24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

14/12/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:5008:2113:2716:0118:2319:44
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
السبت
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد إسقاط الفصول المجرّمة للحريات الفردية من القانون الجنائي؟
  1. غياب الدولة عند الأمازيغ وأثره على اللغة والهوية (5.00)

  2. الفرنسيون يتصدرون عدد ليالي المبيت بمدينة أكادير (5.00)

  3. إبداعات خلف قضبان السجون تحطّ الرّحال بمتحف "بنك المغرب" (5.00)

  4. أسلحة "حروب ناعمة جديدة" تحتدم بين واشنطن وموسكو وبكين (5.00)

  5. المدرب بوميل .. "أغنى عاطل بالمغرب" يتقاضَى 55 مليونا شهريا (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | دولة الموعود ودولة الطوبا: أية علاقة - 2

دولة الموعود ودولة الطوبا: أية علاقة - 2

دولة الموعود ودولة الطوبا: أية علاقة - 2

دولة العدالة ودولة الوفرة

ليست دولة الموعود هي فقط دولة العدالة التي بها تطمئن النفوس وتندك الفوارق الباعثة على كل أشكال الصراع والاستغلال. بل هي أيضا دولة الوفرة الحقيقية القائمة على أساس الوفرة بمدلولها الاستغراقي وليس الطبقي. لقد كانت دولة علي بن أبي طالب هي المجلي الحقيقي للأزمة التي ظهر أن ليس لها مخرج إلا في دولة الموعود. وذلك حينما قال في النهج:

" الله الله في الطبقات السفلى من الناس".

أو لما قال أيضا:" ما رأيت من نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع".

أو لما قال:" ما جاع فقير إلا بما متع به غني"

وقوله:" وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها. وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع".

إن دولة الموعود تؤكد على أن لحل مشكلة الفقر وإدخال البشرية في حالة من الاستقرار المادي والاستهلاك الجماهيري الحقيقي، يقتضي الأمر النهوض بجملة عوامل بدءا بترشيد أمثل لنمط الانتاج وعدالة قصوى في التوزيع وثروة هائلة تكفي حاجيات المستهلكين. فهي تناهض الظلم الاجتماعي في التوزيع والظلم القائم على نمط الانتاج وأيضا تناهض اقتصاد الندرة وتعد بمستقبل الوفرة الاقتصادية للنوع.. ولذا فإنها أكدت على وفرة الموارد وتغيير النموذج وتأمين النفوس واعادة الاعتدال الى النفوس، حيث ان من أسباب اهتزال العدل هو فقدان العدل في النفس وشيوع أنماط انتاج فاسدة سرعان ما جعلت الاقتصاد ينمو بخلق حاجيات وهمية على حساب سلامة الاجتماع والبيئة، فيصبح الانسان خادما للاقتصاد وليس العكس. إن دولة الموعود تخطئ كل التوقعات التي تقررها الهيئات والخبراء في مجال الاقتصاد والبيئة. إن التوقعات تشير إلى تراجع في الموارد الطبيعية . إحدى أهم المؤشرات تؤكد على نضوب مهول في مصادر الطاقة، مضافا إلى ارتفاع معدل التصحر مضافا إلى أزمة المياه وارتفاع الحرارة وتراجع المساحات الخضراء ، وبالتالي تقلص مصدر الاكسجين ، ويزداد الامر سوءا حين الحديث عن ثقب الاوزون والمشاكل التي يسببها التلوث المستدام والتخريب الممنهج للبيئة دون أن نتحدث عن مخاطر الاقدام على حرب نووية. إننا حسب هذه التوقعات أصبحنا أمام مستقبل كارثي للكوكب، فكيف تكون دولة الموعود لا تزال تعدنا ببيئة نظيفة وموارد هائلة كما لو كانت كل هذه التوقعات مجرد هواجس خرافية ليس لها رصيد من الحقيقة. والحق أن الانسان ما يزال بصدد ترميم ما أمكنه من أزماته . حتى أنه ما أن يحل مشكلة حتى يغرق فيما هو أنكى وأمر. ففي الفكر السياسي ما زالت الديمقراطية التي باتت أمل المجتمعات الرازحة تحت نير النظم الفردية والطغيان السياسي، هي نفسها مصدر استغلال لا يزال يحول دون السعي إلى بدائل يفرضها الاحساس بعدم انسداد الآفاق أمام نظم أكثر ضمانا للحرية والعدالة. وكذلك ظلت البشرية في مستوى الاقتصاد السياسي رهينة تصورات خاطئة في تقدير الثروة ورهينة انسدادات في تدبير الموارد البشرية. على الرغم من كل المعارضة التي أبداها نقاد الاقتصاد السياسي ضد النسق الرأسمالي اللاأخلاقي، استطاعت الرأسمالية أن تنتصر في نهاية المطاف ، باعتبارها النظام الأكثر قدرة على الصمود حتى الآن رغم ما يحمله في طياته من أزمات بنيوية. لعل انتصار الرأسمالية على كل مناهضاتها بما في ذلك نقيضها الأشرس ، المعسكر الاشتراكي، دليل على أننا وصلنا عصر الانسداد. اذا كان فوكوياما رأى في هذا الانتصار تكريسا لليبرالية وتوابعها ـ في مقدمتها اقتصاد السوق ـ بعد أن غطى على كل أزماتها البنيوية، فهو لم يفعل أكثر من أن يقدم شهادة على هذا البؤس الذي يشكل ظاهرة عالم يعيش يوما بعد يوم على إيقاع فريد من التفقير. يتساءل كبير الرأسماليين المضاربين جورج سوروس كيف أمكن هذا النظام الاستمرار حتى اليوم. فانهيار " السوق العالمية سيكون حدثا يسفر عن نتائج يتعذر تصورها، ومع ذلك أجد أن تصور هذا الانهيار أيسر من تصور استمرار النظام الراهن"[15]

لم يهزم النظام الرأسمالي المهيمن معارضيه ،على فظاعة توحشه ، لأنهم لا يحملون البديل القادر على الإحلال محله بجدارة ، ولا لأنهم حاربوه بوسائل أقل نظافة منه. بل لعله حاربهم بأقذر ما لديه. من المؤكد أن الأزمات التي واجهت الرأسمالية كادت تعجل برحيلها لولا التدخل السافر للدولة في حمايتها وتمكينها. لم تكن الرأسمالية حقا مساوقة للطبيعة إلا إذا اعتبرنا تشجيعها على الجشع وعبادة المال والنزعة الأنانية هي هذه الطبيعة الانسانية التي تزعم الرأسمالية مسايرتها. وقد صدق جورج سوروس حينما عزى انتصار الغرب إلى أمر آخر غير رأسماليته. ففي رأيه أنه " من المناسب أن نعزو انتصار الغرب إلى حقيقة أنه مجتمع منفتح أكثر من كونه مجتمعا رأسماليا"[16]

لم تستطع الماركسية على الرغم من أنها قدمت تحليلا نقديا للنظام الرأسمالي لعله الأهم من كل النقود، لأنها لم تستطع أن تضع اليد على المشكل الحقيقي، وهو أن النسق الرأسمالي بما أنه نسق متكامل يستطيع أن يحتوي أزماته بما في ذلك الأزمات التي تصورتها الماركسية عللا تامة برسم نظرية الأزمات. هكذا استطاع هذا النظام تحييد أو تعطيل النشاط البروليتاري وصرفه عن فكرة التموقف التاريخي الجذري من النظام الرأسمالي . كما طورت الرأسمالية الكثير من أساليبها ، ما أبطل مفهوم الثورة الشيوعية التي لم يعد لها أي معنى لا سيما بعد انهيار معسكر كامل قام على أساسها. حاولت الماركسية أن تجد الحل في التطور الطبيعي للرأسمالية الذي ينتهي بها إلى حتمية الانفجار. لكن الرأسمالية عرجت على مسارات أخرى جنبتها كل المخاطر التي تكهنت بها الماركسية. الأمر يتعلق بالأثر الأوديبي بالمعنى الذي ذهب إليه بوبر في إبطال النبوءة. إن القيم الأخلاقية الماركسية التي استقوت بها الحركة الماركسية في نضالها ضد النظام الرأسمالي لا يمكن أن يدان بها هذا النظام ، لأنه لم يستدعيها منذ النشأة الأولى ولا يمكن محاكمته بشيء لا يعنيه في صميم النسق. كان لا بد على الماركسية أن تبحث خارج هذه المنظومة عن سند تستقوي به في إعلان ثورتها. لقد استندت على الضمير الداخلي للرأسمالية فيما هي نسق نصب نفسه خارج مفهوم الضمير الاخلاقي في الاقتصاد. ولأن الماركسية نفسها راهنت على الرأسمالية في استدماج كل الانماط الأخرى ما قبل الرأسمالية انتظارا لانسدادها الحتمي. مع ذلك كان للاجهاز على الحقيقة الدينية الدور الأكبر في جعل الماركسية عاجزة عن إيجاد ضامن أخلاقي . يتساءل أندره كونت سبونفيل إن كانت الرأسمالية أخلاقية. سيضطر هذا الأخير رغم إلحاده غير المبرر أن يسلك طريقا كانطيا لإحلال الاخلاق المجردة أو القانون الاخلاقي محل الدين كضامن من خارج النسق لنوع من الاخلاقية ـ ethiqueـ بدل الاخلاق ـ moral ـ. بين الاخلاق كفعل للواجب وبين الاخلاقية كفعل باعثه الحب. هذه عودة مبطنة للقيم الدينية نفسها مع تمثل حالة من خفة اليد. أي خلع كل صفات وقيم الدين على هذا الشكل المثالي من الاخلاق. يعيدنا ذلك إلى النكتة نفسها التي واجه بها شوبنهاور القانون الأخلاقي الكانطي. أخلاق بلا ضمانات. لكن كان رأي هذا الأخير صائبا في فضح انسداد النظام الرأسمالي الذي جعل إنماء الثروة ليس فرصة للفقراء المحتاجين، بل هي فرصة سانحة فقط للاثرياء. أليس هذا هو مبدء بيروث: المال يولد لمال. نعم. وإذن صح قول الباحث:" أفضل وسيلة لكي تصبح ثريا في بلد رأسمالي هو أن تكون ثريا"[17]

نحن أمام تحصيل حاصل. إنماء وحشي للثروة قد يتيح منافذ وفرصا على المستوى الفردي تستطيع أن تتباها بها الرأسمالية المخاتلة لإغراء الغالبية العظمى التي رسم لها سقفا من الاحلام لن تخرج منه أبدا. لكنها الكارثية على المستوى الجماعي. يجب على الأغلبية الساحقة في هذه السوق الداروينية التي تبتلع الصغار والمتوسطين باستمرار أن تتطلع لتعمل أكثر ولكن في الوقت نفسه عليها أن لا تصل إلى مبتغاها حتى لا تتحسن أحوالها لتبرح نطاق الشغيلة.

غياب العدالة وسورة الأزمات البنيوية للاقتصاد الرأسمالي وتكاثر السكان وتراجع الموارد وتلوث البيئة وانفجار وضعية الشركات العابرة للحدود في ظل عولمة جارفة لكل أشكال القوانين التي تحمي نظم التكلفة السياسية والاجتماعية والبيئية، كل هذا يعني أن الفقر هو صناعة رأسمالية بامتياز. إن الانسداد الأعظم لم يطال الفكر السياسي فحسب، بل إننا أمام ضرب كارثي من الانسداد الاعظم في الاقتصاد السياسي. على الرغم من أن تساوي البشر في معدل الاستهلاك الجنوني وتحول الأمم جميعا إلى مصاف الأمم المصنعة الكبرى يظل حلما ساذجا في ظل الشروط المجحفة التي يفرضها النظام الرأسمالي على الدول الفقيرة أو تلك السائرة في طريق النمو ـ ذلك لأن الأمر لا يتطلب كثير تأمل ـ فالفقر والتخلف هو الذي يؤمن الهامش الأمثل للمركز. إننا جميعا جزء ضروري ووظيفي للرأسمالية. فهي لا تقوم بالمركز فقط ، بل تكتمل بوجود هامش مهدور المصير . وهذا الأخير ليس مسألة جزافية ، بل هو صنيعة النسق الرأسمالي الذي بقدر ما يتيح للمركز نموا مضطردا فأيضا يعمل على تأميل تفقير مضطرد للهامش. لكن دعنا نحلم قليلا مع هذا النظام ونسايره في أحلامه تلك. فحتى لو أصبحنا جميعا في هذا العالم مصنعين في مستوى الدول العظمى فإن ذلك سيكون كارثة على البيئة لا تتحملها البتة. إن نمط الانتاج ونوع الطاقة المستهلكة اليوم في هذه الصناعات تنذرنا بمستقبل كارثي. لا يوجد من يخطئ هذه الحقيقة حتى من أولئك الذين يتحايلون للامتناع عن دفع التكلفة البيئية. إن الطبيعة كما يقولون متسامحة تتحمل كل الاختلال البيئي الناتج عن التدخل الخاطئ للانسان وسوء تدبير الموارد الطبيعية. يقولون أيضا إن الطبيعة ستعود لتوازنها متى كف هذا الأخير عن التدخل. نقول هذا مؤكد ما لم يستمر الاستنزاف. ولا ندري هل حقا نحن أمام ذلك المصير أو المستقبل المشترك الذي بشرت به التنمية المستديمة، وهل في سياق هذا التدبير الخاطئ والجنوني للبيئة سنسمح للأجيال القادمة ببعض من هذا الامتياز. هذا حقا لا يهمنا الآن بقدر ما يهمنا الوقوف عند فكرة التسامح البيئي وعلاقة ذلك بالجواب عن وضعية دولة الموعود. لا نريد أن نضع أرقاما لتوصيف الحالة المزرية للطبيعة اليوم ولا ما هو متوقع غدا. لكن السؤال الذي يظل مطروحا: هل دولة الموعود تستطيع أن تفي بكل وعودها في مستقبل ينذر بالمأساة البيئية. قد يكون لفكرة التسامح البيئي قدرة على تفسير ذلك. لكن ماذا لو لم يعد في مكنة الطبيعة أن تغفره للانسان بعد أن تنفذ مواردها أو يفسد مناخها بصورة لا تطاق. هذا إنما يفيدنا، بأن دولة الموعود سيكون لها موعد مع العالم قبل استفحال الوضع البيئي بصورة لا رجعة فيها ولا تسامح. إن الطاقة اليوم تعد بنضوب ، وحسنا أن يكون ذلك سببا في انطلاقة جديدة للبحث عن طاقة بديلة ونظيفة. إن مظاهر دولة الموعود تؤكد على أنها دولة تنعم بآخر مستويات التقنية النظيفة. بل إن كل ما تعد به يؤكد على أنها دولة تخضع لنمط اقتصادي مختلف جذريا، بحيث لا مكان لنظرية التفقير والأزمات وما شابه ذلك. وبالتأكيد لا مجال لأي شكل من أشكال الملتوسية هنا ، ما دامت الموارد ستتضاعف في نموها أكثر من الحجم السكاني . إن دولة الموعود تؤكد على أن الموارد ستظهر بشكل لم يسبق له مثيل. فالمستقبل واعد بالرفاه. لذا علينا أن نتأمل بعضا من تلك الروايات التي تقول مثلا[18]

ـ أخرج البخاري عن أبي هريرة أن الرسول ـ ص ـ:" لا تقوم الساعة ، حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته. وحتى يعرضه فيقول الذي يعرض عليه : لا أرب لي به".

ـ أخرج الحاكم عن أبي سعيد، عن الرسول ـ ص ـ " يخرج في آخر أمتي المهدي ، يسقيه الله الغيث ، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة".

ـ روى الصدوق عن الامام الباقر:" القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوي له الأرض وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الارض خراب إلا عمر".

ـ يروي المجلسي قول علي بن أبي طالب:" ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ولأخرجت الأرض نباتها ولذهبت الشحناء من قلوب العباد واصطلحت السباع والبهائم حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات وعلى رأسها زينتها لا يهيجها سبع ولا تخافه".

ـ يروي الشافعي عن أبي سعيد الخدري عن الرسول ـ ص ـ :"تتنعم أمتي ( في عصر المهدي) نعمة لم يتنعموا مثلها قط، ترسل السماء عليهم مدرارا ولا تدع الارض شيئا إلا اخرجته".

ـ في عقد الدرر عن النبي ـ ص ـ :" وتزيد المياه في دولته وتمد الانهار وتضاعف الارض أكلها".

مثل هذه الروايات ونظائرها فاضت بها المتون الاسلامية، يجب استيعابه خارج اللغة والنمط الحضاري الذي ذكرت فيه مثل هذه النبوءات. فأفضل وسيلة لمزيد من الاستيعاب هو إعادة تأمل مضامينها في ضوء النموذج الحضاراتي المعاصر. إنها قضايا موجهة لنا أكثر مما هي موجهة للأسلاف. ومن هنا فمثل هذه المظاهر تؤكد على أن دولة الموعود غير معنية بالتكهنات آنفة الذكر، تلك التي تنذر بعودة الندرة والتلوث والفقر والمجاعة والمستقبل الكارثي للانسان. إنها تؤكد بذلك على أنها باراديغم مختلف تنتهي معه رحلة الاجتماع السياسي وتقف عنده أيضا محاولات الاقتصاد السياسي. إن المستقبل البشري والاجتماع السياسي الانساني لا يمكن أن يقرأ بصورة إيجابية فيما تؤكده تقارير تنتمي إلى العقل السياسي والاقتصادي الذي بات واضحا أنه لا يملك ما يقوله عن المستقبل سوى ذلك الشكل من التحذير والترهيب. لكن يظل دائما السؤال الذي يطرح و طرحه مشروع، حول إمكانية إعادة تطهير الاجتماع الانساني والبيئة من الفساد في دولة الموعود؟

ندرك أن العملية لا تقتصر على أحياز ضيقة ولا حتى على حيز المؤمنين. الامر يطال الكوكب برمته ومن عليه. لا ننسى أن دولة الموعود هي كونية. وعملية كهذه ليست محصورة ويسيرة، بل هي انقلاب حضاري وبيئي سيجعل العالم أمام نمط مختلف عن كل ما سبقه. إنها ثورة الانسانية المنتظرة بقيادة الموعود. قراءة الاخبار في شموليتها تؤكد على أن ارتفاع معدل الأمن إلى أقصاه وغياب الندرة ونهاية سلك الأزمات البنيوية في الاقتصاد وشعار دعه يعمل دعه يمر الذي لن يظل كما في النظام الرأسمالي شعارا لطبقة من المتنفذين وأيضا ليس شعارا يتحلل به المستثمر من كل التزاماته الاجتماعية والاخلاقية..كما يؤكد على ارتفاع في مستوى التحسن البيئي ونظافة وسائل الانتاج وتغيير نمط الاستهلاك وكل هذا مع وجود عدالة كافية لتوزيع الثروة بالقسط، جدير بخلق مناخ صحي لانطلاق اقتصاد كبير وتحقق قدر هائل من الوفرة للنوع.

ثمة كما أكدنا تحولات جذرية ستطال الثقافة والأنماط. وهي كما يظهر من الاخبار تتحدد في:

ـ أنماط استغلال البيئة:

يتقوم النمط الراهن في شكل ضار من الاستغلال للبيئة بلغ ذروة الشطط. والمسألة البيئية اليوم والتقارير التي تطلع علينا ليل نهار دليل كافي على أن الأمر لم يعد يتحمل مزيدا من الاستهتار.لا سيما وأن معدل أوكسيد الكاربون يتزايد بصورة جنونية مهددا البيئة وهو مسؤول عن درجة ارتفاع حرارة الارض والتأثير السلبي على طبقة الأورزون وما ينتج عن ذلك من فيضانات وحرائق للغابات والتصحر...في مقابل ذلك تنهض دولة الموعود على سياسة مختلفة وجادة في هذا المجال، قوامها: الاستغلال الأمثل للطبيعة والاستغلال الأنظف للطاقة.

إن استغلالنا للطبيعة لا زال ضعيفا للغاية بحيث لا يغطي الطلب. ومثل هذا لا يشكل أزمة حقيقية في نمط الانتاج المعاصر طالما أن معضلة المجاعة لا تصيب إلا الطبقات السفلى من المجتمع أو المجتمعات الفقير في العالم. فأنماط الانتاج الراهنة ليس فقط أنها تواجه مشكلة تقنية في تأمين الطلب الحقيقي للنوع، بل إن السياسات الانتاجية تفرض عبر سلطة الاحتكار أن لا يتم البحث عن بدائل لا في التكنولوجيا ولا في أنماط الانتاج ، من شأنها أن تهدد بنية الارباح والامتيازات التي تحرسها سياسة الاحتكارات الكبرى.

ـ أنماط الاستهلاك:

اذا كان نمط الاستهلاك اليوم هو تعبير عن منتهى غياب ليس الاخلاقية فقط عن الاقتصاد بل العقلانية التي طالما بشرت بها السوسولوجيا الحديثة . لقد تجاوز نمط الاستهلاك المعاصر كل الحاجيات الحقيقية للانسان، بل كدنا نرى انقلابا في سلم المقاصد العقلائية للنوع، منذ أصبح الانسان برسم الاستهلاك الجنوني اليوم يستهلك من السموم والأزبال ما يعرض الصحة العالمية لوضعية حرجة. لم يعد في معايير المستهلك أن ثمة ضروريات يجب أن تفوز بالمقام الأول في الاعتبار. فالتحسينيات استوعبت باقي القيم ، لا بل إننا أصبحنا أمام شكل هجين من الضروريات؛ ضروريات وهمية تنتج باستمرار، تؤمن صيرورة الاستيلاب الامثل للانسان، تجعله كائنا عاجزا عن وجود ذاته واستقلاله ومعناه خارج هذه الدورة العدمية للاستهلاك اليومي. يحدثنا طويلا جون بودريار عن هذه الحقيقة بصورة أكثر كاريكاتورية، حينما يحاول أن ينجز تشريحا لما يسمى بـ"homo oeconomicus". الحكاية مصاغة كالتالي:

" كان في وقت ما انسان يعيش على سبيل الندرة. ومن خلال العديد من المغامرات والأسفار عبر العلوم الاقتصادية التقى مجتمع الوفرة. فتزوجا وأصبح لهما الكثير من الحاجيات"[19]

هذه الجمالية نفسها التي كان يتمتع بها الاموـ ايكونوميكوس، كما تغنت بها الحكايات الكلاسيكية لم تعد موجودة في هذا المناخ الجنوني الذي تحول فيه الاستهلاك من أمر نحدده ونبحث عنه إلى أمر مفروض في الصيرورة المحتومة لهذا النمط الاستهلاكي الذي منح قوام الكوجيتوا الجديد: أنا أستهلك إذا أنا موجود. بل أصبح الأمر غاية في التفاهة: أرني قمامتك أقول لك من تكون. الاستهلاك للاستهلاك، تلك هي عقيدة شخص آخر يبشر به هذا النمط الخطير من الاستهلاك ، أعني ما أسميه بالكائن الأونطو ـ ميتري. كناية عن كائن تتحدد أنماطه ومصائره بحسابات الانتاج والربح والخسارة والعرض والطلب. كائن تحدد ماهيته قبل وجوده، بل يبرر وجوده باكتمال ماهيته وقابليته للاندماج في دورة اقتصادية لا وجود لبداياتها ولا لنهاياتها. إنها دورة لا تقبل إلا بالمسوخ.

إن دولة الموعود بما أنها تلخص آمال البشر ومتطلبات الرشد البشري، كفيلة بإحداث هذا الانقلاب الأعظم في نمطية الاستهلاك. هذا أمر ممكن جدا ما دام أن هذا النمط من الاستهلاك هو الابن البار لنمط الانتاج والنسق الرأسمالي المتوحش نفسه. وهذا سيعد بعودة العقلانية في الاستهلاك يتحرر بموجبها الانسان من سطوة التشيء والاستيلاب. حيث يصبح الاستهلاك تعبيرا عن حاجيات حقيقية وعقلانية لا مجرد انخراط في دوامة غير معقولة من الاستهلاك للاستهلاك. ويتقوم ذلك أيضا بتخليق الاستهلاك، وهو ما يجعل الاستهاك أيضا في خدمة الانسان ويعزز ماهيته ككائن خلق للتسامي العقلي والروحي وليس كائنا يبحث عن منتهى متعته في متاهة الاستهلاك والتشيئ والاستيلاب كما تتحدث اليوم فلسفات الانسان. ولعل القواعد المنظمة لهذا النمط التخليقي من الاستهلاك هي :

ـ لا تستهلك إلا ما كان ضروريا حقا أو حاجة تجد فيها كمال العقل والروح وسلامة البدن..

ـ لا تستهلك للاستهلاك..

ـ لا تستهلك ما فيه فساد البدن والروح والعقل..

ـ لا تستهلك ما ليس في مقدور أغلبية الناس استهلاكه..

هذا القدر من المحددات لا يتحقق إلا في ظل دولة الموعود لاكتمال أخلاقها ونمو مداركها العقلية والروحية. إن ما تكشف عنه هذه الدولة من خيرات لا يعني أن الاستهلاك أضحى أكثر جنونية. بل إن الانسانية يومها مشغولة فيما هو أعظم من ذلك. أعني ذلك المعنى الانساني السامي الذي يجعل الناس تكتفي بحياة التقشف رغم الوفرة، لأن ما سيأتي به الموعود ليس مجرد كنوز لن يجد لها طالبا من فرط فائض الانتاج، بل قيمة ما سيأتي به أنه سيحرر الانسان من مقولة أنطوان مونتكرتيان :" إنما الانسان ولد لكي يعيش للعمل المستمر والاحتلال" إلى المعنى الأسمى للانسان بوصفه خلق لعبودية الخالق لا لعبودية القطاع والعمل في ظروف مزرية. كما خلق لتعمير الأرض لا للاحتلالات الجائرة التي تستعبد في طريقها الأمم وتخضع لقوانين التخليف والتفقير. أجل إن زمان الموعود زمان مختلف، وذلك لأن أنماط السلطة ستشهد تحولا جذريا. لا عجب في ذلك إذا تأملنا قولة لجده علي بن أبي طالب في النهج:" إذا تغير السلطان تغير الزمان".

وعليه ستكون دولة الموعود خاتمة المطاف في تاريخ النوع وليس بعدها من نموذج جدير بالانتظار. إنها نهاية تاريخ الاجتماع السياسي والنموذج المأمول. ذلك هو الحد المعروف من مستقبلنا المشترك.

ختاما:

لدي شئ أقوله في نهاية هذه الورقة: إن البحث عن حلول لإنسانيتنا من داخل صيرورة الهدر التي يفرضها النسق المتغلب في حياتنا هو أمر مشروع ومطلوب لإيجاد ما هو أمثل دائما من داخل النسق. لكن هذا لن يحل مشكلة البشرية المتأرجحة في أزمات بنيوية. قد يتراءى للبعض أننا نحلم ، لكن حلمنا هو واقع مؤجل يملك من المسوغات والضمانات أكثر من أي خيار آخر. إن ما بين أيدي الناس اليوم سياسات واقتصادات لا تملك إلا أن تصنع الجور والفقر، ولا تملك إلا أن تنذر بمستقبل مظلم وكارثي ملؤه الرعب واليأس. وأمام هذا القدر المحتوم لأنظمة سياسية واقتصادية، ليس أمام البشرية المعذبة إلا أن تحسن الإطراق والسمع لذلك النداء الذي لا يحمل سوى بشرى جميلة للاجتماع الانساني. وإن دولة الموعود حتما لن تحرر المظلومين من شخوص ظالمين فحسب، بل ستحررهم من نموذج ظل فيه الظالم والمظلوم كلاهما ضحية نموذج فاسد ، جعلهما حقا في حاجة ماسة إلى ذاك المخلص.

[email protected]

****

[1] ـ انظر الحوار الذي أجراه كاتب السطور مع فرنسيس فوكوياما: نهاية التاريخ بعد مرور أكثر من عقد على إعلانها، مجلة الكلمة ، العدد 47 ، السنة الثانية عشر 2005 ، بيروت

[2]


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (1)

1 - خالد الأربعاء 01 شتنبر 2010 - 21:13
لو أن الكاتب أزال واو العطف من عنوانه وشدد الباء في "الطوبّا" كما كتبها لأجاد وأفاد، لأنه الدولة المهدوية كما يصورها ليست مجرد "طوبى" وحلم، بل هي "طوبّا"، أي "جرذ" أو فأر سراديب في لسان المغاربة يساكن ويتعايش مع المسردب في سردابه. وحتى إذا صدقناك في كل ما تقول عن المهدوية، ما دليلك على أن الشيعة كما نعرفهم هم العاملون على التمهيد لها؟ وما دليلك على أن الحق كل الحق مع الشيعة؟ كل كلامك عن المهدوية له غرض واحد التطبيل للتشيع بعد أن استنفدت وسائل الإغراء. فهل تظن أن مليار ونصف من المسلمين لم يبق أمامهم أي خيار سوى التوجه نحو قبلة المعممين في إيران باعتبارها الدولة التي أصبحت كبرى وعظمى وخيرة، الدولة الممهدة لظهور المهدي؟ أي بروباغندا هذه وكيف يمكن أن يصدقها صغار الناس ممن يعرفون بؤس الشيعة في إيران حتى بالمقارنة مع بعض جيرانهم؟ وأي بؤس في التفكير يجمع بين مهدوية تعانق سماء الغيب وواقعية تزحف على الأرض كما هو الأمر عند فوكوياما الذي ترك كتابه للجرذان العمياء تقرضه وانطلق نحو تأملات أخرى لا علم للمسردبين بها؟
والله إن كتاباتك الملتوية لا تصلح إلا لتسكنها وتمرح فيها "الطوبّات" والجرذان، وما أكثرها في واقعنا الذي يبدو أنه ميؤوس منه إن لم يدركه ظهور المهدي. ولكن، حتى لو ظهر المهدي عاجلا فبإذن الله لن يكون شيعيا، ببساطة لأنه من آل محمد رضي الله عنهم وهم غاية في السمو والذكاء والنبل وليس مجرد جرذان تمرح في أوساخ المستنقعات...
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التعليقات مغلقة على هذا المقال