كذبة كبيرة

كذبة كبيرة
الخميس 27 دجنبر 2018 - 02:30

العملية الإرهابية التي استهدفت المغرب خلال الأسبوع الأخير لا يمكن الاستمرار في قراءتها بمعزل عن الوضع العام الذي تعيشه البلاد. إعادة الأسطوانة نفسها التي تتحدث عن وطننا كواحة للاعتدال الديني والوسطية وغيرها من المصطلحات الفضفاضة هو خداع للنفس وكذب عليها، والذي عادة ما يستعمل لـ”ستر ما ستر الله” من واقع عنيف يختلط فيه ما هو اجتماعي بما هو سياسي، اقتصادي، تربوي أو ديني.

من يعيش خارج المغرب ويسافر إليه من حين إلى آخر يمكنه أن يلاحظ وبالعين المجردة درجة التدهور الذي تعيشه البلاد. كل المجهودات المبذولة لإعطاء صورة مغايرة للواقع تتلاشى حينما يتعمق المرء في ما تخفيه طبقات الماكياج الكثيفة التي تم وضعها في وجه بلد تتآكله لعبة المصالح الضيقة التي تتجسد في الصفقات الخيالية التي تملأ الجيوب نفسها. مافيا جاثمة على صدر شعب يتضور من شدة القهر.

أكثر من تسعين في المائة من شباب هذا الوطن، حسب إحصائيات دقيقة، يصرحون برغبتهم في الهجرة والهروب بجلدهم من جحيم اسمه المغرب، و”أصحاب الحال” “ما مسوقينش”، كأن الأمر لا يهمهم؛ بل ربما هناك من يستعملهم للاستمرار في ابتزاز العالم بأسره مقابل إيقاف زحفهم الذي يقض مضاجع الأوروبيين في عملية مقايضة مقرفة يستفيد منها الأشخاص أنفسهم.

ثم هناك تجار الدين الذين خرجوا يتباكون على مقتل الشابتين الأسكاندينافيتين بدموع التماسيح، بينما هم يكرسون خطابات الحقد والكراهية وبشكل يومي. كل من يختلف معهم فمأواه جهنم؛ يملؤون العقول بفتاواهم المهترئة والقادمة مباشرة من قرون التخلف الإسلامي الذي لا نهاية له ثم “يفاجؤون” حينما يرون نتائج “وعظهم” المقيت.

المغرب سادتي ليس بلد تعايش سلمي ولا هم يحزنون. لنتوقف عن تكرار هذه الكذبة التي رددناها حتى التخمة وقررنا لسوء حظنا تصديقها. المغرب دولة عنف مستمر يتحرك بأشكال مختلفة ويتلون حسب الظروف.

الدولة التي تحتكر “العنف” قانونيا تستعمله وبسخاء كي تقمع أي صوت مخالف، تلقي بأقصى العقوبات السجنية في وجه كل من سولت له نفسه التشكيك في نظام مبني على الظلم الاجتماعي، كما تجتهد في قهر من لا يريد الركوع لـ”أسياد” هذا الوطن.

النظام التربوي، وبشكل عام طبعا، مؤسس على ركائز تكرس العنف كوسيلة لفهم العالم. دروس التاريخ كلها غزوات وفتوحات..دروس التربية الدينية هي دعوة صريحة إلى الإجرام. هذا لمن أتيحت له الفرصة لكي يتمدرس؛ والمغرب، كما يعرف الجميع، لم يستطع إلى حد الآن التغلب على أكبر آفة قد تصيب مجتمعا ما: الأمية.

وفي السياق نفسه فإن أكبر عنف يمارس على حاضر المغاربة ومستقبلهم هو التخلي التام عن أي تصور يهدف إلى إصلاح التعليم. بناء الحجر الذي يستثمر فيه البعض لا يمكنه أن يسبق بناء البشر كما هو الحال عندنا. جيد أن يكون لنا قطار سريع ولكن سيكون من الأفضل إرفاقه بإنسان مؤهل وذي تكوين ووعي.

كل الأرقام تقول إن المغاربة، بالإضافة إلى الإخوة التونسيين، هم أول مريدي الفكر الداعشي بحضورهم الكثيف في صفوف هذه المنظمة الدموية. أغلب العمليات الإجرامية التي كانت مسرحها دول أوروبية قام بها مواطنون من أصول مغربية أو يحملون جوازات سفر مغربية. هذه وقائع مؤكدة وليست آراء قابلة للأخذ والرد.

لا داعي للحديث عن العنف اليومي الممارس ضد النساء والأطفال..لا داعي لذكر عدد ضحايا العنف الجسدي واللفظي في شوارعنا. في آخر زيارة لي إلى طنجة منذ سنتين شاهدت في بضع ساعات ثلاث مشاجرات دموية في أهم شارع بالمدينة، ولأسباب واهية. أعيش في روما منذ أكثر من عشرين سنة ولم أر شجارا بين ايطاليين إلى حد اليوم. هذا لا يعني عدم وجود إجرام وقتل الخ بإيطاليا، ولكن الشارع العام له حرمته وأمنه.

أصحاب الفكر الإخواني، والذين أحبوا السلطة دون فهم لمسؤولياتها، يثرون القاموس السياسي العالمي بخطاب إيديولوجي مزدوج يركب على كل شيء بغاية الحفاظ على مصالح طبقة لا يمكنها الاستمرار ربع ساعة في الحكم بدون عنف.

المعارضة السياسية غائبة أو منعدمة، بل منها من قبلت بدور الخادمة في قصور السادة لعلها تقتات بفتاتهم؛ يتغنى أغلبها بالديمقراطية بينما زعماؤها قابعون على عروش أحزابهم لا يتورعون في استعمال نفس اللغة العنيفة التي طالما نددوا بمن يمارسها ضدهم.

وزير حقوق الإنسان يؤازر “أخا” له في الله عن عنف محتمل قد مارسه في حق مختلف بريء، ولكنه لا يجد حرجا في تبرير الاعتداء على أشخاص لهم ميولات جنسية مختلفة. الديمقراطية هي كل لا يتجزأ وليست قائمة طعام نختار منها ما نريد ونرفض ما لا يتماشى مع حميتنا الأيديولوجية.

المنطق نفسه يجب استعماله مع بعض دعاة العلمانية عندنا الذين لم يجدوا أي حرج في المطالبة بمنع داعية مصري عن الكلام، ناسين أو متناسين أن إيديولوجية التخلف التي يدعو إليها هذا الوجه التلفزيوني المعروف وغيره تزيد قوة بلعب دور الضحية، وهو ما ساهموا فيه بخطوتهم غير محسوبة العواقب. الديمقراطية وحرية التعبير هي حق يجب الدفاع عنه وإلى ما لا نهاية، خاصة حق أولئك الذين نختلف معهم. الأفكار تناقش ولا تمنع. أما من يدعو إلى العنف فهناك قوانين الزجر التي يجب أن يسهر على تطبيقها القضاة وليس المثقفين. إنها أبجديات الديمقراطية.

لننظر إلى واقعنا بعين مجردة وسنرى أن هناك أمورا كثيرة يجب أن تتغير وبسرعة “قبل ما يفوت الفوت”. وأول أمر يجب أن نراه هو أن مجتمعنا ليس مجتمعا مسالما بالمرة. ومهما تعددت أسباب العنف عندنا فإن الطريق الأنجع لمواجهتها هو الاعتراف برسوخ هذا “المرض” في ثقافتنا وتعاملنا معه بحزم انطلاقا من نقد ذاتي لكل شرائح المجتمع من “الرأس حتى للساس”، كل على قدر مسؤوليته طبعا. فقط بهذا الشكل يمكننا الانطلاق في رحلة طويلة وشاقة في عالم لا يرحم الشعوب التي تنافق نفسها.

*إعلامي مغربي بإيطاليا

‫تعليقات الزوار

11
  • حرب مريرة فهل أنتم مستعدون .
    الخميس 27 دجنبر 2018 - 06:37

    سكين بدرهمين وفكر منغلق وأربعة وحوش بشرية من قعر المجتمع كانت كافية لضرب اسقرار المغرب وزعزعة استقرار قطاع من أكبر ركائز الإقتصاد . هكذا وبكل هذه السهولة في التنفيذ وبهذه الوسائل البدائية حطم هؤلاء المجانين صورة عمل المغرب لسنوات على تسويقها كبلد للأمن والأمان والتعايش . هذه الهشاشة في اختراق أمننا رصيد استقرارنا تساءل بقوة مقاربنتا الأمنية وهل على نجاعتها ( من باب إنساب الفضل لأهله ) قادرة على اجثتات الإرهاب وتجفيف منابعه ؟ هل تستطيع الدولة مراقبة كل الذئاب المنفردة التي تنهل من آيات الجهاد وفكر ابن تيمية وتلميذه محمد بن عبد الوهاب ؟ هل تسطيع الدولة أن تقوم بثورة مناهج فتستعيض عن دروس الدين بدروس في المواطنة . حرب مريرة فهل أنتم مستعدون .

  • rien à dire d'autre
    الخميس 27 دجنبر 2018 - 07:02

    tout est dit,plus rien à dire,la violence est partout,elle occupe le quotidien,elle occupe les têtes calmes ou déclarées,la haine habite les crânes bourrés de :hada haram, hada halal,dhane sire issire
    les ultras riches sont sourds,c'est normal,leurs richesses leur a été octroyée par le ciel qui les couvre comme ils le prétendent,les pauvres ruminent leur haine violente

  • المهدي
    الخميس 27 دجنبر 2018 - 07:07

    تشريح موفَّق أيها الاستاذ للجسد المغربي المريض فعلاً لقد انقسم المجتمع المغربي الى ثلات فئات : فئة متطرفة ترى في الاثنين قوماً كافرين وثانية تتشكل من المنحرفين التائهين وقطاع الطرق وثالتة عالقة بين مطرقة الاولى وسندان الثانية .. والواقع كما أورد الكاتب أن صورة المجتمع العنيف اللامتسامح لا تتبدّى بوضوح الا لمن غاب عن المغرب لمدة طويلة وبدرجة أكثر ممن طبّع مع العنف والتوتر اليومي ، عندما تعود بعد طول غياب تستقبلك أولى بوادر الأعراض المرضية للمجتمع من نظرات شرطة ختم الجوازات بالمطار الى السائقين بأنانيتهم المفرطة واعتدائهم الغير مباشر وهم يطلقون عليك الأضواء من الخلف وعلى مسافة جد قريبة لتخلي لهم الطريق للتجاوز لتتوالى مظاهر التسامح العنيف كلما أوغلت في المدن وكأنك حللت بساحة حرب فتوصي أبناءك بقواعد سلوك جديدة كتلك التي تملى في حالات الطوارئ من قبيل : إنسى مسألة أحقيتك في ممر المشاة وانت تعبر الطريق ،لا تضع هاتفك في الجيب الخلفي لسروالك إلخ ،أما إذا كانت ابنتك شابة فالوصايا أكثر من أن تحول دون تعرضها للتحرش وشتى ألوان السلوكات الهمجية فلا تحرك إطلاقاً دون مرافقة ثم نحدثهم عن حب الوطن

  • موحند
    الخميس 27 دجنبر 2018 - 16:28

    مقال جد قيم ومضمونه يعبر عن الواقع والحقيقة المرة كما هي بدون لف ودوران ونفاق. المغرب المتناقظ والمنافق والاستثناءي في كل شيء بني على الاكاذيب والخيانات والتزوير للحقاءق والتاريخ. ولا نستغرب من الانفصام والحربانية والنفاق والانتهازية والمرتزقة والمتملقون والمشعوذون والسحرة وتجار الدين والبشر. في المغرب كل شيء قابل للتزويق والمكياج والتصبيغ والترقيع والاصلاح وحتى التغيير ولكن الجوهر مصدر كل الكوارث يكمن في الفكر والعقلية والثقافة والدين المخزني الذين ينتجون سلوكات العبودية والاستبداد والفساد ومختلف اشكال تلريع والعهر والقوادة والنهب والافتراس لحقوق وممتلمات وارض الشعب المغربي. وعلى الصعيد العربي والاسلامي ونحن نتتمي الى هدا العالم كذبا وظلما وعدوانا ينطبق عليهم القول" العرب والمسلمون لا يملكون القنابل النووية ولكن يملكون اخطر من هذا وهدا الخطر يكمن في تفريخ الخلايا الناءمة واليقضة من المتطرفين والارهابيون والدواعش الجدد. والمفاعل النووي للتفريخ هم الفقهاء والشيوخ وعلماء الدين المرتبطين بالوهابية والسلفية الجهادية في الشرق والاخوان المجرمون.

  • بلال
    الخميس 27 دجنبر 2018 - 17:38

    ما زلت اتذكر ورقة امتحان لتلميذة في الصف السادس ابتداءي في مايسمى بالتربية الاسلامية وقعت بين يدي، احد الاسءلة يطلب الاجابة بصحيح او خطا و من بين العبارات:
    عذب الله بنو صالح لانهم لم يؤمنوا به …. اجابت الفتاة بخطا فشطب الاستاذ على جوابها واعتبره خاطءا

  • Alucard
    الخميس 27 دجنبر 2018 - 23:52

    لوم الفقهاء لن يمشي بنا بعيدا فمن امتهن الدين حرفة يتكسب منها قوت يومه هو economic parasite سيحتاج دائما نفخ كير المشاكل الاجتماعية ليبرر جدواه وإلا بارت تجارته.
    هل الفقهاء متناقضون؟ متهافتون؟ بطبع هم كذالك وأكثر لكن ماذا يفعلون حقيقة سوى ترديد النصوص كالببغوات ليطبقها العوام. لكن متى نتج عن ذلك مشكل أعادوا مقاربتهم لنص فركزوا على نصوص دون أخرى ليتهربوا من المسؤولية في جبن مقزز.
    لكن ماذا بعد؟ هل توقف الفقهاء عن العمل بمبدأ Sola scriptura "وحده النص المقدس" سيقنع المتطرفين بالتوقف؟
    ماذا تفعل الجماعات المتطرفة سوى الالتصاق بالنص التصاقا وان لجئت للفقه فهي تقف عند الاستنتاجات الحرفية له وهي -في كلتا الحالتين- تفعل ذلك ولو نافى الأمر صريح العقل في تماه يصل حد الجنون.
    لكن هل من الممكن فعل أي شيء إذا كان مبدأ Sola scriptura هو الحكم الفصل؟ وهل سينتصر سوى من يتقن صنعة حرفية قراءة النص؟
    (يتبع)

  • Alucard
    الجمعة 28 دجنبر 2018 - 00:23

    (تابع)
    لأذكر بأن من نسميهم بداعش اليوم بدؤا مسيرتم بمشاهدة قناة كاقرأ ودروس عمرو خالد، هل تلك البرامج حولتهم إلى متطرفين؟ بالطبع لا لكنك دوما ستحتاج لتبدأ من مكان ما.
    عندما يكون عندك نص لا يقبل النقد فلا تستغرب أن الأغلبية (بمن فيهم المناوئون) ستنتصر للحرفية في تطبيقه، وهذا كل ما يحتاجه المتشددون ليقنعوا العامة بوجهة نظرهم.
    التطرف هنا ليس سوى مسألة وقت.. الأمر كالارتماء من هاوية كل ما تحتاجه سوى الجاذبية (ومرور الوقت) لتأخدك نحو القاع.

  • كلام مجحف في ...
    الجمعة 28 دجنبر 2018 - 05:55

    … حق المغرب.
    فاذا كان عمل ارهابي منفرد دليل على سوء اوضاع بلد ما ، فما القول في بلدان متقدمة يضربها الارهاب من حين لاخر.
    ماذا عن فرنسا و الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وبلجيكا واسبانيا وغيرها من البلدان التي شملتها افعال ارهابية رهيبة ؟.
    ولو كان المغرب جحيما كما زعمت لما قصده ملايين السياح للاستمتاع بالراحة في احضانه.
    بطالة الشباب آفة العصر في جميع البلدان بما فيها البلدان المتقدمة وهي من المعضلات التي تستاثر باهتمام حكوماتها وليس المغرب وحده من يعاني منها .

  • اذا كنت ترى ...
    الجمعة 28 دجنبر 2018 - 06:23

    … يا استاذ ان ثقافة العنف دليل على التخلف ،فان اكثر المجتمعات تخلفا هو مجتمع الولايات المتحدة الامريكية التي يريد علينا منها كل اسبوع تقريبا اخبار فعل من افعال اطلاق النار عشوائيا على الابرياء وحصاد ارواح كثيزة منهم.

  • وماذا عن اضطراب ...
    الجمعة 28 دجنبر 2018 - 06:47

    .. الاحوال في فرنسا وخروج اصحاب السترات الصفر للاحتجاج بسبب فقرهم و سوء معاييشهم ؟.
    وماذا عن العنف الذي مارسه المنضمون اليهم وما قاموا به من افعال التخريب في الشوارع؟.
    وماذا عن العنف الذي واجهت به قوى الامن المتظاهرين وما تسببت فيه من ضحايا بينهم؟.
    اما عن تنظيم داعش فانه استقطب الجهاديين حتى من شباب اوروبا وكل البلدان بما فيها المغاربية الجزائر وليبيا وليس من المغرب وتونس فقط.

صوت وصورة
احتفاء برابحة الحيمر في طنجة
الجمعة 29 مارس 2024 - 10:03

احتفاء برابحة الحيمر في طنجة

صوت وصورة
احتجاج تلاميذ ثانوية فرنسية
الجمعة 29 مارس 2024 - 00:30 3

احتجاج تلاميذ ثانوية فرنسية

صوت وصورة
شهادات للتاريخ | العثماني بالجزائر
الخميس 28 مارس 2024 - 23:00 2

شهادات للتاريخ | العثماني بالجزائر

صوت وصورة
فواجع النقل المزدوج
الخميس 28 مارس 2024 - 22:15 4

فواجع النقل المزدوج

صوت وصورة
تقنين التنقل بالتطبيقات
الخميس 28 مارس 2024 - 19:55 11

تقنين التنقل بالتطبيقات

صوت وصورة
الفهم عن الله | إصلاح العيوب
الخميس 28 مارس 2024 - 18:00

الفهم عن الله | إصلاح العيوب