24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

26/09/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4907:1513:2416:4419:2320:37
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما هو المطلب الأكثر أولوية في رأيك؟

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | رمضان البيضاء وصيف سوسة

رمضان البيضاء وصيف سوسة

رمضان البيضاء وصيف سوسة

أحد ليس ككل الآحاد..

صيفي، رمضاني…

ريح شاطئية تهب معتدلة تغمر شوارع البيضاء بنسمة ربيعية..

يعلن المذيع أن المحرار، تجاوز كل المقاييس في العديد من المدن الداخلية وخاصة في الجنوب !

قادتني قدماي في رحلة البحث عن حل لمعضلة إلكترونية حلت بي، إلى سوق درب غلف وهو سوق شعبي بالدار البيضاء، لأجد نفسي أسيرا وحيدا داخل أزقته...

حركة بطيئة تستبد بالسوق على غير العادة، فهمت أنها نتيجة اقتران يوم الأحد بأحد أيام رمضان..

دون هدي أسير، أقتل الوقت في انتظار أن تفتح المحلات أبوابها..

عربات، دكاكين، محلات أنيقة، بجوار أكواخ..هكذا يبدو مشهد سوق تدب فيه الحياة رويدا رويدا معلنة عن نفسها بوصول السيارات إلى جنباته و بصدور صوت رخيم من آلة تسجيل قادم من هناك، حيث متجر ضيق.. في ذلك الزقاق..

لم يكن المرتل سوى الشيخ المرحوم عبد الباسط عبد الصمد بصوته الذي يوقظ النفوس، وما هي إلا دقائق حتى انطلق من متجر مقابل دعاء ثم ترتيل من جانب آخر ثم أصوات لمقرئين ودعاة من كل جهات العالم...

القاعدة هنا أن لا تنطلق الحياة إلا بسماع آيات من القرآن الكريم، إنه التبرك والاستفتاح كما يسميه الأتراك.

عُدت بذاكرتي يوم زرت جنوب غرب الجزائر في نهاية التسعينات من القرن الماضي، إذ تسللت من الفندق ذات صباح باكر أبغي مشيا يجعلني أحس بنقاء جو الصحراء وفي غفلة من رجال الدرك المكلفين بحراستنا، اكتشفت أن أول ما يقوم به السكان عند فتح أبواب تجارتهم هي إطلاق صوت أغنية لم أحتج إلى كبير عناء لأكتشف أنها للمرحوم اسماعيل أحمد، يقول مطلعها:"أمحمد صاحب الشفاعة والنور الهادي".

قطعت مسافة قصيرة قادتني إلى نهاية البلدة التي يقطنها غالبية من أهالي قبائل القنادسة، وهي منطقة كان يصفها صديق لي ينتمي لجنوب شرق المغرب"بالقبائل العابرة للحدود".

عندها وجدت نفسي أستمع لنفس الأغنية، مع تتوالى حركات فتح المحلات لتصبح الأغنية وكأنها شعار لكل ساكني البلدة، فهمت أن الناس هنا يتبركون بهذه الأغنية منتظرا نهايتها أمام محل تجاري، لاكتشف أن في مقطعها الأخير دعاء لملك، فهمت أنه ملك المغرب.

هم إذن يرفعون الدعاء إلى الملك الموجه إليه كلام الأغنية أي ملك المغرب، لقد كانت هذه طريقتهم في تصريف إرادتهم الدفينة والمعلنة للعودة إلى بلدهم المغرب..

سيحكي لي أحد الكهول قائلا إنه من حفدة المولى إدريس الأزهر وانه وأهله هنا، يعتبرون أنفسهم ضحايا التقسيم الحدودي الناجم عن اتفاقية للا مغنية 1845 والتي اقتطع إثرها الاستعمار الفرنسي أجزاء من التراب المغربي وألحقها بالتراب الجزائري باعتباره جزء لا يتجزأ من أرض فرنسا.

تذب الحركة في السوق وتزداد الجلبة والازدحام بعد رفع اغلب المحلات لأبوابها، كل شيء هنا معروض للبيع، الأشياء القديمة بجانب الألبسة الحديثة، الهواتف، آلات التسجيل، أحذية، فواكه ، وحتى الجبنة المهربة معروضة تحت الشمس الحارقة...

فاجأني صوت شاب أنيق، جميل المحيى يطلب مني أن أفصح عن سر تواجدي في السوق في هذا الصباح وكأنه فطن أني أبحث عن شيء وأنا أطوف بالأزقة، تظاهرت بعدم الاهتمام ليرفع الشاب صوته لأفهم منه أنه يبيع كل شيء ثم قال :"عندي كل أنواع الأفلام الدينية والتاريخية" ثم سكت لحظة وقال وهو يقترب من أذني : "عندي الفيلم الذي في بالك"..

تظاهرت مرة أخرى بعدم الاكتراث ليفاجئني بشكل جاف قائلا :"أصاحبي راه عندي الفيلم ديال عيوش"،أحسست إذ ذاك أني ربما لن أخرج سالما من هذه المقابلة، حضرني للتو جزء من قصيدة الشاعر الألماني كونتر غراس: "لا تمضي إلى الغابة

ففي الغابة غابة".

ومن يمضي إلى الغابة...

بحثا عن الأشجار

فلن يبحث عنه بعدها في الأشجار...

يؤذن لصلاة الظهر، تخلو المحلات من الباعة، قليلون من بقي في الأزقة من متسوقين. كل أخذ وجهة الصلاة، هناك مسجد كبير قائم بالشارع وأكواخ تستعمل للصلاة في العديد من الأزقة.

يؤدي الناس هنا صلاتهم بخشوع كبير، ليعلن الإمام انتهاء الصلاة بالسلام ليعود الكل إلى نشاطه، ب"صياح و سباب و كلام نابي"... أدعية، قرآن ينبعث من آلالات التسجيل المبثوثة في كل مناحي السوق...

قليلة هي المحلات التي تبث أخبارا في شهر رمضان، الكل موجه نحو القنوات الدينية. محل يوجه لاقطه إلى قناة شرق أوسطية تبث صورا لعملية انتحارية ذهب ضحيتها العشرات من الأجانب الذين اقترفوا ذنب التواجد في عطلة في مدينة سوسة بتونس الشقيقة.

لم تكن الصور تثير انتباه المارين، غادرت السوق بعد أن أنهيت ما جئت من أجله. اخترت أن أعود ماشيا علني أذهب عني لغط المتسوقين، وسلاحي في ذلك صدفة هو تسجيل للشاعر محمود درويش :

"لم اسمع أبدا عاشقين يقولان شكرا

ولكن شكرا لك لأنك أنت من أنت
حافظي على نفسك يا تونس
سنلتقي على ارض أختك فلسطين
هل نسينا شيئا وراءنا
نعم نسينا تلفت القلب
و تركنا فيك خير ما فينا
تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا".

مات درويش دون أن يعلم أنه ترك تونس جريحة، يقتل فيها الأبرياء، تمزق فيها الأشلاء، بدعوى القرب من الله.

دخلت البيت منهكا، صور ضحايا العدوان على سوسة تلاحقني...

ماذا أقول لابني ذو الخمسة عشرة ربيعا وهو يسألني عن منطق الأشياء، لن أجد جوابا طبعا، لكني وبحثا عن ما أخبأ به قبح هذا الواقع الذي أصبح العالم العربي يعيشه، وجدت نفسي أتذكر رجلا كنا ننعته بآخر حكماء قبائل أولاد حدو. كان يردد كلما حلت المصائب مقولة ابن حزم بعد أن يبسمل ويحوقل : "... دع الحب يفعل بك ما شاء.... ويحيلك هباء يتنسمه كل عاشق في الكون. دع الحب يأتي، فمهما فعلت فسترى أن العشب ينبت على روث الدواب".

-كاتب مغربي


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (9)

1 - العزيفي محمد الأربعاء 01 يوليوز 2015 - 19:16
القارئ لإبداعاتك لا يمكن إلا أن يرفع قبعة الإحترام والتقدير لك..أسلوب سلس وتناسق في ترتيب الموضوع تجعلنا نتجول معك في المكان والزمان ..ولك طريقة بارعة في الإنتقال بين المواضيع المختلفة في نفس الموضوع مع العودة في الأخير للب السرد...تلفت الإنتباه لعادات ومظاهر تعيش فينا ولا نحسها لكثرة تكرارها...أسلوبك جميل وبسيط وسهل المعنى قد يصل لكل قارئ ..أصبحت شغوفا بتتبع كتاباتك ..تابع بالتوفيق
2 - عمر بدا الأربعاء 01 يوليوز 2015 - 23:10
لازال هذا المبدع المغمور يتحفنا بهذا اللون المتفرد في الكتابة الادبية التاريخية
الشاهدة علئ صدق انتاجه ودقة اهتماماته بالواقع البيضاوي وحتئ المغاربي
اسلوب هذه الثمرة يشد اليه كل مرة قارءه لانه لايمل من خلال انتقالاته واسترجاعاته وكذا طريقة وشكله الطباعي
ندعو له بالصحة والعافية المغربية كي يكتب اكثر رغم قيود الادارة التي لم تثبط
فيه حب المطالعة والكتابة والاحساس بالاخر والواقع
3 - القيد السبسي الخميس 02 يوليوز 2015 - 01:51
"يؤدي الناس هنا صلاتهم بخشوع كبير، ليعلن الإمام انتهاء الصلاة بالسلام ليعود الكل إلى نشاطه، ب"صياح و سباب و كلام نابي"... أدعية، قرآن ينبعث من آلالات التسجيل المبثوثة في كل مناحي السوق..."
يقال ان الاديب ابن بيئته ،
هذكذا يصور الكاتب تناقضا صارخا بين التخشع اثناء الصلاة وبمجرد الخروج من المسجد يلج انفس المصلي الغاب ويشرع في اطلاق الكلام النابي ، واداء اليمين بدون امر من القاضي ليلتف على المتبضعين، ولا سيما بعض من يطلقون لحاهم للايقاع بضحايا او من باب الاقتصاد في استعمال شفرات الحلاقة
4 - soumia الخميس 02 يوليوز 2015 - 12:13
نص جميل يفصح عن التنوع الفكري و الإنسجام اللغوي، وكذا يعالج حالة اجتماعية متناقضة وغريبة يعيشها الناس بين الصبح و المساء في شهر رمضان، تطرح عدة علامات استفهام؟؟؟
هذه الكتابات هي اضافة نوعية لمجال الأدب المغربي عموما و لمجال فن المقالة خصوصا.
تحية خالصة للكاتب السيد عبد الوحيد الرجل الفريد.
5 - Amal الخميس 02 يوليوز 2015 - 12:48
شكرا لهذا الكاتب الذي يعبر بكتابات تعبيرية و تاثيرية توحي لنا على معادلة صعبة الفهم، التي يرصدها الشارع المغربي خلال هذا الشهر المبارك، حيث يصبح الإنفصام في الشخصية منتشر بشكل كبير بين الناس فمنهم من يدعي "الترمضينة" ومنهم من يلتزم باقرأ في النهار و روتانا في الليل.
وكلنا قلب واحد معك يا تونس وتعازينا لك ياسوسة..
6 - ام يوسف الخميس 02 يوليوز 2015 - 16:12
"مات درويش دون أن يعلم أنه ترك تونس جريحة، يقتل فيها الأبرياء، تمزق فيها الأشلاء، بدعوى القرب من الله".
الجريمة المرتكبة، ستضر بالدرجة الاولى المسلمين، سيفقدون مناصبهم، التجار ستنقص مداخيلهم،فاين التقرب من الله
7 - بويحي الخميس 02 يوليوز 2015 - 16:52
سوق درب غلف اصبح منبعا للداء،كل ما يسرق من هواتف يباع ، كل الافلام اللتى تتجاوز "العيوشية " تباع فيه، انه "بيكال "المغرب
8 - الدكتورة أم واصل الجمعة 03 يوليوز 2015 - 02:31
اول ما بدات بقراءة هذا النص شدني الئ آخره بمعلوماته المتدفقة واسلوبه الشيق
سي عبد الوحد كيعجبو يتمشا او يوصل للاحياء الشعبية وينقل واقعها للقارئ
الله يرزقه الصحيحة باش يتمشئ علئ رجليه وينقل لنا ما كيحس به فالواقع
9 - سمسي الجمعة 03 يوليوز 2015 - 10:02
ابداعاتك ترتقي مع كل نص جديد نتجول معك في ازقة البلاد وكاننا حاضرين هناك وفقك الله
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

التعليقات مغلقة على هذا المقال