24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

16/10/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:0407:3013:1816:2518:5720:11
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقع تأهل المنتخب المغربي إلى "مونديال 2022" بقيادة المدرب وحيد خليلودزيتش؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | النقد السينمائي وأسطورة النقد الهدّام

النقد السينمائي وأسطورة النقد الهدّام

النقد السينمائي وأسطورة النقد الهدّام

ما النقد؟

نجد في “منجد اللغة العربية” التعريف التالي للنقد: “انتقد ينتقد نقدا أي، ميز الحقيقي من المزيف. أظهر العيوب والمحاسن في الكلام وفي الشعر…” ((١) منجد اللغة العربية، طبعة 19) . وفي القاموس الموسوعي الفرنسي HACHETTE ، نجد للنقد التعريف التالي: “النقد هو فن الحكم على الأعمال الأدبية والفنية بتحليل صارم ودقيق لإبراز مزاياها ونقائصها )…( والناقد هو من يحاول بناء وإظهار حقيقة طرح أو افتراض ما ومدى سلامته” . أما في قاموس لالاند الفلسفي فنجد النقد بمعنى: “فحص مبدأ وموضوع قصد إصدار حكم تقديري عليه. والنقد إما مُستجلِ للحقيقة ( المنطق )، أو مُستجل للجمالية ( الفنون ). وغالبا ما يكون النقد ميالا إلى الصرامة والكشف عن السلبي في الأعمال التي يتخذها موضوعا له.” ((٢) André Lalande : « Vocabulaire technique et critique de la philosophie » volume 13 iéme éd

)PUF 1993 ويقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن النقد بأنه: “نشاط من العقل إلى نفسه لإعادة التآلف إليه في استقباله لمضامينه من العالم الخارجي، وتجاوز تناقض محتوياته وهيمنة “النظرة” المنسجمة عليه” 33 . ومن هذه التعريفات يمكن إجرائيا استنتاج ما يلي:

النقد عملية تالية للإنتاج الفكري والعلمي أو الفني، وهو عملية عقلية تفرض إلماما كافيا بأصول التمييز والبحث والتقويم والتقدير، وذلك لإحاطة الحكم الصادر عنه بدرجة ملائمة من الصدق والمصداقية والانسجام. ويفترض النقد بالإضافة إلى ذلك إلماما كافيا بموضوعه وخصائصه وخصوصياته. ثم إن النقد يستوجب خبرة فنية وذوقا في أصناف المعرفة، وتمكنا من قواعد الجمالية وصيغها الكونية، وقدرة على تذوق الإبداع ورؤية جماله، وذلك باعتباره ابتكار لصيغ جديدة تستجلي آفاق التجديد وتجاوز المألوف القائم في اليومي.

النقد والسينما.

تجعل تركيبيّة السينما الأمر وكأنه يتعلق “بخيمياء” للإبداع بين معرفة وتمكن من تقنيات التصوير من جهة، ومكونات الصورة وتعبيريتها بزاوية وضع الكاميرا حتى الماكياج والملابس، مرورا بالتشخيص واختيار-حدس الكاستينغ وصياغة للأساسي وهو السيناريو إطار الحكاية والشخصيات والأحداث الرئيسية. يقتضي كل ما سبق استيعابا لتوظيف ولوظيفية تكنولوجيا المعلوميات والبرمجيات لمعالجة الصورة، وخبرة التصرف والاختيار بين المتاح بصريا والجاري واقعيا في العالم وفي اليومي على حد سواء، إضافة إلى مهارة اللغة وايحائيتها وشاعريتها في الحوار باعتباره تعميق للصورة لانفعالات الشخصيات وللمعاني العميقة المعبرة بالمسموع عن روحها.

نعتبر النقد في السينما أكثر صعوبة من حيث الشروط التي يتطلبها لأنه متميز ومستقل عن ما عداه من أشكال النقد والفني الذي ارتبط تاريخيا بالفنون التشكيلية، خاصة.

النقد ووضوح الرؤية.

إذا كان المبدع غير معني مباشرة بالتكوين الفكري والجمالي الرصين والمتكامل على الأقل في بداياته، (والواقع أنه معنيٌّ بشكل غير مباشر أساسا أي، أنه معني ليكون ناقدا بضرورة الإحساس العميق بالوجود وطبيعته الزئبقية، وبالنسبية في علاقته بثقافته باعتبار حقيقي للتعدد الثقافي، وبالطبيعة اللامتناهية لمونوغرافيات البشر. هو معني أيضا بعيشِ وجودٍ ينبني على أن الوعي لا يتطور إلا بالكبح وبالمعاناة وبالألم وبمغامرة التجريب والدهشة والمجازفة، وذلك طريق إدراك عميق وحقيقي للقيم الكونية وما يعنيه ذلك من انحفار في الوجود مع الغير به ومن أجله، في حضور دائم للذات طبعا)، ، فمن الصعب، إن لم يكن مستحيلا، تصور نقدٍ مُبدع تغيب عن صاحبه معرفة كافية بالتقنية وبالثقافة الفكرية والجمالية الفلسفية، وتلك المرتبطة بالعلوم الإنسانية كعلم السيميائيات وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا … وكذا بمعرفة مرتبطة بالفن في معانيه السامية وبالذوق وبالإبداع في معانيهما النبيلة. إضافة إلى ذلك ينبغي توفر قدرة، لدى الناقد، على الإفلات من تأثيرات النمطية التبسيطية لقوالب الإنتاج السينمائي التجاري والمبتذل، بل والدرامي السمعي البصري التلفزي على حد السواء. إن الحديث عن”القدرة النقدية” بالمعنى الفكري والفني والذوقي، إنما هو حديث عن حساسية تصنف الناقد كما تصنف الفنان الفوتوغرافي، ضمن صفوة النخبة وليس النخبة فقط، وذلك باعتبار أن النخبة كما يقول المفكر عبد الله العروي: « قد تنحط إلى مستوى العامة… » (عبد الله العروي، “مفهوم العقل”، المركز الثقافي العربي 1996، الطبعة الأولى ص، 40 .)

النقد والنظرة التبسيطية.

إن الخلط في معنى ودلالات النقد مُستشرٍ حتى في أوساط جزء كبير من ما يسمى ب “الخاصة”، إلى درجة شيوع خلط بين الصنعة والفن وبين الصانع المتقن والفنان المبدع. نقصد بذلك قبول البعض بالحديث عن الفن بمعانيه وتحديداته السامية، مقابل الرّضى بنعت المُفتقِدِين لمشروعٍ مُنسجِمٍ وذي دلالات قيمية إنسانية وفكرية وتربوية عميقة، نعتهم بالانتماء لدائرة الفن والإبداع بمعناهما السامي.

النقد والناقد السينمائي.

ينطلق النقد في تصورنا له في مجال السينما من كون الفن حقل دائم للتجربة الجمالية والفكرية والوجدانية. وهو حقل - لا نتحدث هنا عن الصنعة السينمائية رغم أنها تحتاج احترافية وتأهيلا قويا وعميقا ومتخصصا - لا ينتمي إليه إلا المنتوج الذي يحمل علامات الابتكار والتجديد. ولعل عدم ربحية الفنون الجميلة سابقا كما حددها الفلاسفة المؤسسون للجماليات، الرصينة والوحيدة التي يمكن تسميتها كذلك، كشرط لم تعد لحسن الحظ واردة اليوم بسبب تطور الثقافة والفن وصناعاتهما ووظيفيتهما في المجتمع المعاصر. ومع أن هذا النوع من الإنتاج الفني يظل غير مُربح جماهيريا وتجاريا في غالب الأحيان، إلا أنه في الواقع مربح بما لا يمكن تصوره ثقافيا وتربويا وحضاريا لأنه اقتحام للمجهول، وارتياد لآفاق التفتُّح غير المُدَجَّن ليعبِّد طرق الفنون والتعبير الراقي والقيم الخالدة للأجيال المقبلة. ينجز ذلك الفنانون الاستثنائيون على وجه الخصوص متحملين مخاطر سوء الفهم والتهميش، ومواجهة العقليات المحافظة وشراسة المقاومات العنيفة المرتبطة بها داخل مجتمعاتهم وفي المجتمع العالمي اليوم بحكم تعميم وسائل التواصل الجماهيري. في هذا السياق يقوم الناقد السينمائي أيضا بدوره الرائد وهو الكشف عن هذه القيمة الاستثنائية للنقد وللفيلم معا، ليواجه بدوره نفس الإكراهات التي قد تهمش النقد الذي نتحدث عنه هنا، تحت ذرائع شتى.

النقد السينمائي والإعلام والعامَّة.

وإذا كانت الكثير من أفلام سينمائية تُحسب على ميدان الفن عُنوة، وذلك بتشجيع ماكر من دول غربية ووسائل إعلام تجارية أو غير احترافية، ترغب في إطفاء عطشها للبسيط والتبسيطي خدمة لعُقدة تفوقها، بالنسبة للدول، ولأسباب تتعلق بالمداخيل المالية والانتشار الشعبي بضغط من تحقيق نسب عالية من المشاهدة، فإن العامة أو الجماهير، (الممول الرئيسي لكل مُروِّجٍ لما ليس فنًّا)، تضفي صفة الفن والفنان على أي منتجٍ أو إنتاجٍ يسعى لكسب “تأمين على الحياة” لصاحبه، دون أي احترام لمعقولية ولجدية التكاليف التحصيلية والعلمية والعصبية لبناء قريحة وصنعة إبداعية ملائمة في وجود الشخص.

إذا كان من الضروري وجود مستويات أكثر بساطة في تصور الثقافة والفن بل والفكر التنظيري أيضا، فإننا ونحن نعترف بضرورة ذلك بسبب وجود “العامة” أو ما يسمى اليوم في الاصطلاح الفلسفي والسوسيولوجي المعاصر بالجماهير، وهي واسعة ومتعددة لا يجمع بينها إلا المستوى الاعتيادي الذي كثيرا ما يكون فقير الوعي والتذوق الجمالي والفكري المنتمي إلى دائرة الاهتزازات الإسقاطية ( أنظر كتابنا: « عتبات في الجماليات البصرية، ١- كتاب الفوتوغرافيا، دار فكر، الرباط ٢٠١٦). ، فإننا نتبنى في هذا المقام التصور الذي مؤداه أن هذا المستوى من الفن لن يُخصِّب التاريخ المغربي، ولن يفتح آفاق الإنتاج الإبداعي التاريخي للأجيال القادمة، بل وحتى التسلية التي يمكن أن يقدمها فهي عقيمة ومكرسة للاعتيادي القائم والمانع لأي تطور للوعي الحضري والمدني المواطِن الجمعي .

من هذا المنطلق ندافع عن نقد إبداعي يؤشكل Problèmatiser الفن، (يتناوله كإشكالية غنية الوجوه والأبعاد ومستويات التعبير ولا يبسطه لمجرد منتوج تجاري ترفيهي وتخديري منقطع عن التفكير وهو ما يجعله ملقى على الرصيف يمكن لأي كان ادعاء إنتاجه وخير دليل على ذلك اليوم هو ما يسمى بالمؤثرون Les influences، باستثناءات نادرة لدينا.) وهوما سيقف في وجه التبسيطية والاستسهال والانتهازية وبل والوقاحة، التي تسيئ للممارسة الفنية السينمائية وتزداد في ذلك بشكل غير مسبوق في بلادنا.

النقد السينمائي ورهان الكم والكيف.

يعتقد منتجون ومُدبِّرون - دون استراتيجية حضارية وشمولية للقطاع السينمائي خاصة، والسمعي البصري عموما - يراهنون على تشجيع الاعتيادي والكمي من الإنتاج السينمائي. إنهم يعتبرون هذا التشجيع عتبة نحو الإبداع، وذلك باعتبار أن هذا الإنتاج الكمي يشكل خزّانَ تكوينٍ وتفتُّقٍ للإنتاج الإبداعي الراقي والجمالي. يُهمل هذا النقد المساير لهذه الطروحات، (خاصة عندما يكون شفويا بالأساس تتاح له فرصة المرور لمواقع القرار والمسؤولية أو مجاورتها والتأثير عليها أو كسب ودها امتيازات منها ..)، التمييز الأساسي والجوهري بين الكمي والنوعي. يتعلق الأمر في نظرنا بالفصل الواضح بين الإنتاج السليم تقنيا وأدبيا وفكريا أي، العادي والمقبول احترافيا، وبين الكم السَّاقط في الإسفاف والإدعاء والنقائص الفاضحة لغة وتقنية وفكرا، وهذا النوع من الكم، لعمري، لا طائل من وراءه غير هدم القيم والتشجيع على تضخمه وممارسته لسهولته ولاستغلاله للجهل والأمهية المقدسان اللذان يجتاحاننا وخاصة على المستوى السمعي البصري. غنيٌّ عن القول بأن سيادة الإسفاف تحتكر السوق وتخنق الإبداع وتفسد الذوق وتسطِّحُ الوعي وتمنع تطور ونمو الإبداع بتنميط ذوقِ المُتلقِّي والحيْلولة دونه والاعتراف الاجتماعي الواعي به. والأكثر أهمية من ذلك هو أن تصورا كهذا يعرقل الصناعات الإبداعية كرافد داخل المجرى الكبير للصناعات الثقافية الوطنية المساهمة اليوم، بقوة، في إنتاج الرأسمال الوطني غير المادي منه والمادي.

النقد السينمائي الإبداعي.

قد يبدو النقد الرصين والإبداعي المنتوج الفني السينمائي الإبداعي براغماتيا في أي شيء. يرجع ذلك، أحيانا، إلى نرجسية الناقد والسينمائي معا كمبدعين. بل قد لا يثير النقد الاهتمام والمتابعة إلا بمقدار إبداعيته وقدرة مؤلفه على تمثل حقيقة ما ينتقده. لكن النقد السينمائي المبدع، وليس البنَّاء للأن ما يسمى مقابل ذلك بالنقد الهدَّام ليس بنقد أصلا، كما يتردد في الغالب رغبة في الجري وراء نقد المجاملة والرياء المدفوع الثمن. إن هذا النوع السلبي من النقد يُساهِم في استيعاب المجتمع للجديد، وفي خلق إطار لممارسة الإبداع من بابه الواسع ودون رقابة مسبقة أيا كانت.

تلك هي المهمة الحضارية والمستترة للنقد الإبداعي الذي ندعو إليه في انسجام مع تصورنا لفن السينما هنا، والفنون البصرية عامة كما قدمنا بعضا من خصوصياتها وخصائصها في كتابات سابقة ومتنوعة منذ أكثر من ثلاثة وثلاثين سنة.

إننا نحدد ونعرف النقد بالقياس لأصله الفكري، (لا يمكن فصل النقد عن أصوله الفكرية الرفيعة فلسفيا وجماليا على وجه الخصوص)، الذي يجعله على رأس أدوات تجاوز المألوف والمكرور والمستهلًك والدُّوغمائي والجامد والبليد والغبي الذي تزداد دائرة سيطرته والتفافه على رقبة الجماهير مع سيادة عصر الميديوكراسيا.

إن النقد المزيَّف يحِّول كل الأوهام والأكاذيب والأخطاء والأنوات المتضخمة التي لازال فيها شيء من حياء وإمكانية العودة إلى الصواب، يحولها إلى عقيدة متكلِّسة لا تقبل الفحص ولا المراجعة ولا التصحيح.

تلك هي مهمة الناقد الفني السينمائي بالمعنى الكامل والأصيل للكلمة فكيف يقوم بها بالنظر إلى ما سبق وأوضحناه؟

نقد الفيلم والتفكير البصري.

يقتضي التعامل مع الفن على وجه العموم، ومن منظور نقدي على وجه الخصوص، ملاءمة جهاز مفاهيمي يجمع بين المعرفة التقنية والتعمق الفكري والتمرس الذوقي المستند إلى ذاكرة بصرية متعددة ومتنوعة وغنية. ينبغي لهذه الذاكرة البصرية أن تكون مختزِنة ل”فيروزٍ” كافٍ من الأعمال الطلائعية والتجريبية الخالدة، ليس في ميدان السينما فحسب، بل وفي ميدان الفنون البصرية كلها، والميادين المعرفية العلمية والفلسفية والفنية والتقنية التي تحدثنا عنها سابقا، لأنها الرّوافد والسد أمام فقر التقنية وأُحَادِيَّتِها وعُقمِها عندما تكون غير مُؤنسَْنةَ.

هكذا يكون الناقد متمرسا، فكرا وذوقا، على “مُعاقرة” صيغ “مجنُونة”، (غير مستهلكة ولا مألوفة وغير قابلة للتوقُّع …)، لأكثر تفاصيل الحياة مألوفية وابتذالا. يزاوج النقد إذن بين عنصرين أساسيين: العنصر الفكري العقلي المجرد، والعنصر الذوقي الانفعالي الجسدي. إلا أن الضرورة العلمية والبيداغوجية ستتطلب منا الحديث هنا عن أسبقية أحدهما على الآخر، والمقصود هنا هو أسبقية العنصر الذوقي الانفعالي المرتبط بالإحساس على العنصر الفكري العقلي المجرد. إن الأسبقية التي نتحدث عنها - فصلنا فيها القول سابقا ومرات في كتاباتنا - في هذا السياق أسبقية منطقية وليست أسبقية زمنية. فعملية التلقي تتم دفعة واحدة بالانفعالي وبالعقلي، إلاّ أن “الذات المفكرة” للناقد، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي “روني ديكارت”، لن تُغفِل تلقائيا هذه الأسبقية المنطقية للذوقي على العقلي، وهو ما سيجعل التلقي يبدأ بالاستمتاع و”الاهتزاز” حسب تعبير الخبير “بيير بابان” Pierre Babin ، ليتزامن مع التلقي العقلي الذي يُترك الاهتمام به إلى وقت اشتغال الذات المفكرة والأنا المثقفة، في مباشرة إنتاجها التواصلي مع الآخرين. ذلك بدايةً، ما حاولنا تطويرَ تعريفه والاشتغال به وعليه وسميناه بالتفكير البصري، (في عتباتنا الأولى التي ستتبعها قريبا جدا عتبتان في السينما والتلفزيون).

في إطار التفكير البصري إذن يتم النقد الإبداعي السينمائي. إن التفكير البصري تفكيرٌ أولا. وهو كذلك ما دام يستلزم إعمالا للعقل المنطقي التحليلي، “ملكة المعرفة”، ومادام يوظف الرصيد المعرفي المكتسب وخلاصاته ومهاراته المجردة من تجميع وتصنيف وترتيب وفهم وتفسير ونقد وتحليل وتركيب. إلا أن التفكير هنا تفكير بصري ثانيا لأنه تَلقٍّ بعينين وأذنين وحواس عموما، مفتوحة كأقوى بوابة حسية للفرد على العالم الخارجي الواقعي الملموس على المباشر والانفعالي والجسدي. فإعمال العقل بصرامته المنطقية ونزوعه نحو التقطيع والتجزيء، يظل محكوما ومشروطا في ولوجه لشيفرة العمل السينمائي الإبداعي، كما الأعمال الفنية الأخرى البصرية أو السمعية البصرية، بمدى انفتاح الجسد ومشاعره وسريرته بخبراتها ومهاراتها وخلاصاتها في اختبار الرفيع والراقي من الإنتاجات الفنية، وانفتاحه وبمدى انخراطه كذلك في المتعة والإنصات لمخرج عبقري له ما يعرضه “للالتحام” مع المشاهد الخبير الذي هو ناقد أيضا. ألا يقول أغلب السينمائيين، والفوتوغرافيين، بأن سحر ما يرون وما يسمعون هو ما « يُشعلُهم » فيطأون الكاميرا (بعد مسار تهييئي طويل ومعقد أحيانا؟).

النقد السينمائي رافعة للإبداع.

إذا مورس النقد الإبداعي السينمائي بهذا المعنى فإن السينمائي، المقتدر فكرا ونفسية واحترافية وإنسانيا)، هو “المرسَل إليه” المثالي بلغة اللسانيين الذي يتوجه إليه الناقد المبدع، كما أن هذا السينمائي يتوجه للناقد وللمشاهد الواعي بالفن وقيمته أساسا وليس لعامة العامة من أجل نجاح يدخله في نهاية المطاف « صندوق مهملات » تاريخ السينما وليس غيره. لا يمارس هذا الناقد “العِلم” الصحفي المُلزَم مهنيا بالتعريف والدعاية أو الإشهار، (حتى التشهير أحيانا)، بهذا الفيلم أو ذاك أو بهذه السينما أو تلك. إن الناقد السينمائي المبدع هو من يمارس الكتابة والحكم الجمالي الفكري والذاتي أيضا، ولكنه حكم مؤسَّس نظريا، يمارسه إلى جانب السينمائي دون ذيلية أو مطابقة أو مُعاكسة. إنه يمارس مرافقة الإبداع للغوص، على الخصوص، في دلالاته الاحتمالية واللاواعية أو المبطَّنة المنفلتة من صناعة الرسائل لدى المسينمائي في تمثله لما انفعل به من أمور الحياة والموت: الوجود في نهاية المطاف. بهذا المعنى يكون النقد كائنا تاليا لكائن سابق عليه هو الإبداع السينمائي. وبهذا المعنى كذلك يكون الناقد السينمائي هو الكاتب الذي يستطيع تمثل السينما كفن في تعقيدها، متمثلا مستوياتها التعبيرية في العمق وليس من خلال تجميع رصيد كمي من المعلومات والمعارف التقنوية الخالية من أية روح تذوقية وفكرية.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (1)

1 - Maria الاثنين 23 شتنبر 2019 - 23:58
السينما, في نظري, يمكنها اعتبارها, انها مثل صناعة الطائرااات او الصواريخ او الربوطات, بالنسبة للصناعة الفنية و الابداع, اي انها اوج ما يمكن الوصول اليه فنيا و جماليا و ماديا ايضا, حيث انها تجمع كل الفنون و التقنيات, الرسم الموسيقى التصوير الفوتوغرافي, الذي هو اصل الكميرا, و الديكور و المكياج و السينار و الحوار و المونتاج و المسرح و الرواية ووووو

لذلك هناك من يقول سانتج فقط الافلام المميزة و الهادفة و هناك من يقول لا يجب اطلاق الصناعة الثقافة عموما و السنيمائية خصوصا على عواهنها, ليتدرب الناسة عليها اصلا و يكثر المهنيين بسبب الربح من الافلام الاقل فائدة او تافهة, مثل امريكا و الهند مثلا...
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.