24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

18/01/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:5908:2913:4316:2418:4820:06
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
السبت
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد إسقاط الفصول المجرّمة للحريات الفردية من القانون الجنائي؟

قيم هذا المقال

4.33

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | في الحاجة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية

في الحاجة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية

في الحاجة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية

بمِقدار ما يَنتابُ المرءَ اعتزازٌ وهو يُتابِع، عبر مختلف وسائط الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تألُّق ثلة من تلامذة الباكالوريا المغاربة وهُم يوَقِّعون على إنجازاتٍ جديرةٍ بالتنويه من خلال حصولهم على معدلات ممَيَّزة، ما يجعلهم قدوةً تُحتذى، فإن تساؤلاتٍ عميقةً تَطرح نفسها بحدة، يأتي في مقدَّمِها طغيان الهاجس الرقمي والكمي كمعيار وحيد لتقييم التفوق، والذي قد يتم على حساب جودة التَّعلُّمات. واقعٌ استحالَت معه المنظومةُ التعليمية حلبةَ سباقٍ تَتَسيَّدُها لغة الأرقام وتُعيد إنتاج هيمنة القيم الرأسمالية واقتصاد السوق من ناحية، وتنتصر، على نحوٍ مضمَرٍ، للتكنوقراط، وتنصيب تخصصات بعَينِها صنما جديدا من ناحية أخرى.

المعطى نفسُه أَفرز حيفًا تُجاه العلوم الاجتماعية والإنسانية ويُسائِل منزِلتَها في المنظومة التعليمية والتربوية المغربية؛ فالتعاطي الإعلامي مع هذه الإنجازات، على أهميته واستحسانِه بِغاية تشجيع التلاميذ المتفوّقين، تُعوِزه الموضوعية لارتكازه على معيارٍ وحيدٍ، هو البعد الكمي أو النقطة العددية، ما يُفسِّر عدم التفاتته إلى التلاميذ المتفوقين في الشُّعب والمسالك الأدبية والاجتماعية والإنسانية. فكون التلاميذ المسجلين في الشُّعب العلمية في صَدارة المتفوقين مرده إلى تبايُن أنماط التقييم من جانب، وطبيعة المواد العلمية نفسِها مقارنة بنظيرتها في العلوم الإنسانية والاجتماعية من جانب آخر. كما لا يفيد ذلك إطلاقا انتفاء أي أهمية لهذه الفئة الأخيرة من العلوم أو انتقاصا من شأنها، رغم أن أغلب المتدخلين في القطاع تواضعوا على أن الشُّعَب العلمية تتبوّأ موقعَ الصدارة، وأن الشعَب الأدبية والاجتماعية تبقى في مقامٍ ثانٍ وتُعَد خيار من لا خيار له.

ولعل جذور هذا الحيف والتحامُل ليست وليدة اليوم؛ فقد بادرَت الدولة سنة 1981 مثلا بإغلاق معهد العلوم الاجتماعية في سياق تضييقها على شعبة الفلسفة، وقبل ذلك بكثير تم في عهد السلطان محمد بن عبد الله منع تدريس المنطق بجامع القرويين بزعْمِ أن "مَن تَمنطَق تَزَنْدَق"، أو الانتقاص من قَدْر دراسة التاريخ من خلال مقولة "الجهل به لا يضر والعلم به لا ينفع"، ما مَفاده أن حبل الود لم يكن دَومًا قائما بين العلوم الاجتماعية والإنسانية وصناع القرار.

إن أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية لا ينكرها إلا جاحد، من دون أن يحجب ذلك حقيقة الإكراهات والتحديات التي يطرحها تدريس هذه العلوم في المستويات الجامعية على الخصوص، لاسيّما علاقتها بسوق الشغل وصعوبة إدماج خريجي الجامعات في هذه التخصصات. بيد أن الحاجة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية باتَت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، بالنظر إلى حجم التحديات والإشكاليات التي تُواجهها المجتمعات المعاصرة في الوقت الراهن؛ فضلا عن كوْن هذه العلوم تحمل رهاناتٍ كبيرةً على رأسها تكوين نشءٍ ذِي مناعة فكرية وملَكات نقدية تتيح مساءلة الكثير من مناطق الظل، التي تَواضَع المجتمع وصناع الرأي العام على جعلها في خانة اليقينيات أو "غير المفكَّر فيه" أو "غير المسموح بالتفكير فيه"، وَفْق تعبير محمد أركون، بالارتكاز على نسبية المعرفة الإنسانية. كما يُوصَف علم الاجتماع مثلا بـ"العلم الفضائحي" كونه يكشف اختلالات المجتمع وأعطابَه ويتصدى لها بالدراسة والتحليل.

ترتيبًا على ذلك، فكل مجتمع يَعْشُو عن رصد مَثالبِه على شتّى الصُّعُد والبحث عن السبل الكفيلة بتجاوزها، عبر ربط جذور الماضي بالحاضر، لن يكون في وُسعه استشراف المستقبل، فإذا كانت العلومُ الحقة قادرةً على التصدي للعديد من الإشكاليات التقنية والتماس الحلول الكفيلة بتوفير كل شروط العيش الكريم للمجتمعات المعاصرة، فإنه قد لا يكون بمقدورها وضع إجابات لأسئلة إشكالية ومصيرية من قبيل تحديات العولمة ومشاكل العنف والتفكك الأسري والإرهاب والتطرف في شتّى صوره، والهجرة وتصاعد الخطابات والتيارات الشعبوية ومعاداة الأجانب وأزمة منظومة القيم وغيرها.

وما يُعضِّد هذا الطرح ويُسنِده أن التقدم التقني لقارة مثل أوربا لن يحجب إطلاقا أفضال مفكري عصر الأنوار عليها خاصة وعلى الغرب عامة، بفضل دورهم المحوري في إخراجها من بَراثن الفكر القروسطي الثيوقراطي بما هو دعامة وخلفية نظرية للإقطاع، من خلال كتابات مرجعية في تاريخ الفكر السياسي لمفكرين كبار أمثال جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو وديفيد هيوم. إن التقدم في عمقه قرار سياسي لا يجد طريقه إلى أرض الواقع إلا عبر توفير بيئة ديمقراطية حاضنة، والتي لعبت النظريات السياسية في الحالة الأوربية دورا حاسما في إرسائها مثلما هو الحال بالنسبة لنظرية العقد الاجتماعي ومبدأ فصل السلط. بل أبعد من ذلك، انفتحت أوربا على الفلسفة العربية من خلال استثمار وإعادة اكتشاف ابن رشد وابن خلدون وغيرهما من أَعلام الفكر عبر حملة واسعة لترجمة أمهات الكتب. على أهميتِها، فليْس بالرياضيات والفيزياء والكيمياء وحدَها تَسمُو الأمم.

ورغم ذلك، فهذا الطرح ليس البتة انتصارا من غير مُسوِّغ للعلوم الاجتماعية والإنسانية أو انتقاصا من شأنِ "العلوم الحقة"، والتي تشكل الركيزة الأساس لارتقاء الأمم في مَدارِج الرقي والتنمية من خلال امتلاك ناصية العلوم والتقنيات كسبيل لبلوغ مصافّ الأمم المتقدمة، باعتبار التكنولوجيا بوابة لا محيد عنها للعبور نحو المستقبل. وبالنتيجة، فالوضع السليم يرتكز على إيلاء العناية اللازمة لمختلف مشارب العلم والمعرفة، من غير تمييز أو ممالأة، باعتبارها الدعامة الأساس لنهضة كل أمة تَتطلّع لغد أفضل، مستثمرةً في ذلك القدرات والمَلَكات كافَّة، ما يقتضي إعادةَ الاعتبار لسؤال المنهج وإصلاحًا عميقا وجذريا للمنظومة التعليمية لجعلها في مستوى تحديات الحاضر والمستقبل، من منطلَق أن "تاريخ المجتمعات البشرية هو تاريخ المنافسة بين التعليم والكارثة"، حسب تعبير المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (8)

1 - زعروف الاثنين 01 يوليوز 2019 - 13:47
شكرا أ. مصطفى علوش.
في الواقع نحننعاني من نقص حاد في الصناعة العلمية التجريبية والتقنية؛ أما في العلوم الإنسانية والإجتماعية فالمغرب مليء بالفقهاء والحقوقيين والكتاب والمغنيين والراقصين والرسامين والممثلين والناقدين والمحللين والمؤرخين والمترجمين وأطباء النفس والمحاضرين والسياسيين والاقتصاديين واللسانيين والاعلاميين والمجازين في علم الجريمة والأركيولوجيا والأنثروبولوجيا والجغرافيا وفي كل التخصصات والتوجهات واصحاب الرأي (بفضل الانترت منبر لمن لا منبر له) الجميع يشارك في الساحة الأدبية الاجتماعية وكثير منهم جامعيون ..
ونعاني من شبه انعدام الإبداع في كل من التكوين العلمي والتقني والمهني والاجتماعي والادبي حيث أن التقليد هو المسيطر المهيمن وهو لا يميز بين حامل شهادة الابتدائي والموجز والدكتور كما لا يعرف تمييزا على أساس الجنس أو العرق أو اللهجة أو الايديولوجيا أو الدين.

التعاطي الإعلامي المحترم في هذا السياق هو ذاك الذي يرمي إلى تشجيع المبدعين أولا وبغض النظر عن التكوين ثم المتفوّقين في العلوم التجريبية والتقنية ثم العلوم الأخرى ثم التكوين المهنى ثم المتفوّق في الإجتماعيات والأدبيات.
2 - Nadia الاثنين 01 يوليوز 2019 - 14:29
Apple Inc. has become a trillion dollar company because of two men: Steve Jobs (the pioneer of the personal computer) and Jony Ive (the designer of all Apple products from the iPhone, iPod, iPad and MacBook).

And so this proves that alongside a technocrat, you need an artist and designer to succeed.

The best cars are not always the best engineered ones, but the good-looking ones like the Mini Cooper.

These artists and designers have studied the arts, painting, sculpture and even music. So they come from the literary fields and the humanties.

Some countries are know for their music, films, painter, writers and poets who contribute more to their country's GDP than an architect, engineer or medical doctor.

Hollywood exports each year billions of dollars worth of movies, television series and drama. And most her scriptwriters come from the literary branches of knowledge. So their contribution to the American GDP is more than that of many scientists.
3 - Moha Québec الاثنين 01 يوليوز 2019 - 15:19
المشكل أعقد من مجرد تكوين أطباء ومهندسين وووو، والدليل على ذلك أن المغرب لا يحسن استثمار كفاءاته من مهندسين وأطباء الذين يحزمون أمتعتهم، مضطرين لا أبطال، ويقدَّمون فوق طبق من ذهب وب 0درهم لفرنسا، والتي تنهب الموارد البشرية بعدما نهبت الموارد الطبيعية.
المشكل في تقديري مرتبط بضعف البنية الإستقبالية للاقتصاد الوطني وعدم قدرته على استيعاب الكفاءات بسبب هيمنة الريع وضعف المبادرة الخاصة.
4 - زعروف الاثنين 01 يوليوز 2019 - 15:29
2 - Nadia:
I totally agree with you but the issue is not whether we should support the collaboration between social sciences, humanities and sciences – of course we should: the more joint effort, the better – or not. The thing here is the shortage of science & tech. graduates added to the general lack of innovation and creativity (in all disciplines)!
5 - Yassine الاثنين 01 يوليوز 2019 - 23:01
I believe that our culture in Morocco is unable to compete with the asians, thus we have to accept our fate, and be agricultural peasants in this new world, or create a green card for asians to help us bridge the gap between our medieval economy and the modern world information and digital economies
6 - ابراهيم الاثنين 01 يوليوز 2019 - 23:33
تحية للاستاذ على هذا الموضوع القيم.
فلا يمكن اجراء اي تغيير دون تلقين العلوم الاجتماعية.
7 - مجهول الثلاثاء 02 يوليوز 2019 - 07:35
ويبقى السؤال هل كلية الآداب هي فعلا الملاذ لأصحاب هده الشعبة، هل تتوفر على الشروط الكافية لتوجيه طلابها و منحهم الخطوط العريضة للتخصص في هذا المجال؟
8 - ANOUAR CASA الأربعاء 03 يوليوز 2019 - 10:50
"على أهميتِها، فليْس بالرياضيات والفيزياء والكيمياء وحدَها تَسمُو الأمم." كلام في الصميم.
المجموع: 8 | عرض: 1 - 8

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.