24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

18/09/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4307:0913:2716:5119:3420:49
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما هو المطلب الأكثر أولوية في رأيك؟
  1. السيول تجرف جزءا من طريق ضواحي زاكورة (5.00)

  2. محكمة فرنسية تعتقل سعد لمجرد وتودعه السجن بتهمة الاغتصاب (5.00)

  3. "مُقَاطَعَةُ الْبَرِيدِ" فِي التَّصْعِيدِ الْجَدِيدِ لِهَيْئَةِ الْإِدَارَةِ التَّرْبَوِيَّةِ! (5.00)

  4. رابطة تستنكر "همجية" جرائم التعمير في طنجة (5.00)

  5. هاجس تطوير نظام "راميد" يطغى على مجلس وكالة التأمين الصحي (5.00)

قيم هذا المقال

4.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | فجر الشِّعر وغروبُه

فجر الشِّعر وغروبُه

فجر الشِّعر وغروبُه

قبل أن يصبح جدُّ الشعراء شاعرا، كان من أكبر مُحبي تسمية كل أشياء الكون بأسمائها العربية الجميلة.

كان أبغض شيء لديه أن يجد شجرة بالغابة، مثلا، ولا يعرف اسمَها بالعربية الفصيحة، وقليلا ما كان هذا يحصل لأن ثراء لغتنا لا حدودَ له.

وإذا حصلَ يرحل جد الشعراء شرقا وغربا، إلى كل المُسنين العالمين باللغة، عساهُم يُسعفونه بالاسم الصحيح للشجرة، أو غيرها.

كان يحمل معه غصنا من الشجرة، أو وبَرَ حيوان، حسب الحاجة اللغوية.

وحينما لا يجد ما يشغَله يعدو في الصحراء بناقتِه، وهو يردد كل الأسماء التي علمها الله لآدم (وعلم آدمَ الأسماء كلَّها ثم عرضَهم على الملائكة فقال أنْبِئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقِين) البقرة 31.

كان سعيدا بمعرفته الواسعة للأسماء، حتى تحدَّى الصحراء ذات يوم قائلا: أرِني كلَّ ما عندك أسَمِّه لكِ.

ولم يكن ملاكُ اللغة غافلا عن هذا الرجل المثابر في معرفة الأشياء الأرضية، التي استمَدت أسماءها من مملكة الأسماء، التي أوكلَ الله أمرها لهذا الملاك.

ذات استغراق في النوم بواحَة من الواحات العربية الكثيرة، حيث تمضي الحياةُ بسيطة وسعيدة، سمع جدُّ الشعراء هاتفا سماويا يناديه، ويطلب منه المساعدةَ.

من أنت أيها المُنادي، وكيف لي أن أساعدَك؟

يجيب المنادي:

أنا ملَك اللُّغة، وأنت يا رجُل من أحبِّ الناس إلى نفسي، لأنك تعرف قيمة اللغة العربية، وتسعى لتعريب كلِّ الغابات والأشجار والنباتات وكائنات الصحراء.

هذا واجبٌ على كل عربي يا سيدي، ولكن لمْ أر كيف يُمكنني مساعدَتُك وأنت في السماء، وأنا مُجرد كائنٍ أرضي ضعيفٍ.

يردُّ المنادي: لِكُلِّ واحد منا يا رجلُ جانبُ قوة وجانبُ ضُعف.

فالكمال لله وحده.

أنا مثلا أستطيع ابداعَ كلِّ الأسماء، حسب مشيئة الله، لكنني لا أستطيع استعمالَها أرضيا لأنني في السماء، ونحن الملائكة نتفاهم بيننا بدون لُغة.

إني لم أقْوَ على مخاطبتك هذه الليلة إلا بعد أن طلبتُ من الله أن يأذَن لي باستعمال لغة البشر، كواحد منهم.

يرد جد الشعراء: يا ملاك اللغة لن أبْخل عليك بمساعدتي الأرضية إن استطعتُ.

شكرا واستمِع إلي الآن جيِّدا:

لقد أبدعتُ كما تعرف كل الأسماء، تنفيذا لإرادة الله، لكن عجزت عن إبداع كلماتٍ شاعرية تصف جمال الطبيعة، وتُسمي أمور القلب، والموسيقى والألحان، وتُضفي اللُّطف والبهاء على لغتنا.

هذه كلها أمورٌ لا يُتقنها إلا الانسان الذي يعيش مُحاطا بالجمال الأرضي والكوني، ويعرف مدى تأثيرِ كل شيء جميل في نفسه.

وأنت أفضلُ من اخترتُ ليُعِينني.

كيف يا ملاكَ اللغة؟

ستكون مُجبرا على الصمت لمدة سنة، تتجول في أرجاء الأرض، ولا تُسمِّ شيئا مِما حدثتك عنه. سأتقمصُ أحاسيسك البشرية، وأجرِّب الأسماء الشاعرية، حتى أقتنع بأجْودِها.

كل هذا وأنت صامتٌ لا تتكلم.

أنا من سيتكلَّم، لكن دون أن تسمعَني، لا أنت ولا غيرُك.

ولكن يا ملاك اللغة، زِدت من حيرتي ومشاكلي اللغوية.

كيف سيكون لي أن أطَّلع على الكلمات الشعرية الجديدة، وأنا لا أسمعك؟

يجيبُ ملاك اللغة: ها قد طرحتَ السؤال الذي كنتُ أنتظره منذ البداية.

حالما نُنهي مهمتنا، ودورُك أساسي فيها، لأنك ستُعيرني لسانَك وأحاسيسَك، سأطلب الله أن يسيلَ الشِّعر بين شفتيك، بحيث ما أن تشرعَ في قصائدك حتى تتوقف كل حركة في الكون للاستماع إليك، سيُحبك البشرُ والطير والورود والأمطار، وكلُّ شيء في هذا الكون الفسيح.

سيكون عليّ أن أبدع الكلماتِ الشاعرية، وسيكون لك أن تَبُثَّ فيها الروح وتنظمها قصائدَ، بل حتى مُعلقات، سنُيَسر تعليقَها في الكعبة المشرفة، إن شاء الله.

من غده ابتدأت الكلماتُ الشاعرية تسيل من لسان جَد الشعراء، الذي استعاره منه ملاك ُاللغة.

ما من كلمة تُنطق إلا ويظهرُ ما يقابلها في الطبيعة: وردة، زهرة، برتقالة، خرير، ندى، حب، هيام، لحن، ناي..

وكل ما صنعَ ويصنعُ بهجتنا الكونية ليجعلنا نتغلبُ على شظف العيش والمرض والقلقِ ...

ما أن انتهتِ المُهمة، وغادر ملاك اللغة الأرض مودعا صديقه العزيز جد الشعراء، حتى أحسَّ في نفسه (جد الشعراء) رغبة ًفي نظمِ كل الكلمات الشاعرية في قصائد، تشبه عقود الجواهر.

هكذا وبعد أن كان كل شغله، وهو يطوف بكل أرجاء الغابةِ والجبال والصحراء، أن يُسمي الأشياء فقط، ها هو يرتقي إلى نظْم الشعر العربي الفصيح، الذي لا يوجدُ في كل اللغات ما هو أعذبُ وأبلغُ وأرقُّ منه.

عاش جد ُّالشعراء عُمرا طويلا، يُعد بالقرون، لأن مُهمته في نظم الشعر كانت بحاجة إلى هذا العُمر الطويل.

ما أبدعه ملاك اللغة في عام لا يمكن أن يَنظمه الإنسان إلاَّ في قرون وقرون، وسيحتاج إلى مِداد بقَدر مياه البحار كلها.

ورغم عمره الطويل لم ينظُم جد الشعراء إلا النزر القليل من الشِّعر، لأنه واصل حتى شغفَه الأول بتسمية الأشياء كلِّها.

مات جد الشعراء، وفي نفسه أشياء كثيرة ٌترك قولَها لكل سلالته من الشعراء.

وصولا إلى شعراء المعلقات، وكل القصائد التي تلتها، برَّت بها أو عَصَتها.

وإلى اليوم إذا أردتَ أن تعرف أحوال الناس في كل القرون، بما فيها قرنُنا ويومنا، فعليك بالشعر والشعراء.

لكن ستظل بحاجة إلى اللُّغة، أي البحث الدائم عن أسماء الأشياء باللسان الفصيح.

ولن تنتهي اللغةُ أبدا لأن ملاك اللغة ساهرٌ عليها بمشيئة الله.

"قل لو كانَ البحرُ مِدادا لكلمات ربِّي لنفد البَحر قبل أن تنفَد كلماتُ ربي ولو جِئنا بمثله مَدَدًا" (الكهف:109).

من أين الغروب؟

نحن اليوم بحاجة إلى كلمات شاعرية أخرى غير التي تداولناها على مدى عشرات القرون.

ماتت القصائد، وسليلاتها من الأغاني الفصيحة، لأن الناس أصبحوا يتسابقون صوب الرعشة قبل الحب.

تكسب أغاني الدقيقة والدقيقتين ملايين المشاهدات، في حين تموت عصماوات القصائد وحيدة، وينتحر فحول الشعراء، وقل من يحضر جنازاتهم.

"يا امعلم" لا يريد حتى صاحبها أن تكون من الشعر، حتى لا تصاب بالسكتة.

يكفيه أنها ترتعش وترعش، كصاحبها.

اليوم يُتوج شعرٌ آخر، لا علاقة له بملاك اللغة ولا بجد الشعراء.

من حسن حظ الشعراء المحتضرين أن ملاك اللغة وعد جد الشعراء بالعودة إلى الأرض.

تماما كالمسيح عليه السلام.

سيعود ويبتكر قاموسا شعريا جديدا لآلاف السنين القادمة.

وسيهب الشاعرية لجد شعراء المستقبل، جزاء له على تعاونه.

يومها سيبني الهيكل ولن يقبل في ألويته الفاتحة غير الشعراء.

هذا ما رواه جد الشعراء، عن جده وجده..

وعليه فلا حل للشعر والشعراء إلا سحريا.

كما ابتدأ كل شيء سحريا.

ولهذا اطمئن يا صديقي الشاعر أحمد العمراوي، فلن تنقرض السلالة.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (2)

1 - ابراهيم بومسهولي الثلاثاء 04 شتنبر 2018 - 13:18
نص رائع جدا ويدل على تمكن تام من إشكالية الشعر . ما أجمل قراءة هذه التحفة الأدبية التي تدكرنا بمشاهد من "فاوست" ومن باقي الروائع الادبية، بدل الأنيميا التي ينشرها بيننا الأدعياء. شكرا ومزيدا من العطاء.
2 - ابراهيم محمد خليل الأربعاء 05 شتنبر 2018 - 14:09
احييك واحترمك واتتبع مقالتك القيمة.مقالاتك في موضوع الأمازيغية تدل على بعد نظرك وعلو كعبك ووجاهة أ فكارك في مواجهة غلاة العرقية والمتامري ن على وحدة الوطن. حبذا لو تخرج كل مقالاتك في كتاب. دام لك لك الالق.
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.