24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

13/12/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:4908:2113:2616:0118:2319:43
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد
الاثنين

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما تقييمكم لحصيلة التجربة الحكومية لحزب العدالة والتنمية؟

قيم هذا المقال

1.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | حالة التذمر والغليان الشعبي: متى توظف لتوليد طاقة إيجابية؟

حالة التذمر والغليان الشعبي: متى توظف لتوليد طاقة إيجابية؟

حالة التذمر والغليان الشعبي: متى توظف لتوليد طاقة إيجابية؟

لماذا هذا الغليان الشعبي المتواصل؟ الاحتجاجات تكاد لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد. اليوم هنا وغدا هناك. الوضعية تزداد توترا ولا أحد يستطيع فهم ما يحدث بالضبط. غضب الفئات الاجتماعية ينتشر في كل مكان والوتيرة تتسارع. يبدو الأمر وكأنه لا وجود لقيادة أو هيأة أو جهة مؤثرة يمكنها العمل على منع تفاقم الأمور. فالمشاكل الاجتماعية بدأت تتعدى حالات الفئات الهشة لتصل إلى حالات متعددة الأوجه والأقطاب. فصور البؤس وآلام الأفراد والجماعات تواجه المواطن صباح مساء دون توقف. لقد تعودنا على هذا الغليان في شوارع البلد ولكنه في الحقيقة لأمر مثير للقلق. فمن المسؤول عن هذا الزخم السلبي المقلق؟

هل للمواطن دور في كل ما يحدث؟ أليس للأفراد والجماعات والهيئات أي دور فيما يحصل؟ أم إن السلطة هي المسؤولة عن البؤس المتفشي وغيره من الآفات الاجتماعية؟ ماهو دور الأحزاب السياسية؟ هل هي بقياداتها وأطرها قادرة على احتضان الغضب المنتشر في كل مكان لتجعل منه طاقة فعالة تعود بالنفع على تطور البلاد والعباد؟ إن هذا الغضب الجماعي والاجتماعي قد يصبح آلة مدمرة إذا لم يوجه الوجهة الصحيحة وفي التوقيت الصحيح.

يبدو في النقاش العمومي-الذي لم يرق بعد إلى مستوى نقاش عمومي حقيقي-وكأن الجميع منشغل بتوجيه أصابع الاتهام الى الآخرين: "أنا لا أتحمل مسؤولية ما يجري في هذا الوطن فالمسؤول هو الآخر". الجميع يعتبر نفسه ضحية أفعال الآخرين. هذا ما يبدو على الأقل لمتتبعي وسائل التواصل الإجتماعي. كثيرون يستعينون بالتقنيات المتقدمة لالتقاط الصور وتصوير الفيديوهات والإسهاب في وصف حالات اجتماعية منحرفة في موقع ما من الشبكة العنكبوتية. كثيرون منشغلون بإظهار وجوه الحقيقة المؤلمة للقاصي والداني: اغتصابات للأطفال، عمليات سطو، سرقات موصوفة، حالات انتحار، جرائم قتل... والقائمة طويلة.

الشبكة العنكبوتية أصبحت لا تطيق المزيد من الصور والأفلام والتعليقات، غير أن ما يحتاجه المجتمع حقيقة هو الكفاءة والقدرة على القيام بتحليل منطقي علمي للأحداث والوقائع كمنطلق لمحاربة هذه الآفات الاجتماعية وطرح حلول لها تكون منطقية وفعالة. المواقع الإلكترونية امتلأت أيضا عن آخرها بآهات التشكي وصيحات الحرقة والأنين. فما الهدف من وراء هذا كله؟ التفرج على أوجاع الناس ثم ينصرف المرء إلى حال سبيله؟ المجتمع يحتاج من هم قادرون على جعل ثقافة التفرج السلبي والتشكي من أجل التشكي والتذمر الاجتماعي المتواصل تنقلب إلى روح المثابرة التي لا تكل والإرادة البناءة التي لا تتوقف وإلى مقاومة حقيقية مقاومة أوجه الشر في المجتمع بكل أشكاله من أجل مجتمع أفضل، مجتمع الأجيال القادمة.

مما شاهدناه مؤخرا صور احتجاجات التلاميذ ضد قرار الحكومة فيما يخص التوقيت الصيفي. في الدول الراقية يصعب على المرء تخيل احتجاجات تلاميذية بخصوص قرارات من هذا القبيل. في المغرب يحدث هذا من حين إلى آخر ويحدث أكثر من ذلك. يبدو وكأن المجتمع قد أصبح ناضجا للتأثيرات السلبية التي ما تلبث أن تتحول إلى غضب عارم واحتجاجات شعبية. يقولون إن هناك أياد خفية تصنع من تذمر وغضب التلاميذ احتجاجات جماعية. قد يكون، ولكن يبقى السبب المباشر وراء احتجاجاتهم اللأخيرة هو عدم الإحساس بالأمن في طريقهم من وإلى المدرسة. فهم-كما يقولون-يغادرون منازلهم في الظلام ويعودون إليها في الظلام.

الواضح إذن أن جوهر المشكل هنا هو انعدام الأمن وليس التوقيت الصيفي. التوقيت الصيفي ليس هو العدو الذي ينبغي أن يقاوم ويحارب. أنا لست ملما بلغة الأرقام في هذا المجال ولكن الظاهر أن عدد الأعمال الإجرامية التي تحدث بين التاسعة صباحا والخامسة بعد الزوال أعلى بكثير من تلك التي تحدث في الظلام. الكثير من أعمال السرقة والاغتصابات وغيرها من الأعمال الإجرامية تحدث على ما يبدو في واضحة النهار.

إذن لماذا التظاهر والاحتجاج ضد التوقيت الصيفي؟ أليس كان حريا بالأطفال وبأولياء أمورهم الاحتجاج ضد انعدام الأمن وضد الاعتداءات المتواصلة على الأطفال والضعفاء والمساكين؟ لا ينبغي أن يفهم القارئ من هذا الطرح أنني أعارض التظاهر السلمي لأي مجموعة كانت. بالعكس، فهذا حق مشروع للجميع. إنني هنا أدعو إلى التركيز على جوهر القضية ومحاولة تحليلها عوض الإستمرار في تحليل المشاكل الجانبية. وإلا أصبح المجتمع يصارع الطواحين الهوائية ويهدر طاقة ثمينة دون طائل من وراء ذلك.

إن مشاهد احتجاجات التلاميذ لا نراها كثيرا في عالم اليوم. إن هذا في واقع الأمر عنصر قوة. إنها صور أطفال يحملون وعيا سياسيا قد يفوق وعي الكبار، هذا أمر فريد من نوعه ومصدر قوة مستقبلية حقيقية. قوة يجب أن توظف في أمور صالحة وبناءة. فمتى نفكر في طرق الاستفادة من هذه القوة المبكرة بدل التصفيق لعملية إهدارها في الشارع العام؟ ما جدوى الصياح والبكاء والعويل من أجل إضافة ساعة أو حذفها؟ من بوسعه توجيه هذا الوعي واليقضة الوجهة الصحيحة؟ هل بوسع الأحزاب السياسية أن تحتضن قوة الاحتجاجات المتدفقة لتصنع منها طاقة إيجابية؟ هل بإمكان الدولة أن تقوم في هذا المجال بمسؤولياتها؟

إن الطفولة هي مستقبل الوطن. لا مستقبل لبلد بدون طفولة سليمة متعلمة وبإرادة قوية. لذلك، فإن نية الاستثمار في المستقبل تبدأ بالاستثمار في الطفولة وتنشئتها التنشئة الصحيحة. فبناء على كل ما سبق أقول إنه لا ينبغي أن تلغي الدولة قرارها بخصوص التوقيت الصيفي أوإعادة النظر فيه. هذا ليس بالحل الصحيح. هذا سيندرج ضمن قرارات التهدئة ولا يصب في اتجاه الحلول الجذرية الممكنة. إن الدولة في كل الأحوال-وكذلك الحكومة والمجتمع المدني وكل شرائح المجتمع-مطالبون بالعمل على توفير الإضاءة وتكريس الإحساس بالأمن بحيث يصبح التجوال ليلا للجميع–وللتلاميذ والأطفال على الخصوص-أكثر أمنا وأقل خطورة. بهذا نكون قد حاربنا المرض العضال وليس أعراض المرض.

الإحساس بالأمن بالنسبة للتلاميذ والأطفال لا يقتصر فقط على المحيط الخارجي لأماكن تواجدهم. المدرسة أيضا تعتبر مكانا مهما بالنسبة للإحساس بالأمن. المدرسة في نظري ينبغي أن تكون بمثابة فخر لكل الأطفال والتلاميذ، لذلك ينبغي أن تضمن لهم هذه المؤسسة الإحساس بالعزة والطمأنينة والأمان. هذا الإحساس يبدأ بتوفير بناية عصرية وقاعات دراسية في مستوى الطموحات وبمختلف المتطلبات. فالمدرسة هي المكان الذي يوفر فرصة التفتح الذهني للطفل ليصبح مواطنا فاعلا ونافعا في مجتمعه وبلده. وهي المكان أيضا الذي يتعلم فيه الطفل القراءة والرسم والموسيقى والتمارين البدنية. وهي أيضا المكان الذي ينبغي أن يضمن للطفل وجود شخصية ثقة بحيث يمكنه-متى اقتضت الضرورة-تلقي الجواب المناسب على أسئلته الخاصة المتعلقة بأحاسيسه وهواجسه ومعاناته ونموه الذهني وتطوره الشخصي. التطور الشخصي للطفل له أيضا علاقة بالمحيط الذي ينمو فيه. محيط الطفل ينبغي أن يتوفر على مكتبة عمومية محترمة وأماكن لممارسة الرياضة ومزاولة هوايات أخرى. ينبغي أيضا الاهتمام بتوفير مراكز للعناية الصحية وخلق فرص الشغل لمن يصل مرحلة الشغل.

هذا كله يتطلب عناية حقيقية بالمجال الحضري وبالتنمية البشرية كما يتطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة. أموال خزينة الشعب ينبغي أن توظف من أجل الشعب ومستقبل الشعب. فالجميع يعلم أن عدم تحقيق مستوى من الازدهار المقبول في المغرب لا يعود إلى ضآلة الموارد الطبيعية أو البشرية، وإنما يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف التسيير والتدبير من طرف المسؤؤلين وصناع القرار، ويرجع كذلك إلى عدم الاستثمار الفعال في الطفولة الحالية والقادمة.

إن ما يثير استغرابنا باستمرار هو طريقة تعامل السلطات مع الغضب الشعبي هنا وهناك. بسبب التعامل غير اللائق مع هذه التوترات تستمر الاحتجاجات وتتوسع. فعند معاينة ردود فعل رجال السلطة بخصوص التوترات الاجتماعية نستطيع القول إن هؤلاء القادة وللأسف الشديد قادة غير أكفاء لا يفقهون في التسيير والتدبير إلا النزر القليل. فكفاءاتهم القيادية ضئيلة ومستوى مهاراتهم التواصلية ضعيف.

فرغم توفر الحزب الأغلبي الحاكم، مثلا، على سنين طويلة من التجربة في إدارة الشأن العام، فإن ذلك لم يؤثر إيجابا على التعامل مع الأحداث المعقدة في المجتمع. الظاهر أن رئيس الحكومة الذي هو بدوره يبدي ضعفا علنيا في كل من مهارات التواصل وملكة الاستشعار على السواء، لم يتلق أي نصيحة من أي كان من أجل متابعة تمارين خاصة بتنمية وتطوير قدراته التواصلية. لا شك سيكون ذلك بالنسبة له-ولكل الوطن-في غاية الأهمية لمزاولة مهامه التدبيرية والقيادية بشكل أفضل مما يفعل في الوقت الراهن.

ضعف الكفاءة لدى أعضاء الحكومة يعرقل على ما يبدو مهمة الإنصات لصوت ومطالب المواطنين. هذه المطالب هي في الحقيقة بسيطة لا تعقيد فيها وتهم بالدرجة الأولى القضايا الكونية الأساسية التي وافق المغرب عليها ووضع إمضاءه تحتها المتعلقة بـ:

- الحق في الشغل

- الحق في التعليم

- الحق في العناية الصحية

- واحترام حق حرية التعبير.

التساؤل الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا تستغل الدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني الطاقة التي تتفجر من حين إلى آخر بين فئات الشعب، بل يتركونها تذهب هباء لتخلق المزيد من التوترات الاجتماعية وتقوي عدم الثقة بينهم وبين المواطنين؟ متى يقوم زعيم سياسي محنك ليصنع من الغضب الاجتماعي العارم طاقة إيجابية؟ زعيم ينبغي أن تكون نيته صادقة للعب دور فعال في اتجاه تقدم البلد وتقويته، زعيم يكون بإمكانه نزع فتيل التوترات وإطفاء شعلة الغضب، زعيم يحارب جوهر المشكل ويستثمر في راهن الوطن ومستقبله.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.