24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

15/06/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:2406:1213:3317:1320:4422:18
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
السبت
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقع تتويج المنتخب المغربي بكأس الأمم الإفريقية مصر 2019؟
  1. 15 مليون سنتيم تنتظر هداف البطولة المغربية (5.00)

  2. المغرب "يخترق" أمريكا اللاتينية بـ"حصان الاقتصاد وعربة السياسة" (5.00)

  3. نشطاء وطلبة الطب يرفعون بالبيضاء "الما والشطابا" في وجه أمزازي (5.00)

  4. تظاهرة ضد أمزازي (5.00)

  5. الزياني ينفي اتهامات "إلموندو" ويستعد لمقاضاة الدولة الإسبانية (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | مع بابلو نيرودا

مع بابلو نيرودا

مع بابلو نيرودا

يُعتبر الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا من أبرز شعراء القرن العشرين في العالم الناطق باللغة الإسبانية، وما زالت الدراسات تترى وتتوالى والاهتمام به وبإبداعاته الشعرية الفريدة والمتنوّعة يتزايد يوماً بعد يوم في مختلف أنحاء العالم على الرّغم من رحيله عن عالمنا منذ ما ينيف عن ستة عقود خلت، وما فتئت قصائده تبهر قرّاءه وتأخذ بمجامعهم، سواء في بلده تشيلي أو في إسبانيا، وفي مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية.

أشهر ديوان في لغة سيرفانطيس

كان بابلو نيرودا يتوفّر على ثلاثة منازل، هي "شاسكونا"، و"الجزيرة السّوداء"، (التي ليست بجزيرة كما أنها ليست سوداء)! و"لاسيباستيانا"، ولقد تحوّلت هذه المنازل جميعها إلى متاحف تشرف عليها مؤسّسة بابلو نيرودا التي تمّ تأسيسها عام 1986، وأصبحت اليوم تراثاً ثقافياً وطنياً لشيلي.

في هذه الدّور كتب بابلو أجملَ قصائده، وأعدّ العديدَ من طبعات كتبه ودواوينه. ومنها ديوانه الشهير "عشرون قصيدة حبّ.. وأغنية يائسة" الذي نحن بصدده، والذي يعتبره النقاد أشهر ديوان شعري في اللغة الإسبانية، بل إنه أكثر الدواوين انتشاراً في تاريخ هذه اللغة، ففي عام 1960 دون أن نضع في اعتبارنا عدد الطبعات السريّة، أقيم حفل كبير بمناسبة بيع النسخة المليون من هذا الديوان الذي بلغت طبعاته في الوقت الراهن الملايين من النسخ وما زال يعاد طبعه بدون انقطاع بعد أن تمّ نقله إلى مختلف لغات العالم.

خلّف لنا نيرودا من جهةٍ أخرى أزيدَ من خمسين كتاباً آخر، بلغت صفحاتها عندما جُمعت ضمن أعماله الكاملة ما ينيف على خمسة آلاف صفحة. وقد نُشرت حول هذه الأعمال العديد من الدراسات، والكتب، والرسائل، والاطروحات الجامعية في مختلف أنحاء المعمور.

قصائد مُترعة بأرقّ الأحاسيس

تطرّق نيرودا في شعره على امتداد رحلته الإبداعية إلى مختلف المواضيع، فمن قصائده العاطفية المفعمة بأرقّ الأحاسيس التي تعالج مواضيع لها صلة بالحبّ، والصّبابة، والجوى إلى المواضيع السياسية، والتاريخية، والاجتماعية، وقد بلغت هذه الأشعار عنده درجات عليا من البلاغة وجمالية التعبير الشعري الرقيق؛ ففي القصيدة التاسعة من عشرين قصيدة حبّ نجد تداخلا، وتشابكاً، وتناوشاً وتفجيراً للمجاز الشّعري: غروب يحطّ على عينيك/يا دمية، يا صَدفة بريّة.

في هذه القصيدة نلمس قوّة حواس الشاعر، وهي من أهم مصادر إبداعاته وينابيع خلقه، فإذا به يلبس المادة مسوحاً روحية من شعره وقصائده:

شاحب ومشدود إلى مائي الملتهب/أعبر حموضة رائحة الطقس العاري/الذي ما زال يرتدي رداءً رمادياً/وأصواتاً أخرى/وبقايا رغاوي حزينة مهجورة/أمشي ثابتاً مُثقلاً بأحاسيسي/مُمتطياً صهوةَ لجّتي الوحيدة.

وهكذا تتسابق، وتتلاحق، وتتعانق حواس السّمع، والشمّ، والذوق في آن واحد لتقترب بنا من موصوفات الشاعر. وفي ديوان آخر لنيرودا بعنوان: "إقامة أرضية خاصة في القصائد الثلاث المادية"، نجد الشاعر يلج ويخترق المادة النباتية مثلما يتّضح لنا في المقطوعات التالية:

مسام عروق، ودوائر العذوبة/ثقل حرارة صامتة/سهام ملصقة بروحك المنهدة/موجودات ناعسة في فمك المكتنز/غبار لشباب عذب مأكول/رماد مملوء بأرواح منطفئة/تعالوا إلى حلمي اللاّمحدود/انزلوا إلى قبّتي حيث يهبط الليل/بدون توقّف مثل الماء المنهمر/فلنوقد النّارَ والصّمتَ والصّوت/ولنضرم ولنسكت النواقيس.

وفي ديوانه "إسبانيا في القلب"، الذي جمع قصائده المكتوبة في الفترة المتراوحة بين 1935-1945، تتفجّر العواطف والأحاسيس حول موضوع الحرب الأهلية الإسبانية 1935-1939. وفي مذكراته "أعترف أنني أعيش" (1974)، التي نُشرت كاملة بعد رحيله، وهي امتداد لما كان قد كتبه في شكل سيرة ذاتية عام 1962 بعنوان: "حيوات الشاعر"، يتعرّض نيرودا إلى ذكرياته الماضية منذ ولادته عام 1904 ثمّ طفولته، وشبابه واكتشافه للحبّ والشّعر والعالم الخارجي، وأخيراً إقامته الدائمة في منزله الجزيرة السوداء بعد سقوط صديقه وخليله سلفادور أييندي.

حياة حافلة

بدأ نيرودا حياته المبكّرة الأولى في تيموكو وهو محاط بالطبيعة الخلاّبة الغنّاء، أشجار سامقة، وأنهار جارية، وخيول مُسرجة، ومعادن لمّاعة، والمحيط الهادر العنيف، والأمطار الغزيرة التي لا تتوقف، والتي كان يُغرم بها ويهيم. ثم بعد ذلك خلال أيام الدراسة في سانتياغو، نشر ديوانه الأوّل 1923، وهو "شفقيّات"، ثمّ رحلته إلى المشرق وتنقلاته بين برمانيا التي عيّن قنصلاً بها، وبين سيلان والهند وجاوة وغيرها من المدن المشرقية، حيث عرف نيرودا طعمَ الغربة والعزلة والبعاد عن الأوطان في عالم يغرقه بالمتعة ويقسو عليه في آن واحد.

ونتيجة هذه العزلة، أتى ديوانه "إقامة في الأرض"، ثم رحلة العودة إلى أوروبا، حيث يتعرّف على الشاعر البيروفي الكبير سيزار أبرهام بايّيخو 1892-1938، الذي وصف شعره بأنه شعر مجعّد متناوش صعب لمسه يشبه جلدَ الأدغال، إلاّ أنه شعر جليل الشأن ذو أبعاد إنسانية عميقة يتخطّى ما وراء الوجود.

وفي عام 1935 عيّن نيرودا قنصلاً لبلاده في مدريد، ولم يبق سوى سنة واحدة على اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية. ثمّ أسس مع بايّيخو جمعية إسبانية-أمريكية لمساعدة إسبانيا. ونظم مؤتمر بلنسية، وقدّم العون للمهاجرين الإسبان المتوجّهين إلى شيلي، وبعدما عاد إلى بلاده وانتُخب عضواً بمجلس الشيوخ (1945)، ليتابَع سياسياً ثمّ يفرّ متخفّياً، وتبدأ سنوات الغربة في مرحلتها الثانية إلى أن تتوّج أعماله الشعرية بمنحه جائزة نوبل في الآداب عام 1971، ويعيش أعوامه الأخيرة في منزله الأثير بالجزيرة السّوداء، التي كانت تسمّى كذلك قرطبة، إلى جانب زوجته الثالثة والأخيرة ماتيلدي أورّوتيا، بعدما أضاف آخر الصّفحات في مذكّراته، كان يقول: "إنّني ألتهم العواطفَ، والعواصفَ، والأحاسيس، والمخلوقات، والكتبَ، والاحداثَ، والمعاركَ، بل إنّني ألتهمُ الأرضَ كلّها، وأحتسي جميعَ البحار".

مراحل الإبداع في شعره

يُقسّم النقاد مراحلَ الإبداع عند نيرودا إلى أربع، تُعرف الأولى بمرحلة البداية، وتنطلق من ديوانه "شفقيات" 1923 حتى "المتحمّس" 1933، حيث ينتقل الشاعر من العصرنة إلى الطبيعة، وتبدو في إبداعات هذه المرحلة تأثيرات الشّاعر الأوروغوائيّ سابات أركاستري.

ثم المرحلة الثانية التي يبرز فيها الطابع الغنائي، وهي تمتدّ من "إقامة في الأرض" 1933 في الجزأين الاوّلين من هذا الديوان نفسه، إلى المرحلة التي تتفتّق فيها مواهب الشاعر في أعلى قممها الإبداعية.

وتمتدّ المرحلة الثالثة من 1936 إلى 1950، وفي هذه الفترة يأتي ديوانه "الغناء العام" مشحوناً بتأثير الحرب الأهلية الإسبانية.

ثم أخيراً المرحلة الرابعة حيث نجد الشاعر وقد استوى على عرش الإبداع الشعري انطلاقاً من ديوانه "مقطوعات الريّان" 1952، ثمّ الأعمال الشعرية التي نُشرت بعد رحيله.

ويحفل ديوانه "إقامة في الأرض" بتأثيرات سوريالية، حيث يمزج المجاز، والاستعارة، والرّمز، بأغرب الأخيلة والصّور والأفكار. وفي هذا الديوان يتفجّر النّبع الفيّاض الذي لا ينضبّ للشاعر فيرقب، ويتأمّل، ويحدّق، ويتابع، ويقتنص اللحظات، ويحلل الأشياء والموجودات، فإذا الأرقام في هذا الديوان تتداعى وتتهاوى وتُحتضر إلى جانب الصّواعق، والشّعاعات التي تعلوها الرطوبة والبلل، ولا يحاول الشّاعر في هذا الديوان تقديم أيّ تفسير، ولا يبحث عن شروح، بل إنّه يرصد، ويصف، ويصوّر ويقدّم الاشياءَ، والحوادثَ، والانفعالات، والأحاسيس، إنه يقيم أركانَ مملكة شعره وهو يتوق ويصبو نحو زمن صوفيّ يتواصل فيه الليل والنهار، والعلاقة بين الأسطورة والإبداع الشعري في القصيدة السّوريالية هي بمنأى عن أيّ ريب، فقد أبرز سيجموند فرويد أن دينامية الحلم، وهو الجانب المأثور عند أندريه بريتون، والعالم الصوفي يجمع بينهما شبه غريب؛ إذ هما يُعتبران من أبرز سمات الفكر الغائبي والغرائبي المضادّ للفكر الموجّه، فنيرودا يقلّل من شأن عنصر الحكي في القصيدة، وهو لا يتوقّف عن طرح التساؤلات والتوسّلات:

"أحتاج إلى البحر ليلقّنني/ لستُ ادري هل أتعلّم الموسيقى أم الضمير/هل هو المَوْج أم هو العُمق/ أم صوت مبحوح أم انبهار/أم هو افتراض أم أسماك ومراكب/ فالمسألة هي أنني إلى متى سأظلّ نائماً/وبشكل مغناطيسي/ أتجوّل في مملكة المَوْج/ليست الصّدفات هي وحدها مدهوسة/ كما لو أن كوكباً مرتجفاً/يشارك في الموت البطيء/لا، إنّني من الأجزاء أعيد تركيب النهار/ومن كمشة ملح رواسبَ متحجّرة/ ومن ملعقة بحراً شاسعاً/ما لقّنني إياه في الماضي/ما زلت أحتفظ به حتى اليوم/إنه الهواء والرّياح والماء والرمال/ يبدو ذلك أمراً هيّناً/لرجلٍ في مقتبل العمر/وصل إلى هنا ليعيش مع حرائقه/إلاّ أن النبضَ المتصاعدَ والنازلَ إلى هوّته/ صقيع الزّرقة الزاخر القرمزي/وأفول النّجمة/ وانطلاق المَوْج الهادئ/مبذرة الثلج وزبد البحر/ القوّة ثابتة هناك/كعرش من حجر في الأعماق/ استبدلتُ المكانَ الذي ترعرعتُ فيه/الأحزان العنيدة/ وتراكم النسيان/غيّرت وجودي فجأةً/ وانتمائي إلى الحركة الخالصة"**

نيرودا والطبيعة

إننا نجد في الشّعر النيرودي مزجاً غريباً بين الإنسان والطبيعة، بل إنّه يحاول بذلك إقامة نظرة شمولية للكون تقوم على المنطق، فموت الثمرة يعني بداية الخلق والنبت، أيّ العودة، إنه شكل جديد للرّحيل ووراء هذا الموقف يواجهنا الهلع، والفزع، والحزن، والألم إلى جانب الأمل والتمادي في الشدو والغناء على أنغام نواقيس ونواميس قديمة صدئة، العزلة والشعور بالمرارة في أشعار نيرودا، وهي أشعار وثيقة ولصيقة الصّلة بجوّ من الهدوء والسّكينة مصبوغة أحياناً بصبغة التهكّم، والسخرية، والدّراما، خاصّة إذا علمنا أن هذه العزلة التي يتغنّى لها وبها الشاعر هي نتيجة خدع ومكايد من صنع الإنسان أو الطبيعة ذاتها، من هنا تنبثق لدى الشاعر فكرة الظلم إذا عمّ هان الذي أصبح شعاراً في قصائد نيرودا في آخر أيام حياته حيث اتّجه نحو الغناء العام أو الشّامل الذي سيصبح أحدَ عناوين ديوانٍ مشهورٍ له جمع فيه مغانيه، وغنائياته، وبكائياته وأشعارَه السّابقة، بالإضافة إلى ديوانه الآخر "حديقة الشتاء".

ألبرتينا..المرأة التي ألهمته

إنّ اكتشاف رسائل بابلو نيرودا إلى ألبرتينا روسا أثوكار يزيح الستار عن لغز أدبي دام أزيدَ من نصف قرن، وهو التعرّف على المرأة التي ألهمت الشاعرَ لكتابة أهمّ وأشهر دواوينه، وهو "عشرون قصيدة حبّ"، وكان نيرودا قد أسهم هو نفسُه في التعتيم على هذه الحقيقة إبّان حياته؛ إذ لم يذكر اسمَ ألبرتينا كما أنّه لم يشر إليها في مذكراته، ويعود عدم إفصاحه عن هذا السرّ، على الأرجح، إلى أن المرأة أصبحت في ما بعد زوجة صديقه الحميم الشاعر أنخيل كروشاغا، أو ربما يكون قد عدل عن تسميتها صراحةً في قصائده حتى يعالج المضمون الرمزي في قصائده، المرأة في شكلها المجرّد كموجود دون تعيين أو تحديد امرأة بالذات.

وعندما احتفى عام 1960 ببيع النسخة المليون من هذا الكتاب، قال متعجّباً: "إنها لمعجزة لا أعرف سرّها، كيف أمكن هذا الكتاب العاصفة أن يهدي غيرَ قليلٍ من الناس إلى طريق السّعادة".

هذه الرسائل التي ظلت محفوظة لمدّة ستيّن سنة من طرف ألبرتينا نفسها تعمل على كشف هذه الحقيقة التي حاول نيرودا تركها في عالم الكتمان في حياته، كما تفصح هذه الرسائل عن فترة هامّة من حياة الشّاعر في طور المراهقة وشرخ الشباب، وهي تلقي الضوءَ على نفسيته، ومزاجه وتفكيره، وقلقه وتوجّسه، ومشاغله، وشاعريته المبكّرة.

دام الحبّ بين نيرودا وألبرتينا من 1923 إلى 1932، وكان من أهمّ العوامل التي عملت على شحذ قريحة الشاعر، وتحريك موهبته لنظم قصائد غنائية غزلية رائعة في مستوى "عشرون قصائد حبّ"، تعكس هذه القصائد حقائق مهمّة خاصّة بعد اكتشاف الرّسائل؛ إذ تتضمّن تعابيرَ متشابهة بينها وبين الرّسائل الأصليّة، ونحن واجدون في بعض جُمل وتعابير الرّسائل فقراتٍ وكأنّها طبق الأصل لبعض القصائد المنشورة في الديوان الشّهير، منها على سبيل المثال: إنّكِ كذلك من زبد أو هذا المساء سأكتب اسمَكِ على الرّمال أو لكي تسمعينني تهزل كلماتي أحياناً حتى تُصبح مثلَ آثار طائر النّورس على الرّمال.

القصيدة الحزينة

وأشهر قصيدة مهداة إلى ألبرتينا في الدّيوان هي التي تحمل رقم 5، وفيها يشكو بابلو نيرودا قلّة عنايتها به وعدم كتابتها له: "لقد انقطعتْ عنّي كتاباتك"، والمحتوى الرّمزي لعنوان هذه القطعة يوحي بذلك إلى "قصيدة الصّمت": "وعندئذ أتخيّلكِ غائبة فأحدث صمتك". وتتضمّن القصيدة رقم 9 من الديوان إشارة واضحة كذلك إلى ألبرتينا على ضوء الرّسائل؛ إذ يقول في كلتيهما، الرسائل والقصائد: "إنني أذكركِ كما كنتِ في الخريف الأخير، كنتِ القلنسوة الرّمادية، والقلبَ في هدوئه وخشوعه".

ويشير النقاد إلى أن ألبرتينا لم تكن المُلهِمة الوحيدة لـ "عشرون قصيدة حبّ"، بل هناك امرأة أخرى كانت تسمّى تيرسا، وهي من البلدة نفسها التي وُلد فيها نيرودا بشيلي تيموكو، وتطلّ هذه المرأة على القارئ من خلال قول الشّاعر: "اليوم كنتُ ممدوداً إلى جانب غادة نقيّة حسناء"، والبرتينا نفسها تعترف بأنها تعرّفت على بابلو عندما كان يكاتبها وفي الوقت ذاته كان يعرف فتيات أخريات، إلاّ أن تعلّق الشاعر نيرودا وحبه لالبرتينا أمر لا يرقى إليه شكّ، فعندما كان يعمل قنصلاً لبلاده في سيلان وهي في أوروبا كاتبها طالباً الزّواج منها، ويعترف لها في هذه الرّسالة بأنه لم يحبّ مثلما يحبّها، ويقول: "أودّ الزواجَ منك استذكاراً لحبّنا الأوّل"، إلاّ أن ألبرتينا لم تستبدل تذكرة العودة إلى تشيلي بكولومبو حيث كان ينتظرها بابلو، وكانت تلك هي النهاية، نهاية حبّ مخيّبةٍ للآمال، ولكنّها خلّفت لنا ديواناً عزّ نظيره في لغة سيرفانتيس، ديواناً من أرقّ الشعر وأعذبه، خلّفت لنا "عشرون قصيدة حبّ".

كان نيرودا من الشّعراء القلائل الذين عرفوا كيف يفهمون، ويهضمون، ويضيفون إلى ما حولهم بما يعتمل فيهم من تأثيرات الآخرين، ففيه يسكن غونغورا، وروبين داريّو، وطاغور، وأرثيبستي دي هيتا، والمعرّي، والمتنبّي، وفى صوته توحيد للغة الشّعر العالمي، صوته عذب، رخيم، ولم يكن قطّ أبحّ، ففي مذكراته أعترف أنّني عشت نثراً شاعريّاً، وفي كلمات وصور نجد شعراً منثوراً، إلاّ أن شعرَه أرقّ وأدقّ من نثره، ولغته الشّعرية شلاّل فوّار منهمر تنثال منه جداولُ أشعارٍ تتسابق وتنساب كأنّها تقوم على نغمٍ واحد.

متاهات الكلمات

في حديثٍ له بعد فوزه بجائزة نوبل عام 1971، قال نيرودا: "لقد وصلتُ بعد درسٍ قاسٍ في الجمالية، وبحثٍ عميقٍ وسط متاهات الكلمات المكتوبة، وتقتُ لأن أكونَ شاعرَ بلدي، ويكفيني هذا التكريم".

حورب نيرودا في حياته، ولحقت به الانتقادات بعد مماته، سواء لمواقفه السياسية أو حسداً من هؤلاء الذين استكثروا عليه حصوله على نوبل، ولكنّه كان أكبرَ من هذه المعارك الجانبية. كان نيرودا رجلاً متواضعاً، وكان شعره ذا أبعاد عالمية، كان راوياً، حاكياً، ومُسجّلاٍ لأحداث عصره، وكان شاعراً ذا إنتاج غزير يحمّل تيار لغته الشعرية قطعاً من اللغة العاميّة، وبذوراً، وأزهاراً برية وبحرية غريبة. أشجار ومعادن داخل مياه نهره اللغوي الجارف كانت ترسو مراكبُ وسفنٌ إسبانية مُحمّلة بنوادر الكنوز من كل نوع على مياه يمّ إبداعه، ومن يلمس هذه المياه كانت أنامله تتشابك بخيوط المرجان، ودانات اللؤلؤ، أن فنّه حافل بالرّموز العميقة، ومُثقلٌ بمضامين بليغة، كان من أبرز الشّعراء في اللغة القشتالية في عصره.

تغلغل الشّاعر في شرائح الشّعب

من دواوينه: إقامة في الأرض 1933، الإقامة الثالثة 1942، الغناء العام 1950، أشعار نقيب الذي نُشر باسم مستعار، إلاّ أن أسلوبه المميّز كان يفضحه ويدلّ على صاحب الأشعار وقائلها، العنب والرّيح 1949، أناشيد أساسية 1954، شذوذ الذاكرة 1958، الجزيرة السّوداء 1964، غناء البطولة...إلخ.

يصف الكاتب المكسيكي الرّاحل كارلوس فوينتيس بابلو نيرودا بأنّه أعظم شاعر في القرن العشرين، في العالم الناطق باللغة الإسبانية. ويحكي لنا أطروفة عن مدى تغلغل نيرودا في الأوساط الشعبيّة الشيلية، فيقول:

"كنتُ ذات مرّة أتجوّل على ضفاف نهر بيوبيو، وعندما بدأ الليل يرخى سدوله، رمقتُ مجموعة من العمّال مجتمعين حول نار مشتعلة فتناول أحدُهم قيثارة وبدأ يعزف، ثم انطلق صوتُ عامل آخر وطفق ينشد مجموعةً من أشعار نيرودا على شرف أحد المناضلين من أجل استقلال شيلي، فدنوتُ منهم وقلتُ لهم: الشّاعر نيرودا لا بدّ أنّه كان سيُسرّ كثيراً إذا علم أنّكم تغنّون أشعارَه، وأمام ذهوله وذهولهم قالوا: أيّ شاعر؟ فهم لم يكونوا يعرفون أن هذه الأشعار من نظم نيرودا".

وهنا تأكّد لفوينتيس مدى تغلغل هذا الشّاعر في شرائح الشّعب الشيلي على اختلاف طبقاته، وتحوّلت أشعارُه إلى صوتٍ جماعيٍّ متواتر يحفظه ويردّده الشعبُ عن ظهر قلب مثل الحِكم السائرة، والأمثال الماثورة!

وُلد بابلو نيرودا في 12 تموز 1904 وفارقنا عن سن تناهز 69 سنة في منزله الجزيرة السّوداء بعد 11 يوماً من اغتيال سلفادور أليندي في 23 شتنبر 1973. وتحتفل الأوساط الأدبية في بلده تشيلي وفي مختلف البلدان الناطقة باللغة الإسبانية كلّ عام بهذه المناسبة، حيث يتمّ تسليط الأضواء على إبداعاته الفريدة، وإشراقاته المُبهرة في عالم الشعر، والخلق، والعطاء.

*كاتب وباحث ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الإسبانية الأميركية للآداب والعلوم-بوغوطا-كولومبيا

**القصائد والنصوص النثرية المُدرجة أعلاه لبابلو نيرودا من ترجمة صاحب المقال عن اللغة الإسبانية


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (4)

1 - أستاذ الاجتماعيات الجمعة 17 ماي 2019 - 23:30
لطالما حلمت بتعلم و إتقان اللغة الإسبانية، لكن الكسل و إرهاق مهنة التعليم، مهنة البؤس و الضياع، حالت دون ذلك.
2 - ميمون الريفي التطواني السبت 18 ماي 2019 - 03:27
مقال غزير،يدخل بنا إلى عالم الشخصيات التي نفعت العالم وزادته رونقا وجمالا.
3 - Patriote السبت 18 ماي 2019 - 13:27
Oui mais c'est toujours la culture des autres.et nous dans tout cela ?
4 - محمد بداوي - وجدة الفيحاء السبت 18 ماي 2019 - 16:51
لقد صدق الرّاحل غابرييل غارسيا مركيز حين قال عنه ذات مرة:
بابلو نيرودا من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم.
أجدد لكم دكتور محمد تحياتي.
HASTA LUEGO.
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.