24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

30/11/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:4008:1013:2115:5918:2219:42
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟
  1. التساقطات الثلجية تعمق "المعاناة الشتوية" لأساتذة في مناطق جبلية‬ (5.00)

  2. بين "إف 16" و"سوخوي" .. مكامن ضعف القوّات الجوية للجزائر (5.00)

  3. دبلوماسية المملكة تفلح في توحيد برلمان ليبيا بعد أعوام من الانقسام (5.00)

  4. مؤاخذات أوروبية تدفع السلطات الجزائرية إلى التخبط في مأزق حقوقي (5.00)

  5. مبادرة جمعويين تعتني بالمقابر في "أولاد أضريد" (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress
الرئيسية | كُتّاب وآراء | العقل المركزي للدولة ورسائل مشروع قانون المالية المعدل

العقل المركزي للدولة ورسائل مشروع قانون المالية المعدل

العقل المركزي للدولة ورسائل مشروع قانون المالية المعدل

يقول الاقتصادي جوزيف شومبيتر: الحاجيات المالية هي السبب في ولادة الدولة الحديثة.

يقول الاقتصادي كينز: أكثر ما يكرهه السياسي هو وجود المعلومة؛ لأنها تصعب عليه مسألة اتخاذ القرار.

بعد ثلاثين سنة من تهيئ مشروع القانون المالي انطلاقا من التوجهات العامة والتوقعات القبلية (آخر قانون مالية معدل صودق عليه كان سنة 1990، وارتبط في الذاكرة الشعبية والرسمية بالأحداث الأليمة التي صاحبت الإضراب العام بتاريخ 14 أبريل)، يخرج العقل المالي المغربي عن سياسة المألوف ويقرر صياغة مشروع قانون تعديلي للمالية (طبقا لتصريحات وزير المالية).

ورغم أن قانون المالية المعدل ارتبط في الذاكرة الشعبية بمغرب الاحتجاجات والإضرابات والأحداث الدامية (1979-1983-1990) التي وقعت في سنوات تبني هذه القوانين المعدلة أو وقعت في بداية السنة الموالية لسنة تبني هذه القوانين المعدلة. هذه القوانين محكومة كذلك بالمسطرة وشكليات التقديم وآجال التصويت، وتعتمد على ديمقراطية الرأي والرأي المضاد وقد تنحرف عن سقف التضامن والاتفاق والوحدة التي رسختها إجراءات مواجهة كورونا، وقد لا تستطيع إيجاد الحل لمشاكل الجفاف والمشاكل الناجمة عن تدبير أزمة كورونا (تصريح رئيس الحكومة)، خصوصا أننا عاجزون عن توقع كل الاعتمادات الضرورية لمواجهة أزمة كورونا، وبالتالي قد نكون عاجزين عن التوقع الخاص بقانون المالية المعدل، وقد نحتاج إلى أكثر من قانون مالي معدل قبل نهاية السنة؛ إلا أن أصحاب القرار في المغرب قرروا ركوب التحدي من خلال الخروج عن المألوف، هذا الخروج لا يمكن قراءته فقط من خلال تقنيات التدبير والتشريع المالي بل يجب وضعه في سياقه العام.

انفتاح العقل المركزي للدولة على مسألة قوانين المالية المعدلة لا يمكن فصله بالمطلق عن مسألة محاولة تبني الأخلاق السياسية والمالية للعصر الحاضر والتي تعتمد على تبني الشفافية وتطبيق التقاليد والأعراف الديمقراطية (العودة إلى ممثلي الأمة- الإفراج عن المعلومة المالية). العقل المركزي للدولة كان يوجه رسائل مشفرة وواضحة بأن إعداد قوانين المالية المعدلة في القرن الحادي والعشرين لن يتم من طرف العقل السلطوي وتحت حماية العقل الأمني، بل سيتم من خلال اختراع حكامة جديدة للمالية العمومية تمهد الطريق لاختراع دولة جديدة تعتمد على تطوير العقل الجمعي للمغاربة والذي يرسخ الوحدة والتآزر والتضامن وبالتالي سيعمل العقل الجمعي للمغاربة على إعادة إصلاح الجسور وترسيخ المصالحة بين الذاكرة الشعبية وقوانين المالية المعدلة.

1- العقل المركزي للدولة في القرن العشرين ومسألة قوانين المالية المعدلة

خلال القرن العشرين لم يكن العقل السياسي المغربي القديم متحمسا لقوانين المالية المعدلة، وهكذا وخارج مرحلة الاستثناء لم يعرف المغرب البرلماني إلا ثلاثة قوانين مالية معدلة وصاحبتها كلها أحداث أليمة (1979 إضرابات الصحة والتعليم (10-11 أبريل) مع ما صاحبها من طرد تعسفي-1983 كانت سببا في أحداث يناير 1984-1990 الإضراب العام بتاريخ 14 دجنبر).

وبالتالي، كانت الذاكرة الشعبية والرسمية تربط بين قوانين المالية المعدلة والإضرابات والاحتجاجات والاعتقالات والأحداث الدموية، وبالتالي ارتبطت قوانين المالية المعدلة بالأحداث الأليمة. كما أن مناقشة قوانين المالية للسنة وقوانين المالية المعدلة بالبرلمان كانت مرتبطة بالصراعات الحادة بين الأغلبية والمعارضة حول قوانين المالية، خصوصا أن قوانين المالية تعتبر بمثابة تعاقد سنوي بين الشعب الدولة والشعب المجتمع، وكانت دائما تعتبر كتحيين للعقد السياسي والاجتماعي، وتعتبر كذلك كتجسيد واقعي للمنجزات والوعود واقتسام فائض العمل وفرض الضريبة والقيمة المضافة المحققة وعائدات النمو، وبالتالي كانت تخضع لميزان القوى في الشارع والبرلمان وعلى مستوى الصراع الثنائي بين الدولة والمجتمع.

قوانين مالية السنة باعتبارها قوانين توقعية تبنى على فرضيات عامة كانت تجعل العقل السياسي المركزي للدولة في أريحية سياسية وتدبيرية، بينما ثقافة قوانين المالية المعدلة هي انتصار لثقافة الواقع والوقائع المحينة والشفافية. لهذا، لم يكن العقل السياسي المركزي للدولة متحمسا للتدبير السياسي والمالي انطلاقا من ترسيخ ثقافة قوانين المالية المعدلة.

التأكيد على أن العقل السياسي المركزي للدولة لم يكن متحمسا لثقافة قوانين المالية المعدلة يجد تفسيره الضمني من قراءة القانون التنظيمي للمالية، حيث إن هذا القانون التنظيمي في بنائه العام هو دستور مالي بني على فرضيتن أساسيتين هي فرضية القانون المالي للسنة والقانون المالي للسنة الموالية، ولم يتعرض إلا بشكل عابر ومبهم للزمن التشريعي الخاص بالقانون المالي المعدل (كما لو أن القانون المالي المعدل استثناء مكروه).

2- الدستور المالي والقانون المالي للسنة وقانون المالية المعدل

يعتقد الكثير من الباحثين في الشأن المالي بأن إمكانية تقديم مشروع القانون المالي المعدل هو إمكانية متوفرة ومتاحة للطبقة السياسية طيلة السنة المالية. يستند هذا الاعتقاد إلى ما ورد في المادة الرابعة من القانون التنظيمي للمالية والتي تنص على أنه "لا يمكن أن تغير خلال السنة أحكام قانون المالية للسنة إلا بقوانين المالية المعدلة"؛ مما يوضح إمكانية القيام بتعديل القانون المالي طيلة مدة السنة المالية والمتطابقة مع السنة المدنية والتي تمتد من فاتح يناير إلى 31 يناير.

ولكن محتوى ومنطوق المادة السابعة والأربعين من القانون التنظيمي للمالية والتي تنص على ما يلي: "يعرض الوزير المكلف بالمالية على اللجنتين المكلفتين بالمالية بالبرلمان، قبل 31 يوليوز، الإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية للسنة الموالية. ويتضمن هذا العرض:

أ) تطور الوضعية الاقتصادية الوطنية،

ب) تقديم تنفيذ قانون المالية للسنة الجارية إلى حدود 30 يونيو من نفس السنة،

ج) المعطيات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية والمالية،

د) البرمجة الميزانياتية الإجمالية لثلاث سنوات.

يكون هذا العرض موضوع مناقشة دون أن يتبعها تصويت".

هذه الفقرة توضح أن المشرع التنظيمي أراد أن يرسخ نوعا من المساعدة السياسية (من خلال إشراك البرلمان في مرحلة تهيئ القانون المالي) والاجتماعية لأصحاب القرار المالي، من خلال تشريع مرحلة زمنية لنقاش توجهات المالية العمومية الخاصة بالسنة الموالية (وبالتالي لا يمكن بعد هذا التاريخ أن نعود لمناقشة مشروع القانون المالي التعديلي لأن العداد التشريعي لمناقشة مشروع قانون مالية السنة الموالية قد انطلق).

بالاعتماد على الفقرة باء من المادة المشار إليها أعلاه من القانون التنظيمي للمالية والتي تنص على –يتضمن العرض...... تقدم تنفيذ قانون المالية إلى حدود 30 يونيو من نفس السنة- يتضح لنا أن المشرع التنظيمي قسم السنة المالية إلى قسمين متساويين:

قسم يمتد من تاريخ دخول القانون المالي حيز التنفيذ (وهو مبدئيا فاتح يناير من السنة المدنية) إلى غاية الثلاثين من يونيو من نفس السنة، أي نصف السنة. في هذا القسم الأول من السنة يمنح المشرع التنظيمي سلطة معينة للحكومة والبرلمان على القانون المالي للسنة من أجل إمكانية تعديله من خلال قانون مالي تعديلي.

وقسم ثان يمتد من 30 يونيو إلى 31 يوليوز، حدد المشرع التنظيمي أنه زمن تخصصه الحكومة لتهيئ الإطار العام لإعداد مشروع القانون المالي للسنة الموالية (وهكذا تنص المادة الثالثة من المرسوم المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية: أن وزير المالية يقدم للحكومة قبل 15 من يوليوز عرضا حول تقدم تنفيذ القانون المالي للسنة.....) مع ما يتضمنه من معطيات مشار إليها ومحددة في المادة السابعة والأربعين من القانون التنظيمي للمالية.

وقسم ثالث خصصه المشرع التنظيمي لتهيئ القانون المالي للسنة المقبلة وهو القسم الممتد زمنيا من 31 يوليوز إلى 20 أكتوبر (المجلس الوزاري-المجلس الحكومي) وهو آخر أجل لوضع مشروع القانون المالي بالأسبقية بمكتب مجلس النواب مع كل الوثائق المصاحب له والمحددة في المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية.

أما القسم الرابع خصصه المشرع التنظيمي للتصويت والمصادقة على مشروع القانون المالي للسنة وهو القسم الممتد زمنيا من (20 أكتوبر إلى تاريخ دخول القانون المالي للسنة المقبلة حيز التنفيذ).

التقسيم المشار إليه أعلاه يثبت أن المشرع التنظيمي (قسم السنة المالية بين قسم مخصص لزمن القانون المالي للسنة والقانون المعدل وقسم مخصص للزمن التشريعي للقانون المالية للسنة الموالية)، وخلافا للمادة الرابعة من القانون التنظيمي للمالية، لم يخصص ولم يسمح بتعديل القانون المالي للسنة إلا في المدة الزمنية المتراوحة ما بين دخول القانون المالي للسنة حيز التنفيذ والثلاثين من يونيو من نفس السنة، وبالتالي من المفروض عند حلول الثلاثين من يونيو أن يكون القانون المالي المعدل قد تمت المصادقة عليه ودخل حيز التنفيذ من أجل فتح الإمكانية للحكومة للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالشروط والزمن الخاص بإعداد القانون المالي للسنة المقبلة (حسب التسلسل التالي: عرض الإطار العام-التوجهات العامة-مشروع القانون المالي للسنة الموالية-المناقشة والمصادقة).

3- الزمن السياسي لقانون المالية المعدل

تنص المادة السابعة والخمسون من القانون التنظيمي للمالية على: "تقدم قوانين المالية المعدلة ويتم التصويت عليها وفق نفس الكيفية التي يقدم ويصوت بها على قانون المالية للسنة، مع مراعاة أحكام المادة 51 أعلاه".. ركز المشرع التنظيمي في هذه المادة على كلمتين أساسيتين هما: تقدم ويصوت: بالنسبة لتقديم عمل المشرع التنظيمي على توضيحها في الباب الثاني من القانون التنظيمي للمالية والذي خصصه لكيفية تقديم القانون المالي (المواد 36-37-38-39-40-41-42-43-44-45) أما فيما يخص التصويت فيجب الرجوع إلى الفصل الثاني من الباب الثالث من القانون التنظيمي للمالية وتخص المواد التالية (52-53-54-55-56). ومما سبق ذكره يتضح أن القانون التنظيمي للمالية لم يشترط في تقديم القانون المالي المعدل أن يخضع لنفس الشروط الخاصة بدراسة قوانين المالية والموضحة من خلال المواد التالية (46-47-48-49-50)، وبالتالي تم استثناؤه من (التوجهات العامة المادة 46-الإطار العام المادة 47) من المادتين 46 و47 من القانون التنظيمي؛ مما يترك الاعتقاد أن مشروع قانون المالية المعدل يبقى من شأن وزير المالية ورئيس الحكومة فقط ودون وجود توجيهات عامة مصادق عليها في مجلس الوزراء أو إطار عام تم عرضه على اللجنتين المكلفتين بالمالية بالبرلمان، وبالتالي ومن أجل الحسم في الأمر نكون مضطرين للعودة للدستور.

ينص الفصل التاسع والأربعون من الدستور على: "يتداول المجلس الوزاري في القضايا التالية: .............. - التوجهات العامة لمشروع قانون المالية-.......)، هذا الفصل يوضح أن المجلس الوزاري يتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية؛ مما يعني أن كل قوانين المالية من المفروض أن تتوفر على توجهات عامة. وهنا نعود إلى التعريف الذي قدمه القانون التنظيمي للمالية لقانون المالية، وخصوصا المادة الثانية والتي تنص على "يراد في مدلول هذا القانون التنظيمي بقانون المالية:

ـ قانون المالية للسنة

ـ قوانين المالية المعدلة

ـ قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية".

وحيث إن القانون التنظيمي للمالية هو دستور مالي ومكمل للدستور، فإن مفهوم قانون المالية الوارد في الفصل التاسع والأربعين من الدستور يعني أن حديث الفصل التاسع والأربعين عن قانون المالية هو حديث عن قانون المالية للسنة والقوانين المعدلة وقوانين التصفية؛ ولكن وحيث إن التوجهات العامة لقانون المالية للسنة المقبلة قد تم التداول فيها في المجلس الوزاري، فإن مبدأ توازي الشكليات يعني أن القانون المالي المعدل يتوفر هو كذلك على توجهات عامة محينة (مما يعني أن القانون المالي المعدل له توجهات عامة مبنية على وقائع –أو في أسوأ الحالات يغير في التوجهات العامة التي تم التداول فيها في المجلس الوزاري)، من المفروض أن يتم التداول في التغييرات التي من المفروض أن تطال التوجهات العامة لقوانين المالية للسنة من خلال القانون المالي المعدل احتراما لمبدأ توازي الشكليات.

الأخذ بمبدأ أن قوانين المالية المعدلة لها توجهات عامة محينة وبمبدأ احترام توازي الشكليات يعني أن القانون المالي المعدل من المفروض أن يتم التداول فيه في المجلس الوزاري، مما يعني أنه بالإضافة إلى المهلة التي من المفروض أن تمنح للبرلمان للمصادقة على القانون المالي المعدل والمحددة في المادة الـ51 من القانون التنظيمي للمالية (15 يوما) يجب توقع المدة الزمنية التي يجب تخصيصها للزمن التداولي لمجلس الوزراء والتي لا يجب أن تقل عن أسبوعين (افتراض)، مما يعني أننا في حاجة إلى زمن لا يقل عن شهر لتمرير القانون المالي المعدل لقانون المالية داخل الزمن المخصص لتعديل القانون المالي وهو الزمن الفاصل بين دخول القانون المالية للسنة وتاريخ 30 يونيو (أي المصادقة عليه قبل 30 ماي من أجل إفساح المجال لمجلس الوزراء والبرلمان للقيام بعملهما، وكذلك من أجل إمكانية تقديم وضعية تقدم تنفيذ القانون المالي المعدل للسنة الجارية إلى حدود 30 يونيو).

وبالتالي احتراما لهذه التواريخ من المفروض أن يكون القانون المالي المعدل لقانون المالية للسنة قد تم دخوله حيز التنفيذ أو على الأقل في المراحل النهائية من مسطرة المصادقة (البرلمان الفرنسي صادق على قانونين تعديلين للقانون المالي قبل نهاية أبريل 2020) والدخول حيز التنفيذ مما يعني أننا عمليا (ونحن في منتصف شهر ماي) قد خرجنا من زمن القانون المالي المعدل لقانون المالية ونستعد للدخول في زمن مشروع قانون المالية للسنة الموالية.

هذه هي العقلية القديمة التي صاغت القانون التنظيمي للمالية من خلال ثنائية القانون المالي للسنة والقانون المالي للسنة الموالية واستثناء القانون المالي المعدل، رغم أن الدستور المالي الجديد صيغ بعقلية تدبيرية حداثية تعتمد على المؤشرات والبرامج والمشاريع والأهداف وكان من المفروض بالتالي أن تخصص حيزا مهما في صياغتها للقانون التعديلي للمالية باعتباره مرتبطا بالوقائع المجسدة على أرض الواقع والمتيقن منها وليس بالعموميات، مما يفرض حضوره المعتاد داخل السنة خصوصا بالنسبة لدولة لا يزال اقتصادها يعتمد على التساقطات وفاتورة الطاقة.

ولكن العقل المركزي للدولة من خلاله بنائه للقانون التعديلي للمالية سيرتبط أكثر بالواقع والذي يعود بالنفع على البلد والذي يمكنه من تعزيز العقد الاجتماعي في مواجهة جائحة كورونا والجفاف وإن اقتضى الحال عدم الانضباط الحرفي للنص التنظيمي، فالأزمات غير المتوقعة تتطلب البحث عن الحلول غير المتوقعة.

4- مشروع قانون المالية المعدل، وبداية مراجعة الإطار المفاهيمي والمؤسساتي من طرف العقل المركزي للدولة

يقول ميشيل بوفيي إن المالية العامة تبقى متأثرة بشكل كبير بمحيطها، هذا المحيط المتكون من أربعة مرتكزات: المحيط الاقتصادي الداخلي من خلال مستوى النشاط الاقتصادي الداخلي، المحيط الدولي يؤثر كذلك على المالية العامة، كما أن المالية العمومية تتأثر كذلك بالإطار المفاهيمي وهو المتعلق بميدان الأفكار، وفي الأخير تتأثر المالية العمومية كذلك بمستوى البنيات الأساسية والمرتبطة بالدولة المالية ومؤسساتها المالية المركزية والحضور القوي لوزارة المالية والمؤسسات المالية.

وإذا كانت جائحة كورونا والجفاف وما نتج عنهما قد أثرا بشكل كبير على الوضع الاقتصادي الداخلي وكذلك على الوضع الاقتصادي الدولي، فإن العقل المركزي للدولة كان يعي بأن قدرته على الخروج من الأزمة تتمثل في قدرته على التمكن من تفعيل الإطار المفاهيمي وكذلك التأثير على مستوى أداء البنيات الأساسية المرتبطة بالدولة المالية.

فيما يتعلق بالإطار المفاهيمي، وجب التأكيد أن تأثير الأفكار والنظريات على المالية العمومية يبقى ثانويا على اعتبار أن هذه الأفكار وهذه النظريات تبقى في الحقيقة بعيدة عن الواقع.

من خلال علاقتها بالواقع، فإن المالية العمومية تبقى أكثر ارتباطا بالمدبرين والسياسيين من ارتباطها بالتقنيين، العقل المركزي للدولة كان يعي بأن أزمة جائحة كورونا والجفاف وما سينتج عنهما تمثل وقائع ثقيلة لا يمكن التعامل معها بالعقلية السابقة المعتمدة على القرارات التي تؤخذ بعجالة لمعالجة كل واقعة على حده، وبالتالي كانت هناك مجموعة من الحلول تفتقد للتناسق مما ساعد على استفحال وتأزم الوضع أكثر.

هذه الوقائع جعلت العقل المركزي للدولة يشعر بأنه ملزم بالبحث عن المعنى الجماعي للمصلحة العامة من أجل البحث عن نموذج مجتمعي جديد، وذلك لن يتم دون الأخذ بعين الاعتبار المدى الطويل لا يمكن أن يستثني البحث عن تطابق ما بين منظومة اتخاذ القرار ومحيطها العام.

في مقالنا المنشور بجريدة هسبريس حول العقل الاقتصادي المغربي، أكدنا أن العقل المركزي للدولة يدفع بمؤسسة بنك المغرب إلى مراكز اتخاذ القرار المتعلق بالمالية العمومية. وفي هذا السياق، عمدت المؤسسة المذكورة إلى تغيير تشكيلة مجلسها الجديد من خلال تطعيمه بأسماء وازنة في الميدان المالي والاقتصادي ولها خبرة واسعة في هذه الميادين، هذا التغيير في هذه الظرفية كان إشارة واضحة بأن المؤسسة تستعد للأدوار الإستراتيجية الجديدة التي ستوكل إليها في الحاضر والمستقبل.

منذ استقلال المغرب إلى اليوم هناك أربعة وزراء للمالية بصموا مرورهم بالوزارة بإصلاحات مهمة: عبد الرحيم بوعبيد الذي وضع أسس التحرر والاستقلال الاقتصادي، عبد اللطيف الجواهري الذي تميزت مرحلته بسياسة التقويم والإصلاح، ومحمد برادة التي تميزت مرحلته بالتمهيد للإصلاحات الليبرالية في المغرب، وفتح الله ولعلو والذي تميزت مرحلته بتنزيل التدبير الميزانياتي (افتتاحية نادية صلاح بجريدة ليكونميست، استثنت عبد الرحيم بوعبيد واعترفت بثلاثة فقط).

العقل الاقتصادي والمالي لبنك المغرب يضم اليوم اثنين من الأربعة الذي تركوا بصمة سياسية وتدبيرية وهم (عبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب-وفتح الله ولعلو العضو الجديد لمجلس بنك المغرب)، وبالتالي استعد بنك المغرب للمهام الجديدة التي سيطلع بها في مواجهة الأزمة. وهنا لا ننسى الرجلين وعناوين الإصلاحات التي قاما بها (الإصلاح والتقويم الهيكلي-والتدبير الميزانياتي الجديد) هذه العناوين من المفروض أن تلعب دورا حاسما فيما يتم الإعداد له لمواجهة الأزمة والخروج من الأزمة.

كما أن تشكيلة لجنة اليقظة الاقتصادية، والتي تم إحداثها من أجل مواجهة التداعيات السلبية لفيروس كورونا، لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، فهي تتشكل من سبع وزارات وممثل عن البنك المركزي وأربع منظمات مهنية متعلقة بالبنوك والمقاولات والصناعة والتجارة. هذه اللجنة تؤكد الحضور المتزايد لبنك المغرب في منظومة اتخاذ القرار المالي والاقتصادي النوعي، وهو كذلك إجراء يندرج في إطار تعزيز حضور الخبراء في منظومة اتخاذ القرار المالي والاقتصادي بالبلد.

هذه التغييرات كانت تستهدف تغيير حقيبة الأفكار وبالتالي تغيير طريقة الفعل، مما يساهم في المساعدة على فهم وتوضيح العودة للقانون التعديلي للمالية بعد قطيعة امتدت لثلاثين سنة بالتمام والكمال (آخر قانون تعديلي عرفه المغرب كان سنة 1990)، مما يثبت أن العقل المركزي للدولة مستعد لمراجعة حقيبته أفكاره بالكامل من أجل تهيئ الظروف لمواجهة الأزمة والسنوات العجاف.

الخلاصة

التزام وزير المالية بتقديم مشروع قانون المالية المعدل في القريب العاجل لا يمكن تفسيره إلا في إطار الإستراتيجية الجديدة التي يتعامل بها العقل السياسي المركزي مع الأحداث والوقائع التي يشهدها المغرب، والتي تشهد في غالبيتها القطع التدريجي مع تجارب وثقافة المخزن القديمة (الرافضة لتقديم قوانين معدلة)، وبالتالي ترسيخ عادات وتقاليد جديدة تحديثية مبنية (كما أكدنا في مقالاتنا السابقة) على ضرورة البقاء تحت سقف الدستور.

كما أن تهيء مشروع القانون المالي المعدل نظرا لظروف الأزمة يحاول من خلالها العقل المركزي للدولة الفتح التدريجي للعلبة السوداء للدولة المنغلقة والكتومة، رغم الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن هذا الانفتاح، وهنا نستحضر ما قاله كينز "أكثر ما يكرهه السياسي هو وجود المعلومة لأنها تصعب عليه مسألة اتخاذ القرار". وبالتالي، يحن السياسي دائما إلى الإطار العام والعموميات وغياب المعلومة حتى يمتلك أريحية وحرية في اتخاذ القرار.

امتلاك شجاعة تقديم القوانين المعدلة للمالية في المغرب هو إشارة من العقل السياسي المركزي على قدرته على التعامل مع القانون والاقتصاد والعلوم السياسية وعلوم التدبير والتاريخ والسوسيولوجيا والبسيكولوجيا باعتبارها مرتكزات أساسية في التعامل مع المالية العمومية (Michel bouvier) ..

كما أن اعتماد المالية العامة على التقنية المعقدة تجعل من التمكن من آلياتها وتطبيقها من خلال الانتقال إلى القوانين المعدلة هي رسالة مبطنة من العقل السياسي المغربي إلى الجميع من أنه يطرق باب القرن الحادي والعشرين بقوة.

التدابير التي اتخذها العقل المركزي للدولة في مواجهة الأزمة (مقالنا حول المؤسسة الملكية وموجهة فيروس كورونا) كانت تحاول ترسيخ الانتقال إلى حكامة سياسية جديدة، أما الإجراء المتعلق بشرعنة ثقافة القوانين المعدلة فلا يمكن فصله كذلك عن المحاولات الطموحة للعقل السياسي للدولة بالمغرب في الانتقال إلى العهد الجديد من حكامة المالية العمومية بالمغرب.

العهد الجديد لحكامة المالية العمومية بالمغرب لا يمكن فصله عن خلق دولة جديدة، دولة تعتمد على اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على الأفكار والمعارف والكفاءة والابتكار، بكل ما يعنيه ذلك من دمج القدرة السياسية والقدرة على الخبرة في أفق الانتقال مستقبلا من الدولة التي تعتمد على الحكامة السياسية والمالية إلى الدولة الإستراتيجية والدولة الذكية التي يتطلبها الاقتصاد اللامادي وتتطلبها الإجراءات المفروض القيام بها لمواجهة جائحة كورونا والجفاف، وتتطلبها صعوبة تدبير الشأن العام في القرن الحادي والعشرين.

التقاليد السياسية المغربية منذ دخول الدستور الجديد حيز التطبيق كان يتميز بهيمنة الزمن السياسي على الزمن التدبيري، خصوصا أن قانون المالية للسنة كان دائما مرتبطا بالتوجهات العامة التوقعية، مما كان يجعله دائما في خدمة الأجندة السياسية للفاعل السياسي، بينما القانون المالي المعدل هو قانون مرتبط بالتوجهات الواقعية مما يجعل الواقع يحكم السياسي وليس العكس؛ وبالتالي فإن قوانين المالية المعدلة هي انتصار للتدبيري على السياسي وانتصار للواقعي على العمومي، وعودة لسلطة الجهاز التشريعي على الجهاز التنفيذي وانتصار لكهنة المدى الطويل على كهنة المدى القصير.

*باحث في المالية العامة والعلوم السياسية


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.