24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

22/07/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:4506:2813:3917:1920:4022:08
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد بقاء رونار مدربا للمنتخب الوطني المغربي؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | صَاحِبُ " الأَلِف" الذي أنارَ العَالَمَ وَهُو بَصِير..!

صَاحِبُ " الأَلِف" الذي أنارَ العَالَمَ وَهُو بَصِير..!

صَاحِبُ " الأَلِف" الذي أنارَ العَالَمَ وَهُو بَصِير..!

فى الرابع عشر من شهر يونيو الفارط 2015 مرّت الذّكرى التاسعة والعشرون لرحيل الكاتب الأرجنتيني المعروف خورخي لويس بورخيس، أحد أقطاب الأدب الأمريكي اللاّتيني الكبار،الذي وُلد فى 24 أغسطس 1899 ، والمتوفّى عام 1986 عن سنٍ تناهز 87 سنة ،أكبر إحتفاء نُظّم فى إسبانيا لهذا الكاتب الفذّ كان قد أقيم ضمن أشغال، وفعاليات ندوة دولية إنعقدت بالعاصمة الإسبانية مدريد فى ذكرى رحيله قبل الأخيرة ، تحت عنوان "الكتاب مثل الكون" كانت أرملة الكاتب الرّاحل ماريا كوداما قد شاركت فيها بعرضٍ ضافٍ قامت خلالها بتحليل دقيق لعلاقة بورخيس الحميمية بالكتب والمكتبات، نظراً لمزاولته مهنة مدير للمكتبة الوطنية ببوينوس أيريس فى مقتبل عمره، كما سلّطت الأضواءَ على المعايشات التي تسنّى لزوجها من جرّائها خلق" عوالم مكتبيّة " فسيحة خاصة به فى العديد من أعماله حتى أصبح هذا الهاجس عنده رمزاً كلاسيكيّاً للثقافة المعاصرة، وتعرّضت كوداما (التي هى كذلك رئيسة "المؤسّسة الدولية خورخي لويس بورخيس") خلال هذه الندوة إلى مذكّراتها التي تفصح فيها عن حياتها الخاصّة مع بورخيس وسفرياتها معه، كما تتضمّن المذكّرات العديد من الأخبار، والأ سرار التي لم يسبق نشرها أو ذيوعها حول بورخيس من قبل .وتعتب كوداما فى كل مناسبة على النقّاد الذين تطاولوا أو تهجّموا عليها أو على زوجها بعد رحيله ، وقالت إنّ مذكّراتها تسلّط الأضواء على كل ما كان مبهماً ومجهولاً فى حياة بورخيس، ذلك أنّ العديد من الناس، والكتّاب، والنقاد قد نشروا غيرَ قليل من الأكاذيب والإفتراءات،والإدّعاءات، والمبالغات حوله. كما أكّدت ماريا كوداما فى هذا القبيل كذلك :" إنّ نشر هذه المذكّرات جاء نتيجة المعاناة التي كانت تشعر بها حيث سبّب لها كلّ ما نُشر حول بورخيس حزناً عميقاً،وقلقاً مفرطاً وصل بها حدّ الإكتئاب ، بل إنّ كلّ تلك الأكاذيب الملفّقة قد أصابتها بالدهشة، والشدوه من هؤلاء الذين يطلقون الكلام على عواهنه، حتى ولو لم يتعرّفوا قطّ على بورخيس ، على الرّغم من أنّ بورخيس لم ينظر قطّ بعين الإزدراء أو الإحتقار أو الإستصغار نحو أيّ كاتب أو أيّ عمل أدبي، بل إنّه كان يكنّ الإحترام للجميع، حتى وإن لم يتعاطف مع بعض هؤلاء الكتّاب الذين كان لا يتورّع من إنتقاد بعضهم ، ذلك أنّ النقد عنده كان يعني ضرباً من " اللّعب" نظراً لطبعه المرح الذي يميل إلى السّخرية والتسرّي، حيث كان يطبّق ذلك حتى على نفسه وأعماله".!.

إن خبا ضِياءُ العينِ فالرّأيُ ثاقبُ..!

تعرّضت ماريا كوداما على وجه الخصوص إلى المرحلة التي كان فيها بورخيس مديراً للمكتبة الوطنية فى العاصمة الأرحنتينيّة (بوينوس أيريس) وعلاقته الحميمية مع مكتبته الخاصّة، ومع الكتب بشكل عام ، فضلاً عن صلاته وآرائه حول العديد من المؤلفين والكتّاب أمثال "كيبلينغ"، "وايلد" ،"سيرفانتيس"، "كيبيدو" ،"شكسبير"،"شوبنهاور" وسواهم من الكتّاب، والمُبدعين الآخرين الذين كان بورخيس يبدي نوعاً من التعاطف معهم، والإعجاب بهم.

وأكّدت أرملة بورخيس أنّ زوجها ظلّ يقتني الكتب بنوعٍ من الهوس حتى بعد مرحلة إصابته بالعَمى، بل إنّه خلّد إسمَ المكتبة فى إحدى أشهر قصصه القصيرة وهي بعنوان "مكتبة بابل"، ولقد كتب العديد من النصوص عن الكتب،والكتّاب، والمكتبات طول حياته، وقد أشاد غيرُ قليل من النقّاد من مختلف بلدان العالم بإبداع هذا الكاتب الرّائع الذي بدأ حياته " كُتْبيّاً " بسيطاً ،وعلى الرّغم من عاهة العَمى التي أصابته فى شرخ عمره أمكنه أن ينير عوالمَ المُبصرين ،وأن يستضيئ القومُ به، وبأدبه وإبداعاته الوضّاءة . ويذكّرنا هذا الوصف بالبيت العربي الشهير لأبي عليٍّ البصير(الأعمى) الذي يقول فيه :

لئنْ كان يَهديني الغلامُ لوِجهتي / ويقتادني فى السّيرِ إذ أنا رَاكِبُ

فقد يستضيئ القومُ بي فى أمورهم / ويخبُو ضياءُ العينِ فالرّأيُ ثاقبُ.

وقالت ماريا كوداما :"إنّ بورخيس أشاد فى كتابه (المتآمرون) بطيبة الناس، وسجاياهم الفطرية، خاصّة بعد الفترة التي عاش فيها بجنيف التي أقام بها عندما إندلعت الحرب العالمية الأولى، وكان بورخيس يؤكّد أنّ هذا البلد كان مثالاً فريداً للإحترام،والتعايش، والتسامح لتعدّد اللغات التي يتحدّثها الناس به، وكثرة دياناته ، ففي هذا البلد تُحترم الفوارق دون مَحْوها أو العمل على إذابتها، لقد لمس بورخيس بنفسه فى هذا البلد كيف يحترم الناس اللاّجئين،والمُغتريبين حيث ترك ذلك فيه أثراً بليغاً.

كُتبٌ مُلتهبة

وكانت أرملة بورخيس ماريا كوداما قد صرّحت فى نفس السياق :" أنّ بورخيس لو كان على قيد الحياة اليوم لحظي بنفس التقدير الذي أولاه إيّاه قرّاؤه، والمعجبون به وبأدبه فى حياته، فبالإضافة إلى عبقريتة الإبداعية كان رجلًا وفيّاً لمبادئه ، مخلصاً لأفكاره.وتضيف كوداما : " إنّ هذا ناتج عن كون الناس يعترفون بجانب الصّدق فى إبداعاته الأدبي أو بالنسبة لمسيرة حياته".

فبورخيس تعرّض لهجوم عنيف لمناهضته للبيرونية،وقد حرموه من عمله الوظيفي خلال العهد البيروني، أي خلال حكم خوان دومينغو بيرون(1955-1945)، كما أنّ آراءه فى بينوتشيه قد جعلت الأكاديمية السويدية تحرمه كذلك من جائزة نوبل فى الآداب ، وهو الأديب العالمي الذي يحظى باحترام مختلف الأوساط الأدبية فى مختلف أنحاء المعمور . وتضيف كوداما : "هذه الصّراحة التي تميّز بها بورخيس حرمته من العديد من الفرص المماثلة".

تعرّفت كوداما على بورخيس فى سنّ المراهقة، إذ لم يكن عمرها يتجاوز الثالثة عشرة،ذلك أنّ أباها وهو كيماوي ياباني كان صديقاً للكاتب ، وعندما ماتت والدة بورخيس حلّت كوداما محلّها ، حيث تفرّغت إلى نسخ، وكتابة ما يمليه عليها بورخيس من أعمال أدبية حيث كان قد أصيب بالعمى منذ 1950 وصارت ترافقه فى رحلاته وسفرياته وتجواله .

وفى شهر أبريل 1985 تمّ زواج بورخيس بماريا كوداما حيث كان عمره 85 سنة، فى حين لم يكن عمرها يتجاوز الواحدة والأربعين، وفارق السنّ بينهما أفسح المجال للعديد من التعليقات من كلّ نوع ليس فقط من طرف الناس، أو الكتّاب أو النقّاد، بل حتى من طرف وسائل الإعلام ،إلاّ أنّ بورخيس وكوداما كانا يستقبلان هذه التهجّمات بنوع من الهدوء، واللاّمبالاة، والتهكّم وقد وقفا بالمرصاد لألسنة السّوء التي تحوّلت عند موت الكاتب إلى "كتب ملتهبة" حول العلاقة التي تجمع بينهما ، كما كانت هناك خلافات، ونزاعات بشأن إرث بورخيس، حيث ما فتئت الإنتقادات اللاّذعة ، والتهجّمات الشديدة توجّه إلى ماريا كوداما إلى اليوم من مختلف الجهات داخل بلدها الأرجنتين وخارجا .

توابع وزوابع بورخيّة

وتتميّز هذه المرأة التي لا تستقرّ بمكان ، والتي لم تفتأ تسافر من بلد إلى آخر بحماس متوقّد ونشاط متواصل وهي تلقي المحاضرات بدون إنقطاع حول أعمال زوجها الواسعة والغزيرة،بسحر خاص، وجاذبية لا تقاوم ،فبالإضافة إلى نشاطها ككاتبة ،فقد قامت بالإشراف التام على بناء حديقة فى بوينوس أيريس أطلق عليها " متاهات بورخية" حيث كانت قد تلقت "مؤسّسة بورخيس" فى شكل هدية تصميما لهذا المشروع المستوحى من أعمال بورخيس وهو من وضع "راندال كواطي"الذي كان يعمل دبلوماسياً لبريطانيا فى بوينوس أيريس، كما قامت ماريا كوداما بدون كلل بإجراء إتصالات مع بلدية العاصمة الأرجنتينية فى هذا الشان، وعملت بنشاط منقطع النظير على غرس الاشجار التي أحيطت " بمنتزه بورخيس" كما عملت أيضاً على إعداد، وتنظيم، ندوات كبيرة متعدّدة لعلماء اللغة الإسبانية سلطت فيها الأضواء على أعمال بورخيس الإبداعية والتي تمّ تنظيمها فى الأرجنتين وفى بعض بلدان أمريكا اللاتينية، وأوربّا، كما عملت على إصدار الأعمال الكاملة لبورخيس بعد أن أضيفت إليها جميع التعديلات والتنقيحات التي قام بها الكاتب نفسه قبيل رحيله. كما قامت مع العديد من الجهات التى تُعنى ببورخيس وبأعماله على إعداد مشاريع وأنشطة أدبية أخرى موازية كوضع باقات من الورود، والقصائد على واجهات السيارات فى مناسبات عيد ميلاد بورخيس الذي يصادف 24 أغسطس من كلّ عام . وتنظيم ندوات دراسية فى تواريخ متفاوتة،وأماكن مختلفةحول بورخيس وأدبه، بمشاركة العديد من الأساتذة الجامعيين، والباحثين، والمهتمّين، والمتتبّعين لأعمال هذا الكاتب الكبير .

وتشير كوداما أنّ هذه الأعمال من الأهمية بمكان بالنسبة للدارسين المتخصّصين فى بورخيس حيث سيتسنّى لهم الإطّلاع على الطريقة التي كان يعمل بها هذا الاديب الذي كان يشذب، ويهذب أعماله بدون إنقطاع بعناية فائقة كصانع محنّك،أو فنّان مُلهم .كما عملت كوداما فى العديد من المناسبات على تنظيم معارض لرسّامين مشهورين أرجنتينيين إستوحوا لوحاتهم من أعمال بورخيس، ومن توابعه وزوابعه، خاصّة قصيدته القمرية التي يحكي فيها قصّة وصول الإنسان إلى القمر، وتشير كوداما فى هذا الصدد: "إنني أتذكّر جيّداً حماس بورخيس وفضوله من اليوم الأوّل لوصول الإنسان إلى القمر، حيث رأيناه بواسطة التلفزيون ، كان بورخيس يبدو كالطفل حيال هذا الحدث، "وتضيف" :"إنني أقول رأينا لأنه كان عليّ أن أحكي له أدقَّ التفاصيل،والجزئيات عمّا كان يجري فى الشاشة الصغيرة".

على زورقٍ من ورق

وتشير أرملة صاحب "الألف" :" لقد صنّفوا بورخيس كسيد فيكتوري، يتحدّث عن متاهات، ونُمر، ومرايا، إلاّ أنه كان شخصاً لطيفاً خفيفَ الرّوح ومغامراً."وتضيف": كانت أمنيته وحلمه أن يعيش فى زورق من ورق البردى ،أومركب مصنوع من خشب بمجرى غياب نهر التامسيس، إلاّ أنه عندما تزوّجها جعلته يتخلّى عن هذه الفكرة بعد أن حدّثته عن المخاطر التي قد تعتريها، كما أنه كان يستقبل العديدَ من الكتّاب، والنقاد، والطلبة، والمعجبين به.

وتشير الناقدة "فيكتوريا أسوردوي" إلى أنّ غاية كوداما من نشاطها المتواصل على رأس مؤسّسة بورخيس هي الإستمرار فى إعلاء الشّعار الذي سبق أن رفعته وتبنّته منذ رحيل زوجها، وهو إخلاصها الدائم لهذا الرّجل الذي لا تفتأ تصفه فى كل مناسبة بأنه كان ذا حساسية مفرطة ، حيث عانى بسبب ذلك الكثير ،إلاّ أنه أمكنه دائماً إنقاذ أعماله من المشاكل اليومية و من صروف الدهر والحياة" . لم يفتأ العالمُ حتى اليوم يعمل على إكتشاف، وإستكناه، وإستغوار، وإستنباط، وتقييم أعمال ذلك المبدع الأرجنتيني الذي حُرم نعمة البصر ولكنّه وُهب بالمقابل ببصيرة نافذة ثاقبة ، والذي يذكّرنا عندما نقرأ له ببشّار، والمعرّي، وأبي عليّ البصير، وطه حسين،ويوسف الدجوى، وإبراهيم الإيباري، ومحمد المعداوي، ومحمد حسنين البولاقي (والد أحمد حسنين باشا) وسواهم.تقول كوداما : إنّ عفّة بورخيس وخفره وإحترامه للآخرين جعل أدبه يتّسم بالعمق والشفافية والصدق حيث جعل من هذه الأعمال بحثاً دائماً عن كنه الإنسان وماهيته، وقد أدخلت هذه الاعمال السّرور والفضول، والمتعة والتطلّع فى قلوب وعقول القرّاء فى مختلف أنحاء العالم على تفاوت أعمارهم ، وما يزال تأثيرها يتعاظم على مرّالسنين ليس فقط فى اللغة الإسبانية التي كتب بها هذه الأعمال، بل فى مختلف اللغات التي نقل إليها هذا الأدب وفي مقدّمتها اللغة العربية.

آخر تقديم لبُورخيس

ما هي آخر الكلمات التي أملاها الكاتب خورخي لويس بورخيس قبيل وفاته فى جنيف؟ لقد كان الجواب عن هذا السؤال حتى الآن سرّاً محفوظاً من طرف أرملة الكاتب الراحل ماريا كوداما. إلاّ أنّ مطبوعاً تحت عنوان " آخر تقديم لبورخيس" كان قد صدر فى بوينوس أيريس أثار جدالاً حادّاً بين قرّاء بورخيس ،ونقاده، والمعجبين به.

بادرت ماريا كوداما على إثر ذلك إلى توجيه مجموعة من الرّسائل إلى مختلف الجرائد والمجلات الارجنتينية توضّح فيها ما يلي:"أريد ان أنبّه القرّاء إلى مدى الزّيف الذي ينطوي عليه هذا العنوان:"آخر تقديم لبورخيس" إذ حسب أرملة الكاتب فإنّ آخر تمهيد أو تقديم كان قد كتبه الكاتب هو المتعلق بالطبعة الفرنسية لأعماله الكاملة ضمن السلسلة "بليار"عن دار النشر الفرنسية المعروفة "غاليمار".

وتؤكّد كوداما أنّ بورخيس كان قد أملى عليها هذا التقديم ،إلا أنه لم يتمكّن من إنهائه وإتمامه ، وتضيف كوداما:"إن ناشر هذه الأعمال الكاملة وهو الفرنسي "جان بيير بيرنيس" شرح كيف أنّ هذا هو بالفعل آخر تقديم كتبه بورخيس فى حياته، والذي ظهر أو أدرج فيما بعد ضمن الأعمال الكاملة إياها.لماذا إذن وكيف ظهر النصّ الأرجنتيني الذي سبّب فى إثارة هذا النقاش بين النقاد، والمثقفين، والمعجبين، والمتخصصين فى بورخيس ؟ الواقع أنّ هذا الكتاب يضمّ 11 قصة لبورخيس وفى التقديم المختصر الذي وضعه لهذا الكتاب يشير أنّ 9 من الأعمال المُدرجة فى هذا الكتاب هي من أجمل منتقيات إنتاجه الأدبي، و من ثمّ تشكّ ماريا كوداما بالتالي فى صحّة ومصداقية هذا التقديم الذي يشير بورخيس فيه: "لقد خامرني الشكّ ذات يوم بكون الأعمال الكاملة إنمّا هي خطأ ذو أصل تجاري أو إحترافي، فأيّ رجل له الحقّ فى أن يستمع إلى حكم النقاد حول أنصع صفحاته ، وليس فقط حول تسليات وشطحات قلمه أو رسائله العرضية، إنّني أريد أن أتصوّر أحكام النقاد حول النصوص التسعة بالذات الموالية وليس حول صدى تلك القصص فى الذاكرة".

صفحاتٌ طالها النّسيان

قال بورخيس :

ليس من حقّ أحدٍ

أن ينتقصَ بالدّموع أوالعتاب

من شأن هذا الإعتراف البارع

بالتفوّق والمهارة

حيث منحني الله

بسخريةٍ رائعة

وفى الوقت ذاته

الكتبَ والليلَ..! *

عيّن بورخيس عام 1955- كما أكّدت ذلك ماريا كوداما- مديرا للمكتبة الوطنية لبوينوس أيريس ،كان هذا المنصب حلم يراوده فى تلك الأيام ،ومن غريب الصّدف ومفارقات الأقدار أنّ إثنين من الكتّاب المرموقين فى الأرجنتين تولّيا كذلك هذا المنصب ،وكانا هما الآخران قد فقدا النظر مثل بورخيس وهما "خوسيه مارمول"و"بول غروساك". وقد عمل بورخيس على إعادة إصدار مجلة "المكتبة" التي كان قد أنشأها "غروساك". كان بورخيس كُتْبيّاً عاشقاً للكتب ،وقد ظهر ذلك جيّداً فى مختلف أعماله وإبداعاته ، وقد كتب بضعة فقرات كتقديم للمجلة المذكورة ، والواقع أنّ ما كتبه بورخيس فى هذا التقديم ظلّ صفحة مجهولة أو منسيّة للكاتب الأرجنتيني العالمي. وقد عنون بورخيس هذه الصفحة ب "النوايا"، وعلى الرّغم من قصرها فإنّ القارئ واجد فيها مميّزات هذا الكاتب ، بل لابدّ أنه سوف يشمّ فيها ما أبرزته أعماله الأدبية من قيم، وأفكار،ومواضيع، إذ تترى فيها معاني النسيان ،الخلود، الأحلام، المجد، جلال الآداب القديمة ،الشّرف، الكرامة،الصّبر،هندسة المعمار، الفلسفة،وبالجملة يجد فيها القارئ نموذجاً رائعاً " للأسلوب البورخي" المميّزالذي أصبح شعاراً للآداب الإسبانية المعاصرة.

من جملة ما جاء فى هذا التقديم :"المكتبة لا حدود لها ،إنّها مطاوعة ، كريمة ،معطاء ،تعلّمُ الصّبرَ، وتلقّنُ الأناة،إنها تضمّ وتحفظ جميع الكتب ،إن أيّ كتاب فى يوم مّا قد يكون نافعاً، وذا جدوى لأحد،وقد يجد فيه القارئ ما ليس نافعاً، ولا مجدياً له، تسعى المكتبة بأن تصبح جميع الكتب، بمعنى آخر تسعى بأن تصبح كلّ الماضي دون تنقية أو تصفية أو تبسيط النسيان. المكتبة مثل الكون،بل إنّها الكون ذاته بكلّ معارفه ،وقوانينه ،ونواميسه ،وأنظمته،أمّا المجلة بخلاف المكتبة فهي ذات نزعة إنسانية ، وهي معرّضة للإطراء والخلافات ، ذلك أنها تمثّل وتقدّم المكتبة، لذا فهي تثير الفضول مثل هذه الأخيرة،بل إنها ليست أقلّ منها تجانساً وتغايراً،إنها دائرة المعارف وجميع العلوم وليس التاريخ وحده ، ذلك أننا نعرف اليوم أنّ التاريخ ليس بعيداً عن شحذ السّيوف القديمة والنصوص الجيّدة ، وهو ليس أمراً مصنوعاً أو جاهزاً بل إنّه يصنع فى الأحلام وفى جنح الليل . فى مرحلتها الثانية تتطلّع هذه المجلّة بألاّ تكون مصدر حنق لمؤسّسها الأوّل "بول غروساك" ولا للأزمان العسيرة الصّعبة التي قيّض الله لها أن تعيش فيها كلّ مجلّة ، كما أنّ كلّ كتاب إنمّا هو حوار".**

*عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم - بوغوطا- (كولومبيا).

**نصوص بورخيس الواردة فى هذا المقال من ترجمة كاتب هذه السّطور عن أصولها فى اللغة الإسبانية.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (3)

1 - مواطن من تطاون الاثنين 13 يوليوز 2015 - 12:31
أستاذي الكريم الجليل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
لست أديبا ولا كاتبا ولا ناقدا، بل متتبعا متواضعا للأعمال الأدبية والفكرية المنسوبة لشخصك الكريم في هذه الصفحات الذهبية للموقع الالكتروني لمجلة هيسبريس. وفي خضم قرائتي لعملك السردي عن الكاتب العالمي بورخيس آلمني ما قرأت عن أن هذا الأديب المتميز ارتبط بزواجه بالكاتبة ماريا كوداما التي كانت تصغره بسنوات طوال ، وبالرغم من ذلك طوعت نفسها وأجهذت فكرها وعقلها فأحبت هذا الشيخ الضرير الذي يكبرها عقودا ليست بالقليلة، وهذا ما يذكرني بقصة حب رائعة لامرأة عزيز مصر للنبي يوسف عليه السلام، فاذا كانت زليخة فتنت وشغفت بحسن وجمال النبي يوسف وبأخلاقه العلوية، فان ماريا كوداما قد شغفت بحب خيال وفكر الأديب بورخيس ، التي استرخصت حياتها وروحها من أجل خدمة هذه الهامة الأدبية السامقة التي ذاع صيتها في عالم الفكر والأدب.
2 - محمد بداوي / وجدة الفيحاء الاثنين 13 يوليوز 2015 - 18:49
السلام عليكم ..أستاذي الطيب ، بعد التحية والاحترام
تغمرني سعادة كبيرة وأنا خلال هذا الشهر الفضيل أتابع بشغف عظيم كل مقالاتكم الرصينة المتنوعة.في جريدة العلم والقدس
في جريدة العلم والقدس والمياسة ، سودارس ، جهات ، مغرس ، هسبريس والخ..مقالات مفيدة جدا للاطلاع على ثقافة شبه الجزيرة الايبيرية ، بأسلوب رفيع المستوى بالعربية والاسبانية .
فوجئت أيضا بمقالات عن الحمام وأقاصيص عن تاريخه وخصائصه ،
والفراشات العاهلات، والفايكنج ،والكتاب الأكثر سعادة في العالم، والنور يأتي من غرناطة ، وأمين معلوف ، ومقال رائع جدا عن أنطولوجيا الشعراء المحبطين ، وثمانو حولا في خدمة الادب الأندلسي ، وتغريد البلابل وشدو الشعراء.
رائعة هي مقالاتكم عن الشاعر العظيم أدونيس في افتتاح مهرجان غرناطة الشعري ،والشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي وقصيدته الرائعة :LARA. ولن أنسى مقالاتكم عن : محمد الصباغ و عبد الهادي التازي والمهدي المنجرة.
ولوركا ، نيكانور بارا ، ميكيل انخيل أستورياس ،
المخطوط القرمزي
قصة ابن السراج والحسناء شريفة
فيلم كازابلانكا
غابرييل غارثيا ماركيث
بيكاسو
مراكش .
أجدد لكم تشكراتي
HASTA LUEGO
3 - صوت من مراكش الثلاثاء 14 يوليوز 2015 - 02:03
في تعليق لي سابق بمناسبة نشر المقال نفسه بجريدة القدس العربي في الاسبوع

الماضي اشرت الى صدفة تزامن وفاة خورخي لويس بورخيس وصعود نجم

الارجنتين الاسطورة مارادونا الذي خطف كل الانباء آنئد فجاءت وفاة بورخيس

حدثا ثانويا وبدون صخب اعلامي ، وما كنت ادري ان الرجل كان يكن كرها

لكرة القدم حتى اطلعت على مقال نشرته صحيفة برازيلية وورد فيه مايلي:

فبورخيص، و على عكس مواطنيه، لـم يكن يرى في كرة القدم تلك اللعبة الجميلة ، بل بالعكس وصفها بأنها “قبيحة استطيقياً”… كما قال عنها أنها منتشرة “لأن الغباء منتشر”، و أنها “من أفدح جرائم إنجلترا”… و وصل كرهه لكرة القدم، أنه تعمد أن يتزامن موعد إحدى محاضراته مع المباراة الافتتاحية للأرجنتين في مونديال 1978.
لكن نفور بورخيس من كرة القدم ينبع مما هو أعقد من معايير الاستطيقا والجمال، لأن مشكلته الأساسية كانت مع ثقافة جماهير الكرة التي كان يُحمّلها مسؤولية ذاك التأييد الشعبي الأعمى الذي حمل على أكتافه أبشع ديكتاتوريات القرن العشرين، حتى أنه كتب مرة عن كرة القدم أنها تزاوج “فكرة السيادة والسلطة، وهي فكرة تبدو لي مريعة

وتحياتي
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

التعليقات مغلقة على هذا المقال