهم على الأمصار.. ولكان له صيت بعيد وشأن يذكر، جزاء ولائه وإخلاصه وكفاءته ولما قدمه من جهود في الدعوة لإمامة علي . ولكن التاريخ - المبتذل - لا يجد ما يقوله لنا عن موقع عبد الله ابن سبأ في عهد علي بن أبي طالب، ولا أين كان موقعه يوم اختراق الدار على عثمان. ولا أين كان دوره داخل معسكر الإمام علي بن أبي طالب في حرب الجمل وصفين كما تساءل طه حسين في الفتنة الكبرى.

إن التاريخ المزيف يحتفظ لنا بصورة خفية عنه، سواء في عهد عثمان أو في عهد علي بن أبي طالب. فهو في كلا العهدين خفي ومتآمر. فإن كان هناك ما يدعوه في عصر عثمان إلى التستر فماذا يمنعه الآن بعد مقتله من الظهور؟! ولئن كان بقي بمصر، فأي مانع للأمويين في أن يقتلوه وقد تمكنوا من قتل وليها يومذاك.. ولكان قتلته العثمانية مثلما قتلوا محمد بن أبي بكر. وقد لفق بعض المؤرخين ما حدث من إحراق علي للسبئية على ما ذهبوا إليه من تأليهه، ولكنه لم يحرق بن سبأ، لأن بعضا من أصحابه اعترض عليه ونصحه بتركه. ولا أدري أين هذا من عدل علي بن أبي طالب أن يحرق الحواريين ويترك زعيمهم. وما هي المصلحة في تركه وقد حاول بن عباس وكثيرون أن ينصحوا علي بن أبي طالب بترك معاوية فأبى أن يمنحه فرصة يوم وليلة.  إن أسطورة الحرق هذه، لم تكن سوى محاولة في تقريب عبد الله بن سبأ من دائرة الواقع، غير أنه كان ينفلت من قبضة الواقع، انفلات

الزئبق. فكيف يحرق علي أحدا من كان، وهو الذي اعترض على حرق أبي بكر للفجاءة؟! وكيف يحرق كل السبئيين ويبقى على زعيمهم ويطلق له العنان، وكيف ينال منهم ويحرقهم وهو يعظم ويجلل أحد رموز السبئية على حد زعم المؤرخين، وهو عمار بن ياسر. بل لقد ولاه وأعزه وكان ساعده الأيمن. ولست أدري إن كان عبد الله بن سبأ حقيقة معاصرة لتلك الأحداث، كيف لا يتعقبه معاوية بعد أن أثبتوا أن عبادة جاء به إلى معاوية، كيف لم يقتله أو يبعث من يقتله، ولم نعثر على قولة لمعاوية ولا للعثمانية فيه على الرغم من أنه هو الرقم الصعب في الأحداث التي عصفت بعثمان على حد تعبيرهم.. وبعد أن كان معاوية يترصد كل أعداء وقاتلي عثمان، وكان يقول اقتلوهم تحت كل حجر ومذر. إن الاضطراب في هذا الخبر يكشفه المحقق لأول وهلة، فابن سبأ هذا رجل لم يدقق فيه المخبرون، ولم يعطوا أدلة قاطعة تمكن المطلعين من معرفة حقيقة نسبه وطبيعة نشاطه، ماذا قال عنه أرباب السير ورواد التأريخ والتراجم، أكان حدادا أم نجارا، أكان طويلا أم قصيرا، نحيلا أم مربوعا، بل كل ما في الأمر إن أهل الملل والنحل دأبوا على تلقف الحكايات تلقف الصبية للكرة، من دون أعمال العقل فيها والنظر، فهمهم إضافة اسم جديد لفرقة يسودون بها أسفارهم، ويكشكلون، بالشاذ والغريب، رواياتهم.

عار إذن يا ناس، أن يتم التعسف على التاريخ بهذا الشكل البليد. إن التأليه لم يكن في عهد علي بن أبي طالب في أكثر التقادير. لم يكن أحد يدّعي أن عليا إله. إنها تهمة في ظني نشأت متأخرة، وبالضبط في العصرين الأموي والعباسي. لقد اعترفوا من حيث لا يشعرون أن التشيع لعلي في العصر الأول لم يكن يعني أكثر من الولاء السياسي. فلماذا يروون هذه الحكاية بأثر رجعي حينما يخلعون عليها اعتقادا ناشئا في القرن الرابع الهجري حسب زعمهم؟!

يبدو أن هناك محاولة للتلبيس. فلأن فضائل علي بن أبي طالب وما كان من شأنه أن يغطي على كل من عاصره ، افتعلوا فكرة التأليه وربما ساهموا في زرعها في عقول الكثير من المساكين الذين اضطهدوهم حتى بدت منهم ردود فعل تذهب إلى أقصى الأقصى. فالتفضيل لا يعني الغلو.. والولاء لا يعني التأليه.. لكن كان لا بد لخصوم علي أن يخترعوا ما يلبسون به على الرأي العام كمقدمة لإخراجهم من الملة. إذا كانت ثقافة التجديف والكذب لا زالت رائجة في عصرنا ونحن أحياء ، فكيف لا تتم هذه الفرية في زمن الحصار حيث فرض على الأمة جميعها في منابر بني أمية أن يسبوا ويلعنوا علي بن أبي طالب مدة قرن من الزمان..لقد حاولوا أن يسيؤوا إلى شخصية في مستوى علي بن أبي طالب فكيف لا يدفعهم التعصب أن يخترعوا لشيعته ومواليه أكاذيب تزول منها الجبال؟!

إذن هم يقولون أنه حتى عصر الإمام الصادق ، الإمام السادس من أئمة أهل البيت بدأ يأخذ التشيع صبغته الأيديولوجية والمذهبية. لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون التشيع من وحي عبد الله ابن سبأ الذي عاش في عصر عثمان؟!.

والمفارقة هنا أن بعض الباحثين اعتبر أن التشيع الأول، كان يأخذ طابعا سياسيا. يقول في ذلك مثلا، د. إبراهيم بيضون في (الدولة الأموية والمعارضة): والسبئية أسطورة كانت أم حقيقة، هي على هامش التشيع ومتناقضة في الصميم مع الفكر الشيعي، بخلفيته السياسية البحتة" . كما يذكر صاحب التاريخ الإسلامي (محمود شاكر) حول الخلفاء الراشدين والعهد الأموي: "بل لم تكن كلمة الشيعة تحمل أكثر من معنى التأييد والمناصرة. ولكنها غدت مع الزمن فكرا خاصا وعقيدة خاصة، ونسب إلى الأوائل أقوال لم يقولوها وأخبار لم يعرفوها، وأفكار لم تخطر على بالهم أبدا". وثبت عندي إن الجابري تلقفها من محمود شاكر، عندما قال: يجمع المؤرخون على أن التشيع لعلي ابن أبي طالب وأبنائه من بعده لم يتجاوز مستوى الولاء السياسي.

ولمزيد من الإيضاح، نقول : إنه لم يستمل أحد عمارا عندما بعثه عثمان إلى مصر. وإنما بقي هناك على اتصال بكل من محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة. وكانا من أقوى المحرضين على عثمان، وهما رئيسا الوفد المصري. إن تداخل خطة العمل بين كل من الوفود الثلاثة، ووحدة المشروع لكل رموز المعارضة كعمار، والأشتر، وحكيم بن جبلة ومحمد بن أبي بكر وابن أبي حذيفة، والإمام علي بن أبي طالب هو ما يجعل أسطورة السبئي لا مسوغ لها إلا في أذهان المدلسين. فهي في تهدلها ووهنها كبيت العنكبوت، وهي أوهن البيوت.

وجب حينئذ العودة للإطلاع على الوضع السياسي الذي أثار غضب الثوار وجلب الحنق على عثمان. ففي تاريخ ابن خلدون لم يكن عثمان إلا منفذا لتعاليم الدين، ولم يكن على ما ادعاه الخصوم، ولهذا اتهم الثائرين عليه وقاتليه بالسفاهة. لندرك كم تلوّى مؤرخنا لحجب الأسباب الحقيقية التي أججت الأوضاع على عثمان. يقول في السياق نفسه: " ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".

وعلى هذا الأساس يكون كل من عمار وأبي ذر وبن مسعود والذين تضرروا من سياسة عثمان وانتقدوها وكفروا سياساته سفهاء. ويدخل في ذلك عائشة عندما دعت إلى قتله في بداية الأمر، حينما كانت تقول: " اقتلوا نعثلا(أي عثمان) فقد كفر ".. ويدخل في ذلك حسب هذا المبنى الإمام علي نفسه  الذي لم ينصره بل هو الذي حسب شهادة عثمان نفسه، قد جرأ عليه 

الثوار. يقول ابن خلدون: " فأتاه عثمان إلى منزله ليلا يستلينه وبعده الثبات على رأيه معه، فقال: بعد أن أقام مروان على بابك يشتم الناس ويؤذيهم؟ فخرج عثمان وهو يقول خذلتني وجرأت علي الناس".

وحتى كان أبو هريرة الدوسي الذي عرف بملازمته الأمويين وانحرافه عن علي بن أبي طالب، ينقل له ابن خلدون موقفا عبقريا، يقول: "يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعوني إلى النار" ثم قاتل. ونتساءل كيف قاتل أبو هريرة وهل من سابقته أن رفع رمحا أو مسك قوسا.. كيف يدعو  ـ من اشتهر بإكثاره الرواية التي استغرقت أطول من مكثه القليل مع من كان يرعاه الرسول (ص) من أهل الصفة وممن أسلم أيام خيبر وضربه عمر بن الخطاب بالدرة لإكثاره في الرواية ـ الصحابة الكبار إلى النجاة، وهم يدعونه إلى النار.. فهل يعقل أن يدعو الدوسي عليا، وعمارا، والأشتر، ومحمد بن أبي بكر إلى النجاة!.

وفي ظني أن الذي دعاهم لاختلاق ذلك الموقف، ما قاله الرسول (ص) عن عمار بن ياسر: " ما لهم وعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ". وعمار هذا كان قد كفّر عثمان وحرض على قتله. لقد حاول ابن خلدون أن يقلل من شأن تلك المآخذ التي أوردوها على عثمان، كإخراجه أبا ذر إلى الربذة. فحاول ابن خلدون كعادته أن يبرئ عثمان من ذلك كله. وإن اقتضى الأمر الازدراء بأبي ذر، واستصغار بصيرته وعلمه. والآن لماذا أخرج عثمان أبا ذر الغفاري إلى الربذة؟. ابن خلدون يجيب على الفور، بعد أن يحبك قصة كاملة، كالتالي:

1 / إن أبا ذر " يأخذ بالظاهر في ذم الادخار وبكنز الذهب والفضة. وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية، ويعيب قوله: المال مال الله ويوهم إن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر في ذلك معاوية فاستعتب له وقال:

سأقول ما للمسلمين وأتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه، وجاء به عبادة إلى معاوية وقال:

هذا الذي بعث عليك أبا ذر".

2 / ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال: " إن

رسول الله (ص) أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه صعلوكين وأجرى عليه رزقا، وكان يتعاهد المدينة.

فعد أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان مع ما كانوا يعدون عليه من إعطاء مروان خمس مغانم إفريقيا، والصحيح أنه اشتراه بخمسمائة ألف فوضعها عنه ".

من خلال الفقرتين، يتبين أن أبا ذر كان رجلا ظاهريا لا يأخذ بباطن الأمور. فهو إذن ينقصه العلم بالأحكام والدراية بقضايا الشريعة. وأن عبد الله بن سبأ أغرى أبا ذر وأوهمه بما يجعله يعاتب معاوية فاستعتب له هذا الأخير. وإنهم أتوا ب‍عبد الله بن سبأ إلى معاوية قائلين له: هذا الذي بعث عليك أبا ذر ثم إن خروج أبي ذر إلى الربذة، كان اختيارا منه وذلك بعهد من رسول الله (ص) وأقطعه عثمان ما يكفيه من الإبل وأعطاه ما يفضل عنه من الرزق فهو لم يكن ذا حاجة وإن اتهام عثمان بإخراج أبي ذر كان من ادعاء ذلك الرهط.

لنبدأ بطرح رأينا حول هذه العبارة وتفكيكها لنقف عند ثغراتها.

أولا: إن أبا ذر بشهادة الرسول (ص) كان أصدق لهجة.. كما جاء في الرواية الشهيرة:

" ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر ".

فهو ممن أوتوا الفطنة والعلم والصدق. ولا أدل على ذلك من التزامه وسلوكه الذي يعكس ذلك العلم الكبير والفطنة النافذة. لقد اعتبر (رض) مفاسد الأمويين يومها خطرا على الإسلام وصدقت فراسته فهو لم يكن كما ادعى مؤرخ المغرب، رجلا ظاهريا ولا أدل على علمه أيضا، والتزامه، ما جرى بينه وعثمان في حضرة كعب الأحبار. وإن كانت تلك الحادثة تدل على شيء فإنما على مدى قوة بصيرة أبي ذر. وحسبه من علم الباطن أن رد بأعنف العنف المتأسلم اليهودي المندس عن الإفتاء في دين الله. وأن تكون دعوته مما حملها المحرومون عبر تاريخ. ولا يزال أبو ذر الغفاري يمثل أروع نموذج لثورة الفقراء حتى جعله البعض الاشتراكي الأول في تاريخ الإسلام!.

ودعنا هنا، نعرض بعض الإحصائيات عن الممتلكات الضخمة التي كانت تدور بعين أبي ذر وتثير رفضه لنرى هل مثل ذلك الحجم من الثروات في أيدي عثمان وبني أمية الذين انقضوا على تراث الأمة ونهبوه واستغلوا مكانة عثمان لتمرير سياساتهم التقليدية المعادية لبني هاشم، ولنر هل كان ذلك الشكل من الفقر الذي تعانيه الطبقات السفلى من الناس شيئا طبيعيا بالنسبة لذوي الضمائر الحية والروح المسؤولة. لنر هل فعلا كان أبو ذر ينتظر من عبد الله ابن سبأ المجهول أن يعلمه الثورة على الإسراف والظلم ونهب المال العام. أم أن ذلك من تعاليم الإمام علي بن أبي طالب حين كان لا يفتر عن الإشارة إلى هذا الوضع وهو صاحب الكلمة الشهيرة كما جاء في نهج البلاغة: " ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع " وهو من قال بعدها: " الله الله في الطبقات السفلى من الناس ".

وكل ما قاله أبو ذر سبق من كلام علي بن أبي طالب. لكنهم استضعفوا أبا ذر، كما استضعفوا عمارا. ففي إحصاء صور الفساد المالي نقرأ ما يلي كما جاء في مروج الذهب وسواه:

" ذكر عبد الله بن عتبة إن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خيلا كثيرا وإبلا ".

هذه هي ثروة عثمان الشخصية ناهيك عما أقطعه لبطانته، وما اغتصبه من بيت مال المسلمين.

وللبيب أن يتسأل، هل بعد هذا كله كان أبو ذر ضحية تمويه. وصدق طه حسين، حين استسرف الأمر قائلا في إسلامياته: " ومن هذا التلقين إلى أن يقال أنه (أي عبد الله بن سبأ)الذي لقن أبا ذر مذهبه كله في نقد الأمراء والأغنياء وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاو من نار، وما أعرف إسراف يشبه هذا الاسراف".

وينقلب السحر على الساحر في عملية العرض المغرضة ليكون ابن خلدون أحيانا عراب فضيحته. فقد ذكر أنهم أتوا به إلى معاوية، وإنه لمن السذاجة قبول هذه الأكذوبة. فمعاوية الذي ضاق بأبي ذر الغفاري حتى أخرجه من الشام وشكاه إلى عثمان، كيف لا ينبس ببنت شفة أمام عبد الله بن سبأ وهو الذي أثار أبا ذر على معاوية حسب زعمهم. ثم كانت الطامة الكبرى والبطشة الأخرى، كما نسجها المنوال الرديء عندما اعتبر ابن خلدون خروج أبي ذر إلى الربذة محض اختيار.

ولا بد هنا من الاعتراض على ابن خلدون، ونقول له إن أبا ذر خرج ثلاث مرات وليس مرة واحدة. أخرج المرة الأولى من المدينة إلى الشام. وأخرج في الثانية من الشام إلى المدينة.ثم أخرج الثالثة من المدينة إلى الربذة. وكان عثمان هو من أجبره على كل ذلك. لقد نفي إلى الشام عندما شكاه مروان، ورجع إلى المدينة بطلب من عثمان بعد أن شكاه معاوية. ومن المدينة هجر إلى الربذة بعد أن ضاق به عثمان ذرعا. وسوف نتعرض فقط للصورة التي تم تهجير أبي ذر عليها من المدينة إلى الربذة، والطريقة التي جاء بها إلى المدينة من الشام. فعندما ضاق معاوية بأبي ذر الغفاري بالشام واستنجد عليه بعثمان، طلب منه هذا الأخير أن يشخصه إليه في أغلظ مركب وأوعره.

يذكر المسعودي: " إن معاوية كتب إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه في داره أيام، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء.

وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف من المال، فنثرت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا، لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبو ذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي (ص) يقول: " ما يسرني أن أموت وأودع ما يزن قيراطا " فقال له عثمان: وار عني وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا والله، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: إي والله، قال: فإلى الشام، قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار الهجرة ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد، قال؟ فإني مسيرك إلى الربذة ".

أما ما ادعاه ابن خلدون من أن عثمان أعطى أبا ذر ما يكفيه من رزق، فهذا ما لا يصح ، لما علمنا من أن أبا ذر كانت له حساسية كبيرة من المال الحرام، وأنه ما ثار إذ ثار إلا على هذا التبذير والترف، والتصرف اللامسؤول في أموال المسلمين. والثابت في الرواية هو أن أبا ذر مات هو وأبناءه من شدة الجوع، حتى أن زوجته لم تجد له كفنا، وكان بعض السيارة قد دفنوه بعد ذلك. ذكر صاحب مروج الذهب: " قال عثمان: فإني مسيرك إلى الربذة، قال: الله أكبر، صدق رسول الله (ص) قد أخبرني بكل ما أنا لاق، قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته، وقيل: ابنتيه، وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة. ".

إن إخراج أبي ذر إلى الربذة من قبل عثمان وتضايق التيار الأموي به، هو من المشهورات في التاريخ الإسلامي. ولو كان اختيارا منه الخروج إلى الربذة، إذن لما أغلظ عثمان على من شيعه في الطريق بأشد ما تكون الغلظة. ولما حدث بينه والإمام علي بن أبي طالب في شأن نفيه أبي ذر، من تلك المشادة.

كان ابن خلدون يحاول من وراء ذلك تبرئة عثمان وتخطئة معارضيه مرة متهما إياهم بالسفه ومرة بقلة العلم وأخرى بسوء الفهم ـ وهم جلّ الأمة حينئذ ـ  وينسى أنه اعترف أكثر من مرة ، هو نفسه بمفاسد سياسة عثمان من حيث لا يشعر، وعرض ما يؤكد ذلك الوضع السيئ وتلك الصورة البشعة التي كانت عليها خلافة عثمان. قال ابن خلدون: " وقيل: إن عليا لما رجع عن المصريين أشار على عثمان أن يسمع الناس ما اعتزم عليه من النزوع قبل أن يجئ غيرهم ففعل وخطب بذلك، وأعطى الناس من نفسه التوبة وقال: أنا أول من اتعظ، استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فليأت أشرافكم يروني رأيهم، فوالله إن ردني الحق عبد لأستن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد، وماعن الله مذهب إلا إليه فوالله لأعطينكم الرضى ولا أحتجب عنكم. ثم بكى وبكى الناس ودخل منزله ".

إذن، فابن خلدون يذكر أن عثمان اعترف بالذنب، وأنه استغفر الله وتاب و أعطى للناس من نفسه التوبة . ونقول لابن خلدون على أي شيء تقع هذه التوبة إن كان معارضوه ممن يجب في حقهم التوبة والاستغفار. وعلى من استغفر عثمان، وبماذا اتعظ؟؟ أفلا يدل ذلك على تراكم أخطائه التي جلبت عليه غضب الأمصار وطليعة الصحابة؟! فكيف يبرئ بن خلدون من اعترف بالذنب وأقر بالخطيئة. وما المانع من الاعتراف بأخطاء عثمان طالما أن القوم لا يقولون بعصمة الخليفة. أم أنها العصمة في العمل والكفر بها في النظر.

وعليه، فإن أبا ذر كان قد أخرجه عثمان قهرا. ويدل على ذلك ما رواه الواقدي :" إن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة، فقلت له: ألا تخبرني، خرجت من المدينة طائعا، أم أخرجت؟ فقال: " كنت في ثغر من ثغور المسلمين، أغنى عنهم فأخرجت إلى المدينة، فقلت: أصحابي، ودار هجرتي، فأخرجت منها إلى ما ترى ".

ويوم الدار أيضا حيث اقتحم الثوار بيت عثمان، ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان، قال ابن خلدون: " ودخل عليه محمد بن أبي بكر فحاوره طويلا بما لا حاجة إلى ذكره، ثم استحيا وخرج. ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".

وليت شعري - هذه المرة - أي حوار طويل هذا الذي جرى بين الاثنين، وعلى أي أساس رأى ابن خلدون عدم الحاجة إلى ذكره، وكيف أن محمد بن أبي بكر استحيا وخرج؟!.

وهلا استحيا وهو يسير إليه من مصر إلى المدينة في وفد كبير؟!

 دعنا ننقل ذلك الحوار الطويل لنرى إن كان فعلا لا تدعونا الحاجة إلى ذكره أم لا. فلما دخل محمد بن أبي بكر على عثمان قال له هذا الأخير: ويحك! أعلى الله تغضب! هل لي إليك جرم إلا أني أخذت حق الله منك؟ فأخذ محمد بلحيته،


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (9)

1 - يوعرطة محمد العربي الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:41
التاريخ كابوس عندما يكون من السنة ومقدس عندما يكون من الشيعة"
فالبلاذري مغفل والطبري كذاب وابن خلدون مدلس اما الرئيس المرتضى كتابه نفيس ومقدس لان صاحبه عندك معصوم من الخطافان هي الموضوعية العلمية
عدم فهمك لطبيعة المرحلة لقصور فكري او عن وعي مقلوب تحاول اظهار التناقضات في كلام ابن خلدون فظهرت مغفلا عند سردك لقصة ابن سبا حسب ابن خلدون "فهو مرة في البصرة ومرة في مصرونسيت بان ابن سباادعى النبوة على اعتبار ان عليا هو الله وبذلك طرده علي الى المدائن وهو صاحب مخطط جهنمي لضرب الاسلام ونسيت انه (اينما تواجدت الجماهير نتواجد)فهو مرة في البصرة لتاليب الناس على عثمان ومرة في مصر لموقعهاوظروفها بوجود عمرو ابن العاصوبذلك فهو يعمل على ضرب التجمعا ت الكبرى السنيةوهو ما تفعله انت عبر هسبريسولا تنسى قول الله تعالى "الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" وللحديث بقية
2 - يوغرطة محمد العربي الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:43
استمال بعض الافعا ل تدل على نية مبيتة للضرر بالصحابة "ابن سبا يعلم اباذر حكيم ياخذ العلم من ابن سبا ابو عمار...فهو كان يحرض ويستغل مواقف هؤلاء من عثمانوعليه لم يكن ابن خلدون عراب فضيحتهبل كان يستعمل الكلمة بدقةفهو يعرف ان ابن سبا كان يحرض ولا يظهر في الواجهة وقد غفلت دور كيسنجر في سياسة المراحل وما فعله في العالم الاسلامي
ثم كل هدا النفي القاطع لوجود ابن سبا ونفي قدراته تسقطك حرارة الشمس في فضيحة وهي قدرة عائشة ام المومنين على التحريض على قتل عثمان وظهور الفتنة الكبرى عجبا وهذا دليل على الغباء والحقد الذي يكنه الشيعة لعائشة لدورها في معركة الجمل ولا يختلف الشيعة عن اليهود في حقدهم على عائشة حتى سموها في المغرب" بعيشة قنديشة ""جنية"وهو الاسم الذي عرض به فيلم بطنجة لمخرج يهودي
ايها المسلمون السنيون ازيلو من مصطلحاتكم كلمة "هاجنية عيشة قنديشة مولاة الواد انها سب وشتم لام المومنين
3 - يوعرطة محمد العربي الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:45
التاقضات في كلامك وليس في يكلام ابن خلدون فابن جبلة رفص افكار ابن سبا لانه طرد من طرف علي وهو من اتباع علي وبديهي ان ينزل مصر مع الثواروتعود انت الى رشدك لتقول بان تمة احتقان شعبي ومطالب حقيفية للاصلا ح...وهذا يدل على ان عود الثقاب(ابن سبا )هو من فجر هدا الاحتقان "الفتنة نائمة لعن الله موقدها" تكدب فكرة الجن في قتل سعد بمعنى انك تكدب فكرة الملائكة ومشاركتهم في معركة بدر لتظهر بذلك علمانيا او (شيعيا زنديقا) كما تستدرك بانك شيعبا حتى النخاع عندما تعود الى فكرة التكفير عند اتهامك التاس ب( التعبد بالخلدونية .الصحابة طراطير ) .ابن خلدون يدلس على القارى وماتفعله انت تزور وتشوه للحقائق فتحاول تشويه ابا بكر الصديق في قصة حرقه للفجاءة وتبرى عليا من حرقه للسبئية وهي مذكورة في كتاب "الفرق بيت الفرق"للبغدادي ص233"..ثم ان عليا خاف من احراق الباقين منهم شماتة اهل الشام وخاف اختلاف اصحابه عليه.."
وللحديث بقية
4 - idrissi alhassani الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:47
لا أحد كان خارج التاريخ لا الصحابة و لا علي كلهم كان يسعى لتحقيق شهواته و أطماعه في الملك و الخلد.. و كتب التاريخ ليست سوى مناشف لنفس كتابها .
قد يكون إبن سبأ شخصية أسطورية و لكن حقيقة و جود تنظيم سري في الكوفة و مصر يعمل للإنقلاب على الحكم القرشي في المدينة غير مستبعد .
في النهاية كان علي بن ابي طالب يستعمل رجالا شجعانا يرغبون في الحصول على نصيبهم من مغانم التوسع السياسي و الهيمنة العسكرية لدولة المسلمين في أسيا الوسطى وبلاد فارس و إفريقيا .
لقد كان عليا يريد الحكم و ليس في دلك ملامة لكنه فشل في ذلك بل على العكس أدخل المسلمين في حرب أهلية لينتهي الامر بصعود منافسه الأموي إلى الحكم و هو ما يعني فشل المشروع السياسي لعلي بن أبي طالب و حزبه من بني حنيفة و الأزد و فئة من رفاقه القدامى من الصحابة .
قال الطبري:3/365: (قدم سعيد بن العاص الكوفة فجعل يختار وجوه الناس يدخلون عليه ويسمرون عنده ، وأنه سمر عنده ليلة وجوه أهل الكوفة منهم مالك بن كعب الأرحبي ، والأسود بن يزيد ، وعلقمة بن قيس النخعيان ، وفيهم مالك الأشتر في رجال ، فقال سعيد: إنما هذا السواد(العراق)بستان لقريش ! فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك ؟ ! والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلا أن يكون كأحدنا) !
5 - شهريار الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:49
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فقط احببت ان القي التحية الان
6 - رابح الادريسي الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:51
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
7 - عروة الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:53
اتركنا الآن من الملعون بن سبأ ، حدتنا عن مقتل الخليفة عتمان و دور (خال المؤمنين) محمد بن أبي بكر (رضوان الله عليه)في هدا هو و الصحابة العدول ، و حدتنا قليلا عن الفرق بين العصمة و عدول الصحابة ! حدتنا عن مضالم آل البيت ( عليهم السلام ) حدتنا عن مخالفات الشيخين ، حدتنا عن ما يضرب في الصميم أما موا
8 - younes de tanger الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:55
عز الله ألسنة ادى قالوا فلان كثير اللغث أو كداب كيعملو عليه X مرة وحدة وبلا رجعة مشي فحال هاد الهاني مرة كيتخد إبن خلدون حجة له ومرة كيقول إبن خلدون غير كيخور هاد بنادم ماعندو هدرة يوم عندو كلام وغدا كلام أخرو بنادم لي كيصدقو كيعملوم فحال لغنم شا شا، را را، لله يستر وسلام.
9 - يوغرطة محمد العربي الثلاثاء 28 يوليوز 2009 - 23:57
تبت بالواضح اتك تطبق ما جاء لد ى حكمائكم من المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين الذين ضربوا سهام الراي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء اهل الدين وتفاقم امر محمد صلى الله عليه وسلم الذين اتتحلوا عقيدة تمكنهم من السيطرة على ضعاف العقول الذين يصدقون الاكاذيب والخرافات وتوددتم اليهم بما يلائم طبعهم من ذكر ما تم على سلفهم من الظلم والذل وتباكيتم لهم على ما حل بال محمد(ص ) وتوصلتم به على تطويل اللسان في ائمةسلفهم حتى اذا قبحتم احوالهم في اعبنهم سهل عليكم استدراجهم الى التخلص من دينهم وبعدها تجلبونهم الى خبائث مذهبكم وفضا ئح معتقدكم ولو يات علي كرم الله وجهه ولن يات لان" من مات فقذ انقضى عمله.."لاعلنتم عليه الحرب وسموتموه شيوعيا "مظفر نواب"
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

التعليقات مغلقة على هذا المقال