24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

12/12/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:4808:2013:2616:0118:2319:43
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد
الاثنين

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد إسقاط الفصول المجرّمة للحريات الفردية من القانون الجنائي؟
  1. صغار المنعشين يستنجدون بالتمويل التعاوني لمواجهة الركود العقاري (5.00)

  2. هذه تفاصيل مسطرة الانتقاء الأولي في الترشيح لمباريات الشرطة (5.00)

  3. الشطرنج يلج المؤسسات التعليمية بسيدي سليمان (5.00)

  4. دراسة دولية: مراكش بين أرخص المدن السياحية (5.00)

  5. الملك يدعو البلدان الإسلامية إلى تجويد الحياة والتصدي للانفصال (5.00)

قيم هذا المقال

4.83

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | دون كيخوطي.. كل شيء للبيع..

دون كيخوطي.. كل شيء للبيع..

دون كيخوطي.. كل شيء للبيع..

كان في إحدى القرى التابعة لمقاطعة المانش -من مقاطعات إسبانيا الجنوبية- رجل شريف ذو هيئة وأطوار قديمة، لا يملك من حطام هذه الدنيا إلا شيئا يسيرا، مهما كان جور الزمان عليه، فقد كان هذا الرجل مثال الشرف والكمال و"الشفالييه" بكل معنى الكلمة، ومخلصا في جميع أعماله... ( يدعى دون كيخوطي).

وبينما كان ذات يوم يقلب الكتب العتيقة في بيته، عثر على بضعة منها تبحث عن وقائع وأخبار رجال الشفالييه الرحالين. و(الذين) استطاعوا في زمن طويل أن يقوموا للبشرية بخدمات جلى... وبعد أن حصل دون كيخوطي على السيف والدرع والحصان، شعر بأن العالم ينتظر قدوم محرره، وأن الوقت ثمين لا يحب أن يضيع سدى. ونهض صباح يوم من شهر يوليوز مبكرا، قبل أن يستيقظ أهل البيت، فلبس درعه، وأسرج عنبرا، وخرج من الباب الخلفي خلسة دون أن يشعر به أحد.

سار دون كيخوطي على حصانه مجتازا الحقول النظرة والبراري المقفرة، فرحا مسرورا بنجاحه وثملا بخمرة الانتصارات التي سيحرزها على أعدائه.

انقضى النهار تقريبا والحصان يسير بفارسه دون أن يصادف حادثا ما، فتكدر دون كيخوطي من هذا الطالع النحس، وعند المساء كان التعب قد أنهك دون كيخوطي وجواده، وكادا يموتان من الجوع..

قرر العودة إلى دراه لأخذ شيء من الدراهم والقمصان، وقد أراد أيضا أن يستصحب معه مرافقه لأن جميع الشفالييه القدماء كانوا يستصحبون معهم مرافقين عسكريين..

مازال الشفالييه ومرافقه يسيران ويتحدثان إلى أن وصلا إلى سهل واسع فيه ثلاثون أو أربعون طاحونة هوائية، ولم يكد دون كيخوطي يراها حتى صاح: "آه آه" إن الطالع يساعدنا. انظر هناك يا سانشو أكثر من ثلاثين جبارا أنذالا، وقد عزمت على لقائهم وإعدامهم الحياة، وسنعتني من أسلابهم التي ستصير ملكا لنا بالحق الشرعي، لانتصارنا عليهم. وعندي أن إتلاف هؤلاء الوحوش من مقتضيات العدالة".

فسأل سانشو: "جبابرة؟ وأي جبابرة تعني؟"

فأجابه دون كيخوطي: "هناك أمامك، ألا تراهم وقوفا وأذرعهم ممدودة؟ ألا تدري أنه يوجد أناس من هذا الجنس الممقوت، الذين لهم أذرع طويلة تكاد تكون أطول من جسومهم بخمسة أضعاف؟

فقال سانشو مندهشا: "أرجو من سيدي السنيور أن ينظر إليهم جيدا. إن هذه الأشياء التي تراها أمامك، ليست جبابرة، بل هي طواحين هوائية، وأذرعها أجنحة تدور بالهواء فتحرك الطاحونة".

فأجاب دون كيخوطي، والغضب أحذ منه مأخذا: "قلت لك إن هؤلاء جبابرة. وإذا كنت تخاف منهم، فتنحّى إلى الوراء وصل صلاتك".

ثمُّ صاح في الطواحين بأعلى صوته: "تقهقروا أيها الجبناء، لا تكونوا أنذالا فترتكبون جريمة الفرار من أمام شفالييه واحد، يجسر على محاربتكم جميعا"؟

وفي أثناء ذلك هبت الريح وحركت أجنحة الطواحين، فاتخذ ذلك دون كيخوطي شارة منهم على استعدادهم لمنازلته، فلم ير حاجة لزيادة الكلام، بل رفع فرسه أمامه، وانتشل رمحه، وهمز جواده نحوها مناديا (ديلسينا) سيدته، وهجم على الطواحين بالسرعة التي يستطيعها عنبر. ولم يكد يضرب جناح إحدى الطواحين التي أمامه حتى تكسر رمحه من شدة دورانه، وسقط هو وحصانه إلى الأرض دون حراك*.

يزخر هذا النص بفائض المعنى، وهو لا يقدم أقصوصة مسلية جاهزة تدخل ضمن الترف الحكائي، بل هو أشبه بصندوق "باندورا" المليء بزخات الشرور والمفاجآت التي تصدم أفق التوقعات، ويبقى "الأمل" هو الملاذ الوحيد من كل الخيبات والانتكاسات.

النص أشبه بسمكة الطوربيد التي تصعق القارئ بشحنات كهربائية، دون كيخوطي يُحدِّثنا عن ماهية وهوية الإنسان عن فاعليته وإبداعاته، وممكناته.. ورسالته النبيلة في الحياة التي تقتضي مناهضة الشر، القبح والظلم، دفاعا عن قيم الخير، الجمال والعدل..

كان في إمكان دون كيخوطي أن يعيش حياة "عادية" على غرار قطيع القرية الهادئة، المحكوم بسلطة العادة، والاكتفاء بإشباع الحاجات الغريزية والحياة وفق مقتضيات العادات والتقاليد، لكن، دون كيخوطي بدأ "ُيُفكِّر" إنها خاصية الوعي المميزة للوجود الإنساني، وعدم احترامها أكبر إهانة للإنسان، لم يكن دون كيخوطي من يُفكِّر من قبل.

خاصية الوعي هي التي دفعته أن "يقلب الكتب العتيقة" وميلاد الرغبة في نقد "سلطة العادة"، يتعلق الأمر هنا بممارسة حياتية جديدة، تعيد النظر في المعارف، الحقائق، العادات، البداهات، التقاليد، والقناعات..

"الوقت ثمين لا يجب أن يضيع سدى" بداية ميلاد احترام الحياة واحترام غاياتها النبيلة، وتصبح "اللغة منزل الوجود والإنسان راعي الوجود" بتعبير الفيلسوف هايدغر.. اللغة ليست مجرد أداة للتواصل والتعبير عن تجربة الإنسان الذاتية والوجودية، بل هي مأوى الوجود، من خلالها يشهد الإنسان على الوجود، وعلى انتمائه إلى الأرض، باعتباره شاهدًا على عالم الحياة، ومتعلمًا منها، برسالته في المجتمع وضرورة العلاقة البينذاتية، لأن نشر قيم الإنسانية يستدعي "صُحبة مرافقين" بغية محاربة جبابرة الشر "الذين لهم أذرع طويلة" يستخدمونها.. للإذلال والاحتقار، و"ودون كيخوطي" مؤمن بأن القضاء على "هؤلاء الوحوش هو نداء العدالة" وفضح إيديولوجيتهم التي تحركها الأهواء و"تدور بالهواء"..

"طواحين الهواء" ليست أوهاما دونكيخوطية، إنها التقنية التي تسحق الإنسان، التقنية التي يصنعها الإنسان لتساعده وتريحه، ليجدها قد حولت حياته إلى صحراء قاحلة من المعنى، يريد التخلص من أذرعها، عبثا يحاول اجتثاثها..

المشهد أشبه بضيعات وحقول معاصرة لطواحين الهواء وألواح الطاقة الشمسية، لا أشجار.. لا أزهار.. لا عصافير.. لا فراشات..، ليكون سرفانطس أول من انتبه إلى خطورة "التقنية" على حياة البشر.. محاربة البطل "دون كيخوطي" للطواحين الهوائية، هو محاولة لاقتلاع "الشر الذي لا بد منه" والطواحين تنمو بسرعة تمتد أذرعها الأخطبوطية في كل مكان، وكل من أراد محاربتها.. سيصبح عرضة للضحك والسخرية..

لقد وعدنا الفيلسوف ديكارت بأن التقنية ستجعل الإنسان سيدا ومالكا للطبيعة، وبالتقنية أصبح الإمبريالي الشرير بأذرعه الطويلة، يقتحم النوافذ وغرف النوم، وتطورت التقنية لتصبح "شبكة عنكبوتية" تنصب منصاتها للكثير من الضحايا.. وبعد أن تستنزفهم تحولهم إلى "دونكيخوطات".

تخفي العنكبوت شباكها بمنصات متنوعة الخدمات..، عنوانها "كل شيء للبيع".. الأغذية، الكتب، الملابس، كل الأدوات والآلات، كل الحاجات، والرغبات بل حتى الذوات..

سلطة المال تمسخ الكائنات البشرية وتحولها من ذوات وكينونات إلى أدوات وآلات، يكبر التصحر البشري، وتغطي حبيبات الرمل ما تبقى من الكرامة.. يقبل الإنسان بطواعية أن يكون بضاعة، وسلعة "يا ورد مين يشتريك".

ختاما قيمة المفكرين والأدباء العمالقة تكمن في قدرتهم على تجاوز زمنهم، وإشعاع نبوءاتهم واستشرافهم المستقبل.. وقدرتهم على تقديم الحلول في اللحظات العصيبة.. هذا مجرد شعاع من شموس سرفانطس.. الذي لم يكن أبدا عبثيا.. بل ساخرا.. والمسافة لا تقاس بين العبث والسخرية الملتزمة.

* سرفانطس، دون كيخوطي، ترجمة عبد القادر رشيد، القاهرة1341 هجرية.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (9)

1 - ندم الاثنين 02 دجنبر 2019 - 20:39
حياة الانسان مليئة بالمنعرجات والاوهام كثيرة هي القرارات التي يتخذها الفرد وهو في منتهى قوته وكامل وعيه. لكن سرعان ما يكتشف انها كانت مجرد اوهام.
حياة الدونكيشوت هي صورة لحركة المد والجزر التي تصيبنا جميعا. نبحث عن المجد، في سبيله قد نبيع الغالي والنفيس. نشعر بخيبة الامل لاننا في الحقيقة بعنا انفسنا للاوهام.
الامل ليس مسكنا ولا مخدرا بل هو القوة الوحيدة التي تجعلنا نواصل الحياة امام عواصف الانتكاسات.
ما اصعب الحياة لولا الامل.
وشكرا
2 - بلال الثلاثاء 03 دجنبر 2019 - 10:28
دون كيخوطي رمز المريض بجنون العظمة والعرب عموما مصابون بهذا المرض.
وتحياتي
3 - المستحيل الثلاثاء 03 دجنبر 2019 - 21:17
لو سقط الثقب من الإبرة!
لو هوت الحفرة في حفرة!
لو سكِرت قنينة خـمره!
لو مات الضِّحك من الحسرة!
لو قص الغيم أظافره
لو أنجبت النسمة صخرة!
فسأؤمن في صحة هذا
وأُقِرُّ وأبصِم بالعشرة.
لكنْ.. لن أؤمن بالمرة
أن بأوطاني أوطانا
وأن بحاكمها أملاً
أن يصبح، يوماً، إنسانا
أو أن بها أدنى فرق
ما بين الكلمة والعورة
أو أن الشعب بها حر
أو أن الحرية.. حرة !
أحمد مطر
4 - Axel hyper good الثلاثاء 03 دجنبر 2019 - 22:12
كاتب الرواية الحقيقي هو سيد احمد بالغالي, باعتراف سيرفانتس نفسه في بداية الرواية.....

اما هنا فبعد بيع البحر والمحيط وبيع السهل والجبل وبيع المدن والقرى, فها نحن نبيع الشمس وغذا سبيع الاكسجين الذي نتنفسه.
5 - صوت الريف الأربعاء 04 دجنبر 2019 - 11:32
المغرب اليوم ضائع داخليا وخارجيا لماذا؟ لأنه لم يُؤْمِن بعد بالقطع مع الفساد لا يزال فقط خطاب (محروق لدى الشعب) خطاب محاربة الفساد وتفعيل سياسة النهب مع العفو وعدم المتابعة جعل الفساد يتقدم أكثر في المغرب في غياب الردع.
في الوقت الذي كنّا ننتظر أن يحاكم المغرب المفسدين بدأ في محاكمة الحقوقيين والصحفيين والنشطاء السياسيين مما أفرح المفسدين وجعلهم يرفعون من وثيرة فسادهم، وأصبح ملك البلاد قارئ لخطابات لا تنفذ.
المغاربة صبروا وصدقوا الخطابات منذ ١٨ سنة لكنهم يريدون أن يشاهدوا أفعالا تحارب الفساد بكل تجلياته، كيف يعقل يتم اعفاء سياسي فاسد وتتم مشاهدته في باريس يتسكع مع عشيقته ويستمتع بأموال المغاربة المفقرين.
6 - القيروانية الأربعاء 04 دجنبر 2019 - 12:02
السياسة مصلحة ذاتية لا علاقة لها بالأخلاق في دول العالم الثالث، الدول السائرة في منحذر التخلف والجهل والانحطاط، والخطاب السياسي لا يتجاوز حدود الاستهزاء والسخرية من المستضعيفن أصحاب الفكر المحدود... وعود كاذبة وشعارات واهية تتبخر بمجرد الوصول إلى "كرسي الغرام" الكرسي الذي يلتصق به كل سياسي طمعا في النهب والسرقة والارتشاء...
7 - الأضرعي الأربعاء 04 دجنبر 2019 - 14:46
قصة معبرة تحمل بين طياتها عدة رسائل مبطنة ، يفهمها القارء حسب بيئته والظروف المحيطة به... فيفك رموزها مستخلصا من العبر والدروس القيمة ما يسقطه على واقعه المعاش ليصل الى الحقيقة المنشودة والمفقودة في عصرنا الحالي وفي مجتمعنا هذا...تحية اجلال وتقدير لأصحاب الأعمال الهادفة والخالدة ^-^
8 - دائم الترحال الأربعاء 04 دجنبر 2019 - 19:44
في حيتنا اليومية نصادف الكثير الدونكيشوتات الذين يتوهمون أنهم أصحاب رسالة في الحياة ويتصرفون بأوهام نتائجها كارثية وأكبر هؤلاء السياسيون المغاربة وتحديداً تجار الدين الذين يمارسون النفاق والإزدواجية ، ينتقدون العلاقات الجنسية الرضائية علنا ويمارسونها سرا في أبشع اشكالها كهذا الوزير تنكر لزوجته وبدأ صفحة شبابية في سن بناته وتحول الى دونكيشوت متسكع في فرنسا...
غير أن التقنية الذكية من خلال عدسة هاتف صغير تفضح المستور ، ويعود الدونكيشوت بعد نهاية الإستوزار ذليلا مهانا..
9 - Rochdi الجمعة 06 دجنبر 2019 - 20:57
أخطبوط المال و الأعمال يستخدم الخداع واليوم تعتبر التقنيات الإعلام أكبر الخدع السحرية التي تسرق من البشر كل شئ الوقت و المال و الحياة وتوهمهم أنها تمنح لهم المال و الحياة خصوصا عند الشعوب المتخلفة حيث تتحول التقنية إلى طحونة تتحكم في البشر أشبه بتحكم فأرة الحسوب في الذي يحركها في حين أنه يتوهم أنه هو الدي يتحكم فيها.
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.