24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

13/12/2018
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:4908:2113:2616:0118:2319:43
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد
الاثنين

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما تقييمكم لحصيلة التجربة الحكومية لحزب العدالة والتنمية؟

قيم هذا المقال

1.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | حكاية متسولة

حكاية متسولة

حكاية متسولة

كانت مدينة طنجة قد خرجت من سباتها في ذلك الصباح وشرعت الحركة تدب في أوصالها عندما ركن صديقي سيارته في مكان ظليل بجوار رصيف، ثم ترجل منها بعد أن تركني جالسا في مقعدها الأمامي. توجه صديقي بعد ذلك نحو إحدى الإدارات العمومية ليمارس شأنا بينما رحت أرسل بصري من نافذة السيارة أتأمل مجرى الحركة من حولي وأزجي وقت الانتظار. كانت السيارة مركونة غير بعيد عن إشارات المرور الضوئية. لم يكن الشارع غاصا بالسيارات في ذلك الصباح ولا خاليا منها، بل كان بين بين، وكذلك كانت حركة الراجلين. وفيما كنت على تلك الحال استرعى انتباهي مشهد شابة متسولة كانت تذرع عرض الشارع تحت أشعة الشمس جيئة وذهابا غير بعيد عن الإشارات الضوئية. كانت الشابة التي بدت لي في نحو العشرين من عمرها تحمل على ظهرها رضيعا، وكانت تنعطف تارة ذات اليمين وطورا ذات الشمال نحو كل سيارة متوقفة ولا تكاد تدنو من نافذتها حتى تتطلع نحو سائقها أو سائقتها بنظرات لا تخلو من رجاء وهي تبسط كفها مستعطفة في لجاجة، ومهمهمة ببعض الأدعية. كانت المسكينة بوجهها المكسو بغشاوة من الاغتمام والعبوس وبعينيها الغائرتين بادية الضعف ومتلفعة بجلباب أسود.

ولست أدري كيف وجدتني بعد ذلك مدفوعا لملاحقة تلك المتسولة بنظراتي. قد يكون مظهرها الخليق بالرثاء استدر رأفتي وإشفاقي، وقد يكون مرد ذلك إلى تعامل بعض السائقين معها، والذي لم يكن يخلو من جفاء وقسوة... فمن سائق قابلها بالصد والإعراض فأغلق نافذة سيارته أو أشاح بوجهه عنها، ومن سائق أصم أذنيه عن سماع طلبها أو سدد إليها نظرات زاجرة وأخرى لا تخلو من انتهار، ومن سائق طيب خاطرها بدعاء، لكن من غير أن تنال منه منالا، وقليل من السائقين من دس في يدها قطعة من مال. ولعل ما راعني لوهلة هو أن المسكينة كانت لا تكاد تظفر بقطع نقدية حتى تمضي نحو رجل أربعيني كان يقف مستندا إلى حائط عند رصيف غير بعيد عنها، ثم تلقي في يديه ما جمعته وهي ذاعنة لا تنبس. أما الرجل فكان يقلب بعينيه الجاحظتين تلك القطع ويعدها قبل أن يدسها في جيب معطفه، ثم لا تلبث المسكينة أن تعود أدراجها في ذلة ومسكنة لتستأنف بسط كفها للسائقين.

والحقيقة أن نفسي ارتاعت لذلك المشهد الذي كانت عيناي موصولتين به في اهتمام، فقد عجبت من أمر ذلك الرجل الذي طاردني أكثر من سؤال حول العلاقة التي تجمعه بتلك الشابة المتسولة، والسر المكنون وراء انصياعها وخنوعها له، واستئثاره بالمدخر من مال التسول دونها. خطر ببالي آنذاك أن ذلك المشهد تتوارى خلفه حكاية لا يعرف كنهها سواهما. في تلك الأثناء رحت أنقل بصري بين الشابة التي كانت منهمكة في تعقب السائقين بكفها الممدودة، وبين الرجل الذي كان يراقب حركاتها من بعيد. وفي لحظة لمحت الرجل وهو يشير إليها بيده أن تعود، فلم تملك المسكينة إلا أن كرت راجعة إليه، ثم ألقت في يده ما جمعته من قطع نقدية.

وما هي إلا لحظات حتى رأيته بوجهه المكفهر يكيل لها التهديد والوعيد ويجذبها من أكمام جلبابها، وكاد يهوي عليها بصفعة لولا أنها ضربت يدها على جيبها وناولته ورقة مالية وقع في ظني أنها كانت تسعى إلى أن تستأثر بها لنفسها. نكست الشابة رأسها بعد ذلك، ثم أولت الرجل ظهرها ومضت تجر قدميها في امتثال وإذعان نحو وسط الشارع. لم يكن غيري فيما بدا لي يلتفت إلى ما يجري.

ولا أنكر أنه لم تسوغ لي نفسي أن أظل مجرد متفرج، ومن ثم باغتتني رغبة في التدخل ومفاتحة الرجل في شأن استغلاله للشابة المتسولة وسوء معاملته لها، لكنني ما إن ترجلت من السيارة وهممت بذلك حتى ارتددت وتهيبت أن أفعل ذلك، فما وسعني إلا أن استنكرت في قرارة نفسي فعل الرجل، الذي كان يحمل وجهه الحالك آثار جرح غائر. وكان ذلك الاستنكار في اعتقادي أضعف مراتب الإيمان. لم يمض بعض الوقت حتى رأيت الشابة المتسولة قد هدها التعب فمالت نحو حافة رصيف تحت أنظار الرجل وقعدت وهي تمد قدميها لتحنو على جسمها المنهك بجلسة استراحة، ثم سحبت رضيعها من على ظهرها ووضعته في حضنها وطفقت تهدهده وتلاطفه وتطعمه بيدها قطعة من الخبز.

ظللت مستغرقا في تأمل ذلك المشهد، الذي آلمني وأثار في نفسي مشاعر الرأفة والشفقة نحو المتسولة. وسرعان ما نبهني صوت صديقي الذي بادر إلى الاعتذار عن تأخره الذي استغرق قرابة ساعة من الزمن. انطلقت بنا السيارة تشق طريقها بعد ذلك على مهل وسط الزحام، الذي كانت وتيرته قد بدأت تتصاعد رويدا رويدا، بينما كنت ما أزال أتابع بنظراتي تلك المسكينة حتى غاب عن عيني مرآها. وما إن شرعت أسرد لصديقي ما شاهدته حتى صدني بقوله إن قانون حماية المرأة ومحاربة العنف والاستغلال ضدها دخل حيز التنفيذ مؤخرا.

توالت أيام معدودة بعد ذلك الحادث، وفي صباح شتوي بارد حدث أن كنت أسري عن نفسي بجولة غير بعيد عن ذلك الشارع، وما هي إلا لحظات حتى أبصرت على مقربة من مدخل عمارة شبه مهجورة تلك الشابة المتسولة وهي مستلقية على الأرض ومسندة رأسها إلى ذراعيها. كانت المسكينة تحتضن رضيعها وهي مستغرقة في النوم ومتدثرة بغطاء رث، وعن كثب منها كان ذلك الرجل الأربعيني بهيئته المزرية وجسمه الضامر قد اتخذ مجلسه بجوار قدميها وأمامه كأس وفي يده سيجارة. ولا شك أنه كان ينتظر أن تهب من رقادها ليجرها على مضض إلى هاوية المهانة، فلم يسعني آنذاك إلا أن رثيت للشابة وأشفقت لحالها.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (8)

1 - Peace الأربعاء 21 نونبر 2018 - 18:50
هناك حكايات كثيرة و متعددة فيم يخص المراة المتشردة و طرق استغللها سواء في التسول او الجنس او العمل في البيوت او او

بصراحة انا لا فرق مبدئيا بين المتشردين سواء كانوا نساء او رجالا او اطفالا, فاوجه الاستغلال متشابهة. الا ان المراة مخلوق لطيف و رقيق.. و هي ام ايضا و يمكنها ان تحمل في الشارع و الله و رسوله اوصانا بالنساء خيرا.

و الجمعيات النسائية, عليها ان تدا اولا بهذه الفئة, و لا تختزل لدفاع عن حقوق لمراة بعلاقتها بالرجل و خلق نوع من العداء و الاستقواء عليه, مثلا "صايتي حريتي" او "حق المراة في العمل" و هو حق اريد به باطل. رغم انني ارى ان مسائل اللباس و العمل مسالة خاصة بين المراة و زوجها. مثلا لا يمكن للتوصل لى حل اذا ان الزوج مصرا على ان تلبس جلابة و هي تقول لا انا حرة اريد ان البس الميني. او يقول لها ابقي في البيت مع الاطفال و هي تقول لا اريد ان اعمل في مجال الطيران و كل يوم في بلد اخر. نحن الشعب لدينا مشاكل اخرى و هي العيش الكريم و عدم التشرد و الارغام على الدعارة و الاستغلال الجنسي و الخدمة في البيوت و تهديدنا بذلك في كل وقت و حين...
2 - مخلص الأربعاء 21 نونبر 2018 - 19:46
فعلا في طنجة اعداد كبيرة من المتسولين وهناك من يستغل فئة منهم وعلى الجمععيات ان نتحرك لانقاذ النساء والاطفال من العصابات التي تستغلهم بالاكراه. شكرا للكاتب على اثارة هذه القضية باسلوب ادبي جذاب
3 - الحليم الحيران!!! الأربعاء 21 نونبر 2018 - 20:32
رد فعل غير كافي.بما أن الكاتب لاحظ علامات الإستغلال والتهديد كان عليه أن يبلغ أقرب مركز شرطة ليقوموا بواجبهم ويسألوا عن العلاقة التي تجمع بين الذكر كي لا نقول الرجل وبين تلك المرأة.فإن لم تكن هناك علاقة قرابة أبوة أو زواج فهذا يعني الإحتجاز والتهديد بالعنف.
4 - أنا مكلخ الخميس 22 نونبر 2018 - 00:28
إلى : 3 - الحليم الحيران!!!

لو أنك تعيش بالمغرب (أقصد المغرب تحت المجهري) لعلمتَ أن تلك المرأة و ذلك الرجل يكتريان ذلك الرضيع و يسيطران على تلك المنطقة "تسوليّاً"...

و كلهم يشكلون فريق نصب و احتيال يوميّ على المواطنين المّارين بذلك الشارع...

فالمرأة تستجدي عطف الناس بالرضيع و الرجل يحميها من اللصوص و الغرباء.


.
5 - Peace الخميس 22 نونبر 2018 - 02:02
هناك مشكل اخر يتولد عن "حق المراة في العمل" و هو تفضيل ارباب العمل لليد العاملة النسوية او بصفة عمة تفضيل المراة في عام الشغل, لانها ارخص. و بذلك يتم اقصاء الرجل, فيبقى الرجل عاطل عن العمل و لا يستطع الزواج. و ايضا هناك على المدى البعيد هضم حق لمراة في "عدم العمل" و البقاء في البيت, حيث ان الرجل ابح فضل امراة موظفة او عاملة لتساعده على كسب المال , و خيار المراة البقاء في لبيت اصبح ينظر اليه, انه خيار متخلف او توال على الزوج ليصرف عليها ن اله, بدل ان تعتمد على نفسها. رغم ان الاسلام اعطاها الحق في عدم العمل, لاسباب عديدة. المراة لا تستطيع دائما العمل, لان ذلك يكون عبئا مضاعفا عليها, العل في البيت و خارجه و احترام كثرة المواعيد و ايضا هناك نساء لا يستطعن العمل نهائيا, لا داخل البيت و لا خارجه, لاسباب روحية و دينية, مثلا انا شخصيا لا استطيع لك و امي و جدتي ايضا, يعني يمكن القول انه نسبيا متوارث, مما يضطر الزوج احضار نساء لاعانتها, سواء من العائلة او خارجها. اما في هذا الزمان فغالبية الرجال لا يفهمون هذا الوضع الروحي. فتعاني المراة الصوفة من هذا الوضع, و هذا يمكن ان تكون له عواقب وخيمة.
6 - كرم الخميس 22 نونبر 2018 - 15:01
كنت أنتظر منك موقفا إيجابيا يمكن أن يغير من مصير تلك المتسولة ولكنك أشبعتها شفقة بعد الفرجة التي دامت ساعتين من الزمن، ثم الشفقة الثانية عندما التقيتها مرة أخرى. هكذا هم بعض الناس لن يستطيعوا أن يكونوا إلا سلبيين ومتفرجين ومتحسرين. ماذا استفاذت تلك المرأة من شفقتك؟ ربما كان عليك على الاقل أن تبلغ الشرطة للتحقيق مع الرجل الذي يتاجر بكرامتها ويسترزق من وراء حالتها ويتلذذ بضربها وإهانتها. قصتك أزعجتني وتركت أثرا مؤلما في نفسي. بما أنك لم تفعل لها شيئا فكان من الأجدر ألا تحكي لنا "شفقتك".
7 - رباب الخميس 22 نونبر 2018 - 19:13
نشكر الكاتب الذي نقل لنا مأساة تلك المتسولة الأسيرة بذلك الاسلوب الادبي الشيق . حقيقة يللزم ان تتحرك الجهات المسؤولة لوضع حد لظاهرة استغلال النساء والاطفال في التسول في طنجة وغيرها من المدن.
8 - المهدي الجمعة 23 نونبر 2018 - 11:10
تعليق 5 : لا تستطيعين العمل لا داخل البيت ولا خارجه لأسباب روحية ودينية ! هذا من أغرب ما سمعت ! وما هو دورك في الحياة إذن تنتظرين نزول الوحي ومقابلة هسبريس ؟ حتى أم المؤمنين كانت تشتغل في التجارة .. أريد فقط ان اعرف هذه الأسباب الروحية والدينية التي تفرض على المؤمنة المتفرغة ان تصبح عالة على غيرها وعلى المجتمع ...
المجموع: 8 | عرض: 1 - 8

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.