24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

23/01/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:5808:2713:4416:2918:5320:11
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل أنت متفائل بمستقبل المغرب سنة 2019؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | المعطف والجنرال

المعطف والجنرال

المعطف والجنرال

أعدت قراءة قصة "المعطف" للكاتب والقاص نيكولاي غوغول أكثر من مرة، لكن هذه المرة حركت فيّ أشياء كثيرة، ربما صادفت هذه القراءة الأخيرة الاحتقان الاجتماعي الذي يعيشه المغرب حاليا، وقد تكون دكتاتورية المال التي تريد أن تلتهم السياسة بصفة نهائية، وقد يكون اعتقال الصحافيين المغاربة وتقديمهم للمحاكمة بدعوى إثارة القلق وخدشهم الحياء العمومي، وربما صادف الأمر قتل الصحافي السعودي خاشقجي بدم بارد من طرف قتلة لا يفرقون بين القلم والسيف، بين الكلمة الحرة والقداسة للدولار، وربما بسبب جنون العظمة الذي أصاب بعض الحكام في العديد من الأقطار.

في هذه القراءة الأخيرة أجد تشابها كبيرا على مستوى التدبير البيروقراطي بين تلك الفترة (1836)، التي كان يحكم فيها القيصر الديكتاتور ألكسندر الأول بكل أنواع التسلط - ولا يخفى على أحد أن الحاشية التي تكون قريبة من الديكتاتور لا شك أنها ستكون تشبهه وتقلده في طريقة الحكم - وبين ما تعيشه الأقطار العربية، وهو ما برع الكاتب في نقله في قصته الرائعة من خلال شخصية الجنرال الذي يعاني انفصاما خطيرا في شخصيته، ولا يعرف كيف يدبر إدارته الموبوءة بكل أنواع الفراغات، وقد كان الكاتب بارعا في تصوير شخصية وروح الجنرال الفارغة من كل حس إنساني.

الجنرال مريض، بمرض البعد والتعالي عن الشعب، وقد ترجم ذلك في تعامله مع المسكين، الموظف، ابن الشعب، أكاكي أكاكييفتش، عندما جاء يطلب منه طلبا بسيطا، لكنه صده بقوة وطرده شر طردة كأنه كلب أجرب، وهو ما نعيشه في هذه المرحلة الدقيقة بكل خيباتها المريرة، حيث نجد بُعد بعض المسؤولين كل البعد عن الإنصات إلى هموم الشعب ومطالبهم المشروعة، وها نحن نجد العديد من المدن المغربية تخرج في الصباح تطلب النجدة من شبح البطالة وضعف الخدمات وتهاون المسؤولين في إيجاد حلول حقيقية لمشاكل السكان، فتتم مقابلة طلبات المحتجين باعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة بدعوى المس بأمن واستقرار البلاد. والغريب في الأمر أن الأحكام تكون سريعة، لكن لماذا لا تكون الحلول لمشاكل هؤلاء المحتجين هي الأخرى بنفس السرعة؟

الجميل والرائع في قصة "المعطف" هو كيف برع الكاتب في نقل تاريخ البيروقراطية الإدارية المتعفنة من خلال اللباس، من خلال "معطف" لموظف مسكين، قصير القامة، تعبيرا عن صغر حجمه، وتجاعيد تعتلي خديه، وبقع الصلع تعتري مقدمة رأسه. إنها صور تعطي لوحة حقيقية لشعب يعاني من كل شيء، فالوجه إحالة على وجه شعب يذبل يوما بعد يوم بسبب التهميش الممنهج الذي تنهجه السلطات الإدارية في تعاملاتها اليومية، وأخطر من ذلك هو اللامبالاة التي تصر هذه السلطات المجنونة على الاشتغال بها كمنهجية لعقاب الشعب المغلوب على أمره. أما الصلع المبكر فهو إعلان صريح عن شيخوخة شعب بسبب الهم والفقر وقلة اليد والإحساس بالقهر.

من منا، سواء كان مفكرا أو باحثا أو صحافيا أو إنسانا عاديا، ينكر هذه الأوصاف عن شعبنا في هذه الفترات الحرجة؟ ربما السياسيون المغاربة "البارعون" في صناعة الكذب وحدهم من يقدرون على رؤية المغاربة في وضعية أحسن وأجمل من هذه الوضعية، لأنهم يعتبرون الفئة الأكثر إيمانا بالتفاؤل وصناعة الأمل والحد من التيئيس وتلميع كل مشتقات المستقبل، وهذا هو مكر السياسة والسياسيين المنحلين أخلاقيا طيلة تاريخ السياسة.

لقد شكلت قصة "المعطف"، وهي قصة حقيقية كما جاء على لسان الكاتب، نوعا من المحاكمة للديكتاتورية، للإدارة الفاسدة، نقلها الكاتب بأمانة كبيرة في مؤسسة الشرطة، المُهْمِلة، التي لا تقوم بوظيفتها، التي هي أمن وسلامة المواطنين، بالإضافة إلى رفض الإنصات إلى شكاواهم والتفاعل معهم بنوع من المسؤولية والمواطنة، وهو ما عاشه الموظف المسكين أكاكي عندما تعرض للسرقة بالقرب من مركز الشرطة، فعوض أن ينتصروا له ويبحثوا عن المجرمين بدؤوا في لومه وتقريعه ومعاتبته على خروجه ليلا. إنه الاستهتار في أعلى تجلياته بجوهر المسؤولية وقداسة الوظيفة الأمنية الملقاة على عاتقهم.

هل كان ضروريا أن يموت الموظف أكاكي بسبب سرقة معطفه في نهاية القصة كما تمت الإشارة إلى ذلك من طرف العديد من النقاد؟ نعم كان من الضروري أن يموت هذا الرجل الصغير في الحجم وفي الوظيفة، لأن المعطف كان بالنسبة إليه حلما، والكل يعرف كيف ضحى من سهره وصومه عن الأكل واشتغاله ليل نهار من أجل أن يشتري هذا المعطف، الذي سوف يحميه من قسوة البرد القاتل في مدينة مثل سانت بطرسبورغ. إن البحث عن الدفء من خلال "المعطف" هو إحالة واضحة على الأمان، أو بصيغة أخرى على البقاء، على الاستمرار في العيش. إن "المعطف" كان يشكل بالنسبة إليه وإلى كل الشعب الروسي التشبث بالحياة، ولهذا عندما سرق منه في ليلة ليلاء، وتخلت عن حمايته الإدارة المسؤولة، وطرده الجنرال المريض من مكتبه، شعر بأن كل هذه المؤسسات تتخلى عنه، وهو ما جعله فريسة للبرد القارس الذي سوف يسكن عظامه ويسرع بوفاته.

كان منطقيا أن يموت أكاكي بسبب تخلي الدولة عنه، عندما رفضت دعمه وتقديم الدعم والمساعدة الضروريين له، وكان هذا من حقه، وهو كان يعرف هذا، ولكن البيروقراطية والهرمية الإدارية المتصلبة وقفتا حائلا دون تحقيق رغبته، لهذا عندما سمع خبر وفاته انتفض الجميع على هذه الإدارة المريضة، وكانت بداية لرفع شعار الإصلاح في كل هياكل الدولة، وهو ما تحقق بعد سنوات طويلة من النضال، وأصبح يتداول على نطاق واسع عبارة "روسيا العظيمة"، فهل سنستفيق يوما على سماع نفس العبارة بصيغة "المغرب العظيم"؟


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (2)

1 - Aknoul السبت 08 دجنبر 2018 - 23:38
Merci pour l'article
le livre existe en audio book en anglais sur le web
Interessant à ecouter

Libravox Audio Book - Nikolai Vasilievich Gogol -
(The Overcoat)
2 - ahmed الاثنين 10 دجنبر 2018 - 10:00
infinidad de gracias por el articulo
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.