24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

22/11/2017
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:3307:0312:1815:0117:2518:43
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

استطلاع هسبريس

من المسؤول عن تنامي الاعتداءات ضد الأساتذة؟
  1. باطما تختار غناء "ناويين نية" باللهجة الخليجية (5.00)

  2. "مجموعة الشعبي " تستثمر 80 ملياراً في صناعة الورق والكارتون (5.00)

  3. المحكمة تضع "معنف الأستاذ" بمركز حماية الطفولة (5.00)

  4. المدير الجديد لمستشفى مكناس يجالس محتجين (5.00)

  5. الجزائر وحشيش المغرب (5.00)

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | جامعات مغربية وغياب الاقتصاد الإبداعي

جامعات مغربية وغياب الاقتصاد الإبداعي

جامعات مغربية وغياب الاقتصاد الإبداعي

يبدو أن الجامعة المغربية اليوم تحاول مسايرة مراحل التطور الرأسمالي، بإحداث إصلاحات إدارية وبيداغوجية قصد ملاءمة برامجها وتكويناتها مع المحيط السوسيو اقتصادي، والانفتاح على شروطه الاقتصادية؛ لكن السؤال الجوهري الذي يطاردنا دوما في هذا السياق هو: هل نجحت الجامعة المغربية في تحقيق أهدافها الأكاديمية؟ هل استطاعت فعلا أن تلبي حاجيات سوق الشغل؟ وهل يوجد سوق شغل إنتاجي مهيكل، يوظف الخيال ويستثمر في الابتكار، سوق قادر على استيعاب خرّيجي هذه الجامعات؟.

لا يبدو أن أجوبة شافية تلوح في الأفق لحل هذه الإشكالات المطروحة حتى الآن، بدليل أن الطالب الجامعي قد تحول منذ عقود إلى فأرة مختبر تخضع لتجارب مخبرية باتت معظمها فاشلة، غير قادرة على إخراج التعليم الجامعي من براثن العطالة الوظيفية. وعلى الرغم من خوض الجامعة في تجارب إصلاح بيداغوجي بنسخ متعددة، لم تفلح حتى الآن في إيجاد الوصفة أو الوصفات العلاجية لداء المفارقة بينها وبين المحيط السوسيو اقتصادي الذي يتطلب كفاءات ومهارات دقيقة، لا يبدو أنها تتوفر في كراسات محاضراتها، هذا رغم أن مفهوم السوق يظل فضفاضا، ولا تتم مناقشته بشكل علمي، حتى يتبين للجامعيين ما هو المطلوب منهم أصلا بملاءمة برامجهم مع حاجيات هذه السوق. لقد تعددت نسخ الإصلاح البيداغوجي، وارتجلت الوزارة الوصية عدة خطط وتصاميم انتهت في الأخير بإخراج نموذج المجزوءات والوحدات والمسالك، وهكذا استوردنا تصميم المسالك الأوروبية، وتم تعويض النظام الأكاديمي المستورد بدوره قديما بنظام الوحدات الجديد، وتخلت الجامعة عن تدريس المواد على مدار السنة لتعوضها بمجزوءات تدرس لمدة لا تقل عن 14 أسبوعا في ظرف أسدسين على مدار السنة الجامعية. لكن هل هذا هو جوهر الإصلاح البنيوي المنشود؟ هل يتوقف الإصلاح البيداغوجي بأكمله على صنع ماكيت أو هندسة بيداغوجية تم ملؤها بالتخصصات الكبرى في جوهرها القديم، مع إضافة بعض المستملحات المعرفية الجديدة، كالدراسات الجندرية وما بعد الكولونيالية وغيرها، ثم تعليب البرنامج الجديد/القديم في وجبات معرفية سريعة، أُطلق عليها اسم "الوحدات"، ودُبّجت في غلاف زمني لا يتعدى 36 ساعة من الحضور، دون احتساب العطل والإضرابات. وهكذا تم تعميم هذا النموذج الواحد المتشابه على أوسع نطاق بالجامعة المغربية.

لم ينتج الإصلاح الجديد التنوع المطلوب في المسالك والوحدات، ولم يخلق الوحدات الاختيارية التي تمكن الطالب من حرية الاختيار على حسب تطلعاته المهنية، كما يقع في الجامعات الأوروبية، بل على العكس أفرز هذا النظام وحدات ومسالك متشابهة عابرة للجامعات المغربية، تشمل مداخل ومقدمات إلى النظريات والسرديات الكبرى. وهكذا حافظت الجامعة على طابعها الكلاسيكي القديم عبر اختزال المعرفة في معلبات الاستهلاك المعرفي السريع، وكأن الاقتصاد المغربي يسير بسرعة الاقتصاديات المتقدمة، إذ قامت شعب كالأدب العربي والتاريخ والسوسيولوجيا واللغات الأجنبية وغيرها من الشعب بإيجاز المواضيع التي كانت تدرس على مدى سنة كاملة في معلبات جاهزة مقلصة للاستهلاك السريع في ظرف زمني قياسي، وهكذا دخلت الجامعة من بابها الواسع إلى عولمة المعرفة على الطريقة "الماكدلونادلزية".

وتعتمد الجامعة المغربية الآن في جل مسالكها الأساسية وجبات سريعة بمفاهيم كلاسيكية قديمة، وتدرس تخصصات قد يرجع زمنها إلى السبعينيات، إن لم نقل إلى التقسيم الذي كان سائدا في أوروبا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وهكذا، قد تجد مسالك في مستويات مختلفة من إجازة وماستر تكرر نفسها بالانكباب على شرح مفاهيم النظريات الكبرى والتخصصات العامة والسرديات الأساسية، دون الاطلاع حتى على المناحي الجديدة التي أفرزتها هذه التخصصات من علوم اجتماعية وإعلامية وثقافية.

ما على القارئ إلا أن يتصفح مواد التدريس في مسلك التاريخ والعربية والسوسيولوجيا والدراسات الإسلامية واللغات ليقارن ماذا تغير بين الأمس واليوم في المقررات الأكاديمية، وهل فعلا استطاعت الجامعة خلق تكوينات جديدة بما تحمل الكلمة من معنى أم استُبدل اسم الشعب باسم المسالك والمواد باسم الوحدات، وتقلصت المدة الزمنية لتفضي بنا إلى معلبات معرفية جاهزة للاستهلاك في وقت وجيز تماشيا مع سرعة عصر العولمة، مع العلم أن وتيرة الحياة الاجتماعية والاقتصادية خارج أسوار الجامعة المغربية مازالت تسير ببطء السلحفاة، بل وترزح تحت وطأة الخواء الفكري والمعرفي؟ ماذا يعني أن تتوفر كل شعبة على مسلك أساسي يتيم، يكرر نفس العنوانين والمباحث والمواضيع التي تدفق بها النظام القديم شغفا وحبا؟ أليس هذا تكرار نظام الإجازة القديم في أسوأ تجلياته؟ .

نسردها فقط للتاريخ: قامت الشعب أو لجن "الخبراء" التي انبثقت من المؤسسات الجامعية باستنساخ المواد القديمة وإفراغها في معلبات مضغوطة مقلصة تماشيا مع موضة الوحدات، ثم رشتها بإضافات جديدة، حتى تبدو معارف مٌحيّنة تنتمي إلى زمن الحاضر، وهكذا دخلت الجامعة ماكدونالدز بوصفات سريعة، لم تمكن الطالب المغربي حتى الآن من الشبع المعرفي ولا من التسابق نحو اكتساب المزيد من المعرفة أو ولوج سوق الشغل بسلاح معرفي قوي يمكنه من التنافس على الوظيفة.

إن الجامعة ماكدونالدز في المغرب تتسم بالتشابه في البرامج والمسالك والعنوانين على الرغم من أن أساتذتها يقومون بأبحاث أكاديمية فردية في مجالات مختلفة. وهنا نصطدم بالسؤال التالي: لماذا لا ينعكس هذا التنوع في البحوث على التنوع في البرامج التي تقدمها الجامعات المغربية؟ أليست هذه قمة العبث أن نكرر الدروس والبرامج في جميع أنحاء المغرب، وفي مستويات مختلفة بين الإجازة والماستر، وكأن الجهوية الموسعة إنشاء على ورق غير قابل للتطبيق، وكم من برامج في المغرب أعدمت بين أغلفة المشاريع الوهمية التي توجه للاستهلاك الشعبي وإلهاء الجماهير؟.

هل هكذا يتم تطبيق الإصلاح؟ هل هذه هي الجامعة التي تعتبر قاطرة التنمية في بلدان الاقتصادات الإبداعية المنتجة؟.. قبل أن نقوم بطرح البدائل والتصورات الممكنة لخلق دينامكية جديدة بالجامعة المغربية، يجب أن ننطلق من مقاربة شمولية واضحة: إن إصلاح الجامعة ليس مرتبطا بمشاكل قطاع التعليم، ويتوخى مقاربة قطاعية لمباشرة إعادة هيكلته، وإنما هو مرتبط بسياسة دولة، أصبح من الضروري أن تأخذ على عاتقها محاربة اقتصاد الريع الذي ينحصر في استغلال الضيعات الفلاحية ورخص النقل والصيد، ويستهلك ثروات طبيعية في البناء والزحف على المساحات الخضراء، إلى بناء اقتصاد إنتاجي قادر على الاستثمار في الخيال والإبداع الثقافي، أي اقتصاد في استطاعته أن ينهض بالإنتاج الأدبي والعلمي بشتى أنواعه. إن الحقيقة الخفية التي يواجهها الاقتصاد المغربي هو أنه لن يستطيع الصمود إذا ما تخلف عن ركب الاقتصاد الإبداعي الذي أحدث الطفرة في الاقتصادات العالمية التي نقلت مجتمعاتها من التصنيع إلى تكنولوجيا التواصل، فأصبحت مجتمعات إبداعية بامتياز.

إن المجتمعات المعرفية التي ظهرت في سنوات الخمسينيات من القرن الماضي في أوروبا وأمريكا وكندا اتصفت بالمظاهر التالية:

- نمو القطاع الخدماتي الذي عوض نسبيا القطاع الصناعي باعتباره العامل المركزي في ضخ الأموال بميزانية حكومات هذه المجتمعات.

- منح الأولية للمعلومة والمعرفة بوصفهما عوامل أساسية في الإنتاج الرأسمالي.

- تكثيف الإنتاج الإبداعي، وتأهيل المجتمع للقراءة والكتابة.

- ظهور طبقة اجتماعية جديدة تتمثل في النخب التقنية في العصر ما بعد الصناعي، ما يعيد النظر في التقسيم الاجتماعي القديم بين النموذج القروي والنموذج الصناعي الحضري.

أصبحت النظريات السوسيولوجية التي تفسر التغير الاجتماعي الذي حدث في المجتمعات الغربية عموما تأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الجديدة التي ظهرت مع التطور المعلوماتي والتكنولوجي وتكثيف الإبداع والاستثمار في الخيال باعتبارها موارد اقتصادية مهمة، وهذا يحيلنا في السياق نفسه على المفهوم الجديد، ألا وهو الاقتصاد الإبداعي (creative economy). يعرّف ترامبلاي هذا المفهوم بأنه لا يقتصر فقط على الصناعة الثقافية بمفهومها لدى مدرسة فرانكفورت، ولكن يضم أيضاً صناعات إبداعية وصناعة الحواسيب والهواتف الذكية والبرامج المعلوماتية، وفن التصميم، وغيرها من الصناعات التي توظف الخيال الإبداعي. هذا المفهوم الذي استقطب الباحثين مؤخراً في الدراسات الاقتصادية والسوسيولوجية باعتباره إبدالا جديدا نحو نموذج متعدد التخصصات يحمل في واسطته تداخلا بين الاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا، ويتمركز حول المحتويات الإبداعية والخدماتية. إن ولوج الثقافي والتواصلي والمعلوماتي إلى منطق التجارة والصناعة أدى وسيؤدي حتما إلى تغيرات في طريقة عمل هذه القطاعات الاقتصادية؛ ناهيك عن التغير الجذري في البنية الرأسمالية في حد ذاتها. لنأخذ على سبيل المثال القيم الرأسمالية الجديدة التي اكتسحت جميع القطاعات باختلاف تخصصاتها: إن الإبداع والجودة والمرونة والخيال والتفرد، كلها قيم تنحدر من مجال الاقتصاد الإبداعي الذي يستثمر في الثقافة والتواصل بالأساس.

يضخ الاقتصاد الإبداعي ملايين من الدولارات في خزينة الدول المعلوماتية مثل الصين (61,360)، وإيطاليا (28,008)، والولايات المتحدة (25,544)، وألمانيا (24,763)، وبريطانيا (19,030)، وفرنسا (17,706)، وكندا (11,377)، وبلجيكا (9,343)، وإسبانيا (9,138)... كلها أرقام بالملايين لسنة 2005 سيقت هنا للقارئ على سبيل الاستئناس حتى يتمكن من فهم دور الجامعات والمعاهد في تكوين طبقات اجتماعية جديدة تشغل وظائف تقنية وإبداعية متخصصة في مجال الصناعات الثقافية، وكذلك ليدرك أن الثقافة العضوية للشعوب أصبحت هي الأخرى محط استثمار وتصدير لمجتمعات أخرى. ويشهد العالم موجة جديدة من الزحف والاستعمار، ألا وهو الزحف الثقافي الذي يصدر الألعاب والأفلام والإشهار والبرامج المتلفزة وغيرها من المعلومات الموثقة لغزو مجتمعات أخرى مازالت لم تتسلح بعد بثقافة المعلومة، بل هي سهلة التدجين تحت ضغط الآلة الدعائية الرأسمالية.

لماذا لم تنتقل هذه المجتمعات الأخرى صحبة المجتمعات المتقدمة إلى اقتصاد المعرفة والخيال والإبداع؟ ما سر تخلف هذه المجتمعات عن ركب العولمة المعلوماتية، حتى تسجن في قفص مستهلكي ثقافة الحاكم؟ ماذا حصل في تاريخ هذه المجتمعات المتخلفة حتى أصبحت اليوم تقوم بدور المستهلك الدمية الذي تحركه القوى الاقتصادية متعددة الجنسيات؟.

يقول أونغ إن الشعوب المتقدمة بما فيها بعض الشعوب الآسيوية مرت بثلاث حقب تاريخية مهمة، حيث انتقلت ثقافات هذه الشعوب من مرحلة الشفهية، بعد اكتشاف الطباعة، إذ انتشرت القراءة والكتابة على نطاق واسع، وظهرت الرأسمالية الطباعية في المرحلة الثانية لتغزو السوق بجميع أنواع الكتب والصحف والمطبوعات، ما أهل هذه المجتمعات لاستقبال المولود الجديد، ألا وهو الاختراع التكنولوجي الرقمي الذي سيدخل هذه المجتمعات في مرحلة ثالثة، أُطلق عليها اسم "الشفهية الثانوية".

إذن، ماذا وقع لنا نحن في العالم الثالث؟ بكل بساطة، نحن نمر الآن وفق أونغ دائما، من المرحلة الشفهية الأولى إلى المرحلة الشفهية الرقمية أو الثانوية بعد القفز على مرحلة أساسية في تاريخ ثقافة الشعوب المتقدمة، ألا وهي مرحلة الكتابة والطباعة، تلك مرحلة تخلفت عنها جل مجتمعات العالم الثالث، وهي مرحلة مؤسسة للمعرفة في تاريخ المجتمعات المتقدمة، إذ شهدت إنتاج العلوم والأدب والفلسفة والنظريات الكبرى، كما شهدت تطور المجال العام وترسيخ مبادئ الديمقراطية، فأهلت الشعوب المتقدمة لخوض غمار المرحلة الثالثة.

أين نحن من هذا؟ بسبب عدة عوامل اقتصادية وسياسية وتاريخية، قمنا بالقفز على المرحلة الثانية، ولم نحاول تدارك المسافات البعيدة وطي الأشواط التي حققتها المجتمعات المتقدمة. وبعد استقلالنا من الاستعمار المسلح، بقينا نرزح تحت وطأة الاستعمار أو الإمبريالية الاقتصادية بشتى تجلياتها. ماذا أعدّ المجتمع المغربي والجامعة المغربية من مصفاة على ذكر شومسكي لغربلة المعلومة التي تحملها لنا يوميا أمواج العولمة الدعائية؟ هل سيظل المغرب مستهلكا صامتا لثقافة مصنعة، تنتجها شركات عملاقة بإيديولوجيات إمبريالية، أم سيستعد لدخول المنافسة بقمر صناعي جديد، قد يمكنه من توظيف الطاقات المحلية والاحتكاك بالخبرات الأجنبية وتجميع المخزون الثقافي الهائل، والاشتغال عليه إبداعيا قصد تسويقه محليا ودوليا؟ هل ستصبح جامعتنا يوما تنتج ثروة حقيقية، وتعتبر محركا رئيسيا للاقتصاد الوطني؟.

ستظل مجموعة من التساؤلات مطروحة على واقع الاقتصاد الوطني في الظروف الراهنة أمام تدفق أعداد هائلة من خرّيجي الجامعات على ساحة العطالة. ما هو السبيل لحل معضلة البطالة الجامعية؟ هل نقفل هذه الشعب والتخصصات، أم نعمل على تطوير اقتصاد إبداعي يستطيع استيعاب الطاقات التي تصدرها الجامعة المغربية، والتي هي الأخرى مطالبة بتغيير برامجها نحو متطلبات سوق إبداعي جديد؟ ليعلم ساسة هذا البلد أن العالم اليوم قرية صغيرة، تتحكم فيها شركات عملاقة تضع شروطها للعمل، إذ ما يهمها هو تحقيق الأرباح، فهي تشترط التأهيل والمهارات التقنية والتواصلية والإبداع، ولا يهمها بتاتا ما إذا كان هذا العامل مغربيا أو موريتانيا. إن الانتماءات العرقية أو الهوية الوطنية تذوب أمام شروط المهارة والمعارف المطلوبة في السوق، فالهند مثلا قد تصدر عمالة غير مؤهلة لأمريكا، بينما تصدر عمالة جد مؤهلة من أطباء ومهندسين لإنجلترا.

يجب أن نعي جيدا أن مستقبل الاقتصاد الإبداعي في المغرب هو رهين بالدرجة الأولى بسياسة دولة، تخرج الاقتصاد الوطني من نموذج الريع الذي يستثمر بشكل غير منظم في العقار والاستغلال العشوائي لمقالع الرمال ولتراخيص صيد السمك في أعالي البحار، وبالدرجة الثانية رهين بتأهيل المجتمع فكريا ومعرفيا نحو الاستثمار في الخيال، وهذا لن يتحقق بدون إرادة سياسية تعمل على محو الأمية ونشر ثقافة الكتابة والقراءة، وتشجيع الخيال باعتباره محركا أساسيا لاقتصاد المعرفة.

لن تستطيع الجامعة المغربية الانعتاق من قمقم التخصصات المعرفية الكبرى، لكي تتجه نحو التخصصات الدقيقة دون وجود أرضية اقتصادية إبداعية صلبة تستقبل خرّيجي هذه التخصصات الجديدة، ودون تأهيل الأطر الجامعية وإعادة تكوينها في تخصصات دقيقة مرتبطة بمجال تكوينها المعرفي العام، وتطوير اللغة الانجليزية كأداة للبحث الأكاديمي.

إنه لمن العبث أن تقوم جميع المؤسسات الجامعية بإعادة إنتاج مسالك إجازة مكررة في جميع أنحاء المغرب بأسلوب ومبادئ ماكدونالدز. لقد حان الوقت للتفكير في إبدالات جديدة تؤسس لاقتصاد معرفي جديد، ينبني على الإبداع والاستثمار في الخيال، ويسوق الثقافة بأشكالها المتنوعة؛ فلما سيتم إنشاء جامعات بتخصصات جديدة، تبتعد عن التقسيم الأزلي بين الأدب والتاريخ وعلم الاجتماع، وغيرها من التخصصات، ويعتمد حاجيات السوق، والتكوين الملائم للتوظيف، والتنويع في البرامج من جامعة إلى أخرى، هذا كله سينعش البنية الاقتصادية في المغرب. إذن، هل سيأتينا يوم نسمع فيه عن جامعة أنشأت مسلكا في الأدب والفيلم مثلا، وأخرى مسلكا في الأدب والكتابة الصحافية، وأخرى مسلكا في الدين والدراسات الأمنية، وأخرى في سوسيولوجيا العنف، واللائحة طويلة ومتنوعة تضخ دماء جديدة في سوق المعرفة المحلي.

هل سيتحقق يوما حلم خلق اقتصاد إبداعي في المغرب؟ هل سيطل علينا يوما مستثمر مبدع له غيرة على النهوض ببلده، أكثر مما له غيرة على جيبه؟.

*أستاذ بجامعة شعيب الدكالي


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (2)

1 - Aria الثلاثاء 14 نونبر 2017 - 18:09
سنقبل بنظريات اساتذة اكفاء و ليس اساتذة يدافعون عن اساتذة مثلهم يبتزون تلميذاتهم جنسيا في الجامعات مقابل النقط

لايمكنني ان ارى وجه بعض الاساتذة هنا دون ان اتذكر انهم انضموا الى صف المنحرفين من اشباه اساتذه تعج بهم الجامعات

ولهذا وذاك لا يمكننا ان ننتج و لا ان نبدع و لا اي شيء في غياب الاخلاق التي حل محلها "ايوا دوزي عندي نجلسوا بعدا ععاد نشوفو اش يمكن يدار"
2 - طنسيون الأربعاء 15 نونبر 2017 - 16:14
المشكل يكمن في منظورنا للتعليم وفي رؤيتنا وتصورنا لمستقبله. تعليمنا لا زال يعتبر الإبداع والابتكار وحيا يتنزل من السماء وموهبة يختص بها أفراد دون غيرهم ولا مجال للبدعة والإبداع في مجال التعليم إلا لفئة المختصين المحافظين والحافظين للمقررات والبرامج الموروثة. بينما يبتدئ الابتكار والإبداع مبكرا منذ التعليم الأولي والحضانة وفي الابتائي بالتدريب والتمرن الذهني ويستمر في جميع المستويات حتى الجامعي ليمكن الطالب من تصميم وتحقيق مشروعه الذاتي. فهل نتوفر على فكر الابتكار والإبداع أصلا في برامجنا التعليمية ؟
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.