24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

21/02/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:3707:0312:4615:5118:2019:35
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

استطلاع هسبريس

هل تتوقع إكمال حكومة العثماني ولايتها الحالية؟

قيم هذا المقال

4.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | اختيار المكان المناسب للموت

اختيار المكان المناسب للموت

اختيار المكان المناسب للموت

تتساقط الثلوج، الأرض صفحة بيضاء كقلب امرأة عاكفة في المعبد، شجيرات هنا وهناك مكسوة بثوب أبيض مدفونة على طرفي الجبل لايمكن تمييز عرقها وشكلها، تثير الدهشة والخوف، مسلك وحيد ضيق ووعر كله منعرجات، يوحي بالرهبة، وأنا ممدد على السرير، ارتشف كأسا من الشاي وأتابع هذه المشاهد من فيلم سينمائي ياباني بالشاشة الصغيرة بعنوان " جبل نَرَيَما " للمخرج الياباني "سوهي إمامورا "، وفجأة تتحول الكاميرا نحو مشهد أكثر تراجيديا ودهشة، المشهد لرجل يحمل شيئا على ظهره، وهو يتتاقل في المشي، الكاميرا تقترب أكثر، الصورة الآن أكثر وضوحا ليس هناك أية مفاجئة، رجل بلباس خفيف، تظهر عليه علامات الزمن، وجهه يشبه الثلج، دو ملامح حادة، يحمل أمرأة عجوز تتجاوز الثمانين على ظهره المقوس، حتى لأجعل القارئ يتساءل من تكون، فهي أمه.

الأم، كانت قد أوصت أبنها ، عندما تقترب من الموت، أو يقترب منها، بعد أن تكون رتبت كل شيء لأبنها من زواج و مساعدة في تربية الأبناء وغير ذلك من شؤون الزوجية، أن ينقلها إلى قمة الجبل في عز الثلوج وقسوة البرد، ويتركها هناك تلقى مصيرها لوحدها، إنها تريد أن تواجه الموت بشجاعة في مواجهة كل شيء، إنه نوع من الاحتفال بالموت على طريقتها الخاصة، أو بالأحرى على طريقة الأجداد.

هل يستطيع الواحد منا أن يترك قطعة من لحمه- وبالتحديد أمه- في هذا القفار المخيف بين الذئاب والضباع ؟ ولماذا الأم تتشبث بهذا الإختيارالقاسي ؟

سأترك الإجابة لهذه الأسئلة، ربما يجيب عنها مخرج الفيلم، بطريقته الرائعة، وهو المعروف بالعبقري ولكنني أجد نفسي جد مرتاحا للإختيار الصائب للأم التي تتشبث بحقها في الموت، الموت يشبه الحياة كثيرا، ولهذا على الواحد منا أن يدافع عن موته كما يدافع عن حياته .

اختيار المكان المناسب للموت كما فعلت هذه العجوز هو سؤال وجودي بامتياز تتداخل فيه عدة أبعاد، البعد النفسي، والتربوي والديني والأخلاقي والميتافيزيقي، والعجائبي، و الأكثر من ذلك قداسة العادات، والتي دأبت هذه القبيلة السير عليها مند سنين، بسبب النقص الحاد في الأكل وأسباب أخرى، و هو في الأخير نوع من العشق للموت على الطريقة التي تراها هذه القبيلة، وعلى هذا الأساس يجب احترام طالبها، وربما لهذا السبب وافق الإبن دون تردد واحترم رغبتها التي تبدو أكثر انسجاما مع "جنونها" وكبريائها، لكن يبقى اختيار الموت على قمة الجبل، يحمل دلالة للسمو والرفعة على الموت في المنزل في فراش دافئ وسط الأهل وبكاء الأبناء وعويل الجيران ونباح الكلاب.

الموت بهذه الطريقة الغريبة وعلى هذه الرقعة الجغرافية يستحق بالفعل أن ينقل إلى فعل فني وقد أبدع المخرج في نقله بصورة بارعة جدا للمشاهد حتى نال الفيلم في وقته العديد من الجوائز العالمية وأهمها جائزة السعفة الدهبية في مهرجان كان سنة 1983، لكن ماذا عن الوضع الدرامي في بلادنا في المناطق الجبلية الثلجية وخصوصا منطقة " أنفكو" ؟ التي خرجت من المجهول والعزلة التي عانت منها سنوات طويلة ، والفضل يرجع للصحافة التي أخرجتها من العتمة إلى الضوء، لكن المثير أن الساكنة أصبحوا يحتفلون كل سنة " بأيام الحصار" والتي تجعلهم يقبعون في منازلهم بدون مأوى منتظرين الذي يأتي والذي قد لا يأتي لفك هذا الحصار.

لكن السؤال يبقى ما الذي يجمع بين النموذجين، النموذج السينمائي والنموذج الواقعي ؟

لا شك أن مايجمع النموذجين هو تيمه الموت، فالمخرج الأسطورة " إمامورا " اشتغل على هذه التيمة في العديد من أفلامه حتى أضحت الموت خاصية مركزية لا محيد عنها حتى أصبح هو والموت توأمان، والسبب في ذلك ماحصدته الحرب من أرواح بسبب الحروب الاقليمية والجهوية التي عاشتها اليابان في فترة طفولة المخرج، ومنذ ذلك الحين أصبح الموت نوع من الإحتفال في أفلامه.

بالنسبة للواقع المغربي وبالتحديد ساكنة أنفكوا فهم يحبون الحياة على قمة الجبل و يرفضون الموت بسبب قسوة البرد والثلوج فلهذا فبحلول فصل الشتاء من كل سنة يبدؤون في الصراخ خوفا من الموت، إنهم يتشبثون بالحياة فوق الأرض، أرضهم التي ولدوا فيها وترعرعوا على منعرجاتها ولايستطعون مغادرتها والابتعاد عن أسرارها العجيبة، إنه نوع من الحب الجنوني للمكان والأشجار والذاكرة، إنه التقاء قديم بأوجاع لا نهائية.

المفارقة العجيبة بين النموذجين، أن الأم في الفيلم تتشبث بالموت من أجل أن يفهم الناس الحياة وهذا يظهر في اللقطات الأخيرة من الفيلم عندما ندم الابن ورجع مهرولا إلى المكان المخيف الذي وضع فيه أمه لينقذها ويعيدها إلى المنزل لكنها رفضت ذلك بإصرار رهيب وهي تحرك رأسها يمينا وشمالا، لقد كانت لغة الصمت أقوى في مواجهة الموت ، لكن بالنسبة لساكنة أنفكو فهم عكس الأم يتشبثون بالحياة بكل ما تعني الحياة من كلمة، من أجل أن يفهم الناس قسوة الموت، وكان الصراخ هو لغتهم في كل مرة، لكن لاأحد يفكر جديا في إنقاذهم من شبح الموت الذي يتهددهم في كل حين، من يدري قد تنقل هذه التفاصيل الموجعة لهذه المنطقة إلى عمل فني في يوم من الأيام لتعرف الأجيال القادمة قصة هذا الجبل وأهله المغيبون من كل شيئ .

*كاتب وباحث


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.