24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

30/03/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:4807:1513:3717:0419:5021:06
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | الديك الفصيح من البيضة يصيح!

الديك الفصيح من البيضة يصيح!

الديك الفصيح من البيضة يصيح!

هبطت من جبل عالٍ في مدينة أقشور شمال المغرب، تنبع من خلاله المياه العذبة صانعة شلالات غاية في الجمال، إلى سهل البلدة، وقد اشتد بي العطش بعدما نفد زادي من الماء وقت الهاجرة، وقد بلغتْ درجةُ الحرارة فيها الأربعين. وصلتُ السهل حيث باعة المشروبات والفواكه والأعشاب النافعة والمكسرات والتحف التذكارية منتشرون على قارعة الطريق. وكان أول ما شاهدت منهم غلامًا في السادسة أو السابعة من عمره، يبيع عصير البرتقال الطبيعي على عربة تحيطُ بها صناديق بلاستيكية مُلئت بالبرتقال الغارق في الماء البارد المنساب من الجبل. طلبتُ منه كأسًا فأراني كأسين مختلفي الحجم قائلاً ومبينًا بلغة لا تخلو من براءة الأطفال: "ثمن الكأس الصغير خمسة دراهم، وثمن الكأس الكبير سبعة. فأي الكأسين تريد يا سيدي"؟ فطلبتُ منه أن يعصر لي كأسًا كبيرًا يروي الظمأ الناشئ عن صعود جبل وهبوطه عند القائلة.

أخرج الصبي سبع برتقالات باردة من السطل، وأخذ يعصرها بطريقة يدوية. بدا ساعده وهو يعصر البرتقالات، أضعف من أن يعصرها كما ينبغي، فصار يمط جسمه النحيف مطًا إلى الأعلى ثم يلقي بثقله على عصارة البرتقال الحديدية كي يستخرج من البرتقالة عصيرها حتى الآخر. عرضتُ عليه مساعدتي فلم يرضَ، ربما لأنه رأى في عرضي لمساعدته شكًا في قدراته على عصير البرتقال.

وبينما هو يعصر البرتقالة الثانية، جاء أخ له يكبره بعامين أو ثلاثة على أكثر تقدير، وطلب منه – وبطريقة استعراضية – أن يتنحى جانبًا، وأخذ يعصر البرتقالات بنشاط وحركات تفضح عزمه لكي يظهر أمام الزبائن بمظهرٍ قويٍ يتجاوز عمرَه الصغير وعودَه الغض. ثم أخذ زمام المبادرة وبدأ يدردش معي قائلاً:

- ثمن الكأس الصغير، يا أستاذ، خمسةُ دراهم، وثمن الكأس الكبير ثمانية!

- ولكن أخاك قال لي إن ثمن الكأس الكبير سبعةُ دراهم!

- أخي هذا صغير لا يفهم.. وهو لا يعرف الأثمنة جيدًا!

- يا سيدي كما تحب: أدفع لك ثمانية دراهم وأزْيَد!

- [ناظرًا في وجهي] لا والله! بل كما قال لك أخي: سبعةُ دراهم ولا أزِيد!

امتلأ الكأس وبقي فيه مقدار حمصة فارغًا. وبدلاً من أن يناولني الكأس لأشربه، شطر برتقالة ثامنة كي يعصرها، فقلت له:

- لا داعي إلى عصرها فالكأس قد امتلأ!

- لا بد من إكرامك يا أستاذ!

- ولكنك أكرمتني وقد ملأت الكأس حتى كاد أن يطفح.

- أنت تستأهل يا أستاذ. وهذا ضروري جدًا!

- أكرمك الله يا هذا. وكيف عرفت أني أستاذ؟

- بالفراسة!

- وما أدراك ما الفراسة؟!

فرمقني بنظرة أبلغ من جواب، وناولني الكأس، وشربت حتى ارتويت.

استغربت كثيرًا من هذا الصبي، وسألته عن عمره وعرفتُ أنه ابن عشر سنوات، وأنه من أبناء إحدى القرى المحيطة ببلدة أقشور، وأنه تلميذ في المرحلة الابتدائية، وأنه يعمل في العطلة الصيفية في بيع العصير للسياح الوافدين على أقشور ليساعد والدَيه الفلاحين في ادخار بعض المال لفصل الشتاء.

ودَّعته وأنا أتأمل في صنيعه وصنيع أخيه، وفي حلاوة حديثه، وفي نشاطه وكده وسعيه في إرضاء زبائنه بملء الكأس حتى حافته تارةً، وبالكلام المعسول تارةً أخرى، ولكن ببراءة لا تعرفُ غش الكبار، ولا حيلهم في البيع. وغادرتُه وأنا أجزم أن فرص التعليم والتنشئة والتطوير إن هي أتيحت لمثل هذا الصبي وأضرابه من النشء في البلاد العربية، فإن أوطاننا وقتها سوف تشهد تطورًا حقيقيًا، لأن الموارد البشرية فيها لا تنضب، ولأن الأرض فيها ولادة، ولأن السماء منها قريبة من الأرض قربًا لا يخيبُ معه أملُ من يثق في جود بارئها.

*أستاذ اللغة العربية والترجمة بجامعة لوفان ببلجيكا


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (3)

1 - زينون الرواقي الاثنين 17 فبراير 2020 - 09:32
تعلم قيمة الأشياء منذ الصغر وأنها لا تأتي بفرقعة إصبع بل بالكد والعرق تربية تؤتي ثماراها لاحقاً .. اشتغلت في شبابي الباكر في غسل الصحون بالمطاعم ونظفت حاويات الأزبال بأنابيب الضغط العالي التي كانت قوتها تتلاعب بجسدي في كل اتجاه وموازاة مع ذلك كنت اتابع دراستي العليا الى ان وجدت لي موطئ قدم في مربع جد محترم .. علمت ابني نفس القيم فتركته يتدحرج في دروب الحياة ولا أتدخل الا متى استشعرت حاجته لذاك وبقيت السند الذي يراقب من بعيد .. باع الزيتون في الاسواق العامة واشتغل في متاجر كان عليه فتح ابوابها في السادسة صباحاً في عز الصقيع الاروبي البارد وزاول مهناً أخرى جعلت عوده يشتد ويقوى وتعلم الادخار وهو لا يزال طالبا .. أنهى دراسته وهو اليوم إطار يقود فريقاً بشركة ايرباص بتولوز .. نجتمع بين الفينة والأخرى ونسرد ذكرياتنا وكلما حاول إقناعي بأنه ( ضرب تمّٰارة ) أكثر مني كشفت له عن أشكال من الكورفي لا يتصور ان والده مرّ بها وأنه غسل أواني ( كوامل ) تقارب طوله وانه نظف ارضية مستشفيات وحافلات ضخمة في المحطات الطرقية وافتخر بكل ذلك مادام انه كان محطة عبور نحو الأفضل ثم الأفضل والحمد لله ...
أتمنى للصبي بائع العصير يوماً تبتسم له فيه الحياة ...
2 - KITAB الاثنين 17 فبراير 2020 - 18:42
الاسترزاق مقابل عرض خدمات منتشر بالأخص بين الأطفال/التلاميذ زمن العطل الرسمية أو بالأحرى الصيفية، وهي مناسبة للاحتكاك بالواقع وتذوق مرارة العيش، لكنها تتحول إلى متعة حينما يعودون بالغدو وقد امتلأت جيوبهم بالبقشيش، وكم منهم يتفرغ لها تاركا مقعد الدراسة، سيما إذا امتلأت رأسه بالأحلام والطموح... أن يكبر وتكبر معه رساميله... ويتحول إلى رجل شهم ربما في هيئة الجدرمي أو المقدم أو القايد أو أحد من هؤلاء الذين يحتكرون السلطة في بلدته، ما زلت أذكر وحرصاً على تحويل مادة الحساب في المدرسة إلى معاملات، كان هناك دكان مدرسي يجتذب إليه التلاميذ للتعود على حل المسائل بيع وشراء... ذهبت لاقتناء دفتر.. قلم.. ومعك كذا من الدراهم... فكم سيبقى لديك بعد عملية الشراء... يازمان الخير بالمغرب! وتحياتي وللأخ أيقونة هسبرس الرواقي
3 - مصطفى الرياحي الثلاثاء 18 فبراير 2020 - 08:15
نحن المغاربة ننحدر في أغلبيتنا الساحقة من البوادي وفقرها فأنت يا أستاذ معجزة والأخ المعلق كتاب والأخ زينون الرواقي معجزة وإبنه (حفظه الله) تبارك الله معجزة صنعتها المدرسة والجد والكد وكلنا كنا مثل ذلك الصبي وربما أسوء حال فحيا على المدرسة والأستاذ ومن ترك لأبنائه علما أغناه وأنار طريقه
مع الأسف الشديد كبارنا لا يعون حق الوعي أن التعليم فيه خير كثير للبلاد والعباد
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.