24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

05/08/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:0006:3813:3817:1720:2921:53
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟
  1. الازدحام على تحاليل "كورونا" ينذر بانتشار الفيروس بين المغاربة (5.00)

  2. العاصفة التي تسبق الهدوء (5.00)

  3. المغرب يسجل 1021 إصابة جديدة مؤكدة بكورونا خلال 24 ساعة (5.00)

  4. العثور على جثتين متحلّلتين لشقيقين في الناظور (5.00)

  5. مغاربة يقيّمون تهاني تبّون للملك: "بروتوكول معتاد وأخوة مسمومة" (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress
الرئيسية | كُتّاب وآراء | انسلاخ الذات

انسلاخ الذات

انسلاخ الذات

استيقظ ذات صباح على غير شكله المعتاد. بطن منتفخ، سيقان غريبة، وجه قبيح. ظن أنه استفاق على كابوس، ثم عاد ليستسلم إلى النوم. وفي حركة معتادة، حاول التقلب على جانبه الأيمن دون أن يتمكن من ذلك. وجد نفسه ينقلب على ظهره كلما حاول الحركة. شعر بأنه فَقَدَ كل مقوماته الجسدية، وبأن ذاته انسلخت عنه في مشهد سريالي، عبثي، كافكائي (kafkaïen) كما يحلو للفرنسيين التعبير عن ذلك.

المشهد، كما تعرف عليه الكثير، هو مقطع من رائعة الكاتب التشيكي، رائد الكتابة الكابوسية، فرانز كافكا تحت عنوان "المسخ" أو "التحول" (La Métamorphose). حيث يستيقظ "غريغور سامسا"، بطل الرواية، ليجد نفسه على شكل حشرة كبيرة، ويدخل في أزمة وجودية، وفي عجز لامتناهٍ.

تصنف هذه الرواية ضمن جنس المدرسة "العبثية" (Absurdisme), وهو فكر يتعرض للصراع بين تجاذب طموح الإنسان وقدرته على تحقيق أهدافه وأحلامه: إكراهات الحياة، صعوبة العيش، كابوس الروتين اليومي ورتابة الزمن. كما تعالج "العبثية" أفكارا أخرى مرتبطة بمعيشنا اليومي كالاغتراب الذاتي" حيث يصبح الإنسان مجرد أداة في أيادي القلة المتسلطة، ومجرد آلة للإنتاج والاستغلال. بتعبير آخر، سلب إنسانية الفرد والشروع في تشييئه (la chosification de l’homme).

والواقع أننا لسنا سوى نتاجا لمجتمعاتنا. فالعالم يبدأ، بالنسبة لنا، من خلال نظاراتها ولا يمكننا تمثله إلا عبر عدساتها. فإما نقبل العيش داخل قالبها كما أرسته معاييرها وقيمها، بمعنى "مطابقين" /"امتثاليين" (Conformistes) وإلا نكون خارج نسقها وضد منطقها.

ساق لنا كافكا من خلال تحفته الأدبية نموذج انمساخ الذات. وهو في الحقيقة ليس إلا نتيجة لمسخ العالم حولنا. فقساوة الظروف والعوز والحاجة تجرد الإنسان من آدميته وذاته الإنسانية "déshumanisation". وحتى في تعبيرنا المغربي، كثيرا ما نردد تصورا ليس ببعيد عن واقع "غريغور سامسا" (فقت بكري بحال الفروج، النهار كامل ونا كنجري بحال الكلب، وفي الليل طحت دودة) كناية عن انسلاخ الإنسان عن ذاته وتحوله إلى كائنات غير بشرية جراء التعب والعياء الذي تفرزه دوامة الحياة، والذي يفرضه واقع الالتزامات، واستعباد الإكراهات اليومية للأفراد. تماما كوضعية "غريغور سامسا" الذي دفعه ضنك الحياة إلى الانسلاخ عن ذاته الأصلية والدخول في ذات زائفة يمكن أن تتمظهر في أبشع الأشكال. وهذا الانسلاخ عن الذات هو أحيانا انعكاس للتذمر وفقدان الأمل، حيث تطمس الهوية وتفقد البوصلة ويضيع بريق الحياة.

إنه نوع من الغروتيسك (Grotesque) وهو جنس أدبي يعنى بتصوير معاناة الإنسان وتسليط الضوء على جوانب واقعنا المأساوي. كما عبر على ذلك بجمالية الروائي والمسرحي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للآداب Josè Saramago "أنا لا أكتب فحسب، بل أكتب ما أنا عليه". حيث يصر Saramago على استحضار التشاؤم من خلال "متعة الاكتئاب". وهو ما يظهر جليا في كتاباته، وخصوصا من خلال رائعته "العمى" (Blindness) الذي استحضرها المخرج البرازيلي Fernando Meirelles في عمل سينمائي بديع بنفس العنوان سنة 2008. والرواية هي دعوة لواقع "المدينة الفاسدة" (الديستوبيا) حيث تعم الفوضى، ويعري الجوع والوباء عن الغرائز الإنسانية، ويكشف الأفراد عن الجانب البهيمي بداخلهم، ليسيطر الحيوان فيهم على إنسانيتهم.

فالعمى أماط اللثام عن حقيقة جوهر الأفراد: أناس تنكروا لأقربائهم وذويهم حتى لا تمسهم العدوى، وآخرون لم يتوانوا عن مد يد المساعدة والمواساة لأناس غرباء. أناس قايضوا كل المبادئ لأجل البقاء، وآخرون فضلوا الموت على أن يحيوا كالحيوان. تنتهي القصة بقول على لسان زوجة الطبيب، إحدى شخصيات الرواية، "لا أعتقد أننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان يرون. بشر يستطيعون الرؤية لكنهم في الحقيقة عميان".

إنه زمن التيه واللامعنى للوجود، تصبح فيه الوجوه مجرد أقنعة. كما عبر عن ذلك الكاتب والمسرحي العبثي الساخر Eugéne Ionescu من خلال مجموعة من الأعمال تتناول عزلة الإنسان، وسلب وجوده من أي غاية. ولعل أبرز تلك الأعمال مسرحية "الخرتيت" أو "وحيد القرن" (Rhinocéros). حيث يستفيق سكان بلدة صغيرة ذات يوم على مشهد غريب: قطعان من الخراتيت تتجول في الشوارع. ظن السكان في البداية أنها هاربة من حديقة الحيوانات المجاورة، ليتضح فيما بعد أنهم بشر تحولوا إلى خراتيت، وبذلك كانت تلك الحيوانات مجرد انعكاس لذواتهم. واختيار يونيسكو لهذا الحيوان ليس أمرا اعتباطيا. فرغم كونه أضخم الكائنات الحية، فإنه أكثرها غباءً. كما أنه حيوان كثيرا ما اقترن اسمه بقصر النظر. فهو يهاجم قبل أن يتبين الهدف. ومع ذلك فهو أقل خطورة من البشر الذين تحولوا إلى خراتيت.

والمسرحية هي إدانة لانسلاخ الذات وقبول منطق القطيع من خلال مفهوم "الخرتتة"(la Rhinocérisation). صرخ Bérenger، أحد أبطال مؤلف أوجين يونيسكو، في وجه الخراتيت: "لن أتبعكم، سأظل كما أنا، كائن بشري"؛ لكنه سرعان ما يجد نفسه وحيدا في إنسانيته، معزولا في فكره. ينتابه الرعب في وحدته إلى درجة تمني التخرتت؛ لكنه يستعيد عزيمته وينتفض من جديد: "الويل لمن حاول أن يحتفظ بتفرده، حسنا ليكن ما يكون سأدافع عن نفسي ضد العالم أجمع. أنا آخر إنسان وسأظل كذلك حتى النهاية لن أستسلم".

أبان المسرحي العبثي يونيسكو عن بعد نظر مذهل عبر تصور دقيق ومدهش لواقع المجتمعات. بحيث استعرض من خلال مسرحيته الرائدة "لعبة القتل" (Jeux de massacre) وضعا يشبه ما نعيش عليه اليوم بعد خمسين سنة من عرض هذا العمل الفني. حيث يقدم لنا مشهدا لوباء مجهول ينتشر فجأة ويكتسح مدنا في أجمل فتراتها وأسعد لحظات تاريخها. يعلن حظر التجول، تمنع التجمعات والاحتفالات واجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص. يتزايد عدد الموتى وتتكدس الجثث في الشوارع، وتنضاف ضحايا أحداث عنيفة إلى ضحايا الوباء. تتعالى أصوات من المسؤول عن الوباء؟ من المستفيد؟ يدخل السياسيون على الخط ينظرون ويشرعون ويتدافعون ويتنافسون. يغلق الناس أبواب منازلهم في عالم أصبح كله مخاطر ومجازفة. انغلاق الجسد جر معه انغلاق عن الذات وقبلها انغلاق عن المجتمع. يسدل الستار بعبارة "انتهت اللعبة" لتنتهي المسرحية.

كلها أعمال أدبية وفكرية تترجم قدر الإنسان في مواجهة مصيره؛ فالانسلاخ عن الذات هو الانسلاخ عن الشعور بالحياة، وهو بذلك الموت الحقيقي. ردد المؤلف والطبيب النفسي المصري عادل صادق قولا جميلا: "بعد ربع قرن من ممارسة مهنة الطب، أستطيع أن أضيف أحد الأسباب الطبية لموت الإنسان ألا وهو الظلم"؛ فالحكم تذكرنا دائما أن الحياة ليست عادلة، ورغم ذلك يجب أن نحياها كما هي. في المدرسة يعلمونك الدرس ثم يختبرونك. أما الحياة فتختبرك ثم تعلمك الدرس. وهي أحيانا موت مسبق إذا كانت بلا فائدة. ومع ذلك تظل قوة الحياة أكثر من قوة الموت. وليس بوسع الموت أن يوقف زحف الحياة.

لكم التعليق! وعيد مبارك سعيد!


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (9)

1 - Hassan الخميس 30 يوليوز 2020 - 03:19
عيد مبارك سعيد . كتابة أدبية ممتعة تخاطب القلب و العقل . نعم الموت لن تنتصر على الحياة إلا في حالة واحدة "موت الضمير" فبموته تموت الأخلاق لا الخلائق .
2 - زينون الرواقي الخميس 30 يوليوز 2020 - 06:02
الانسان هو الكائن الوحيد على وجه الارض الذي يعذبه عقله ونزعاته وأحلامه وأطماعه وحاجياته التي تتعدى الحد الطبيعي للعيش والتناغم مع الاستمرار الهادئ في العيش .. الحيوان يبقى النموذج الطبيعي الخام للكائن كما شاءت له الطبيعة في سعيه وأكله ومسكنه وتزاوجه وحتى في معاركه لا يعرف الطبقية ولا الجشع ولا الهواجس ولا الرعب من مستقبل غامض .. والواقع ان الحيوان من ينبغي ان يخشى الانسلاخ والاستيقاظ ذات صباح وقد تحول الى إنسان ينهكه عقله وتهافته وأطماعه ومقارناته التي لا تنتهي بين نفسه وبين من يملك اكثر منه إو من هو أكثر وسامة وذكاءاً وحظوة .. هذَا لا يوجد في عالم الحيوان وكلما تطور الانسان وانفلتت مجتمعاته نحو المزيد مما تراه تقدماً وحرية وتمرداً على الأنماط القديمة كلما ازداد مسخاً واستحالت حياته جحيماً وهو يسعى الى مزيد من التفرد والاختلاف فيزيغ عن خط الطبيعة ليوغل اكثر في جحيم عذاباته النفسية ..
هناك طب بيطري لعلاج الأمراض والآفات الجسدية للحيوان لكن لا يوجد طب نفسي يعنى بالحالات النفسية ولا باكتئاب بغل او حمار أو ميول كلب للانتحار ..
عيدكم مبارك سعيد ...
3 - المعطي الدكالي الدكتور الخميس 30 يوليوز 2020 - 06:33
ذات استيقظت و كان يوم حفل طالما انتظرته الكل كان مستعد لاستقبال الظيوف و الظروف بدون عزوف و بينما نحن نحتفل داخل الخيمة باغتتنا مياه مسبح مجاور لا أعرف لها كيف اقتحمت الخيمة
الكل ساهم في محاولات متفرقة لاخراج المياه منهم من تناول ملعقته فأخد يتخلص بها من الماء ، كذلك منهم من استعمل رزته لجودة ثوبها في امتصاص الماء بسهولة ، و هكذا دواليك الى ظهر علينا عبقري زمانه بآلة فريدة من نوعها محلية الصنع فعاليتها قمة في الابهار اسمها الخطافة ، حيث اخد يخطف بها الماء خطفا حيث بلغ ما قام به عبقرينا بخطف ما مقداره اثنان و عشرون مليار مليمتر مكعب في ظرف قياسي رغم انه كان على الهاتف يمدح ذويه و ذلك بنعتهم هاذوك ولاد الناس.
ابهر الجميع فاصبح حديث الصحافة الاجنبية كي نعلم من بعد أنه آلته الخطافة و ميزاتها أصبحت مادة أدبية بامتياز تتسابق عليها أقلام الصحافة العالمية و القنوات الدولية الاكثر مشاهدة زد على ذلك امكانية إنتاج مجموعة من الافلام و ليس فيلم واحد لغزارة الموضوع و لثراءه من شتى النواحي.
4 - aleph الخميس 30 يوليوز 2020 - 08:37
قرأت منذ سنين قصة كافكا La Métamorphose. أشتريتها من أحد محطات البنزين في فرنسا وأنا عائد إلى المغرب من أحد دول أوروبا الشمالية. كان الثمن جد بخس، أظن 2 أورو لا أكثر. القصة ليست طويلة، تقرأها ربما في ساعتين أو لربما ثلاث ساعات لاأكثر، لكنها رائعة. كانت أول شيئ أقرأه لكافكا، رغم أن إسمه كام معروفا لدي.

أما Eugen Ionescu / Eugène Ionesco فكل ما قرأته له هو مسرحيته Le roi se meurt ، وبعد ذلك لاشيئ لأنني في الحقيقة لاتجذبني المسرحيات (باستثناء ما كتبه سارتر، فهي أقرأها بمتعة). وبما أن دكتورنا الأديب قدم لنا مسرحيته Rhinocéros بشكل يفتح شهية القراءة سأربط صلتي بهذا الكاتب وأقرأ هذه المسرحية، فلربما تنشأ علاقة حب بيني وبيه هذا النوع الأدبي.

قرأت عن Josè Saramago وعن روايته: العمىL'Aveuglement- Blindness / كما قرأ غيري ذلك في الصحافة. والآن سأضع هذه الرواية على رأس لائحة ما يجب أن أقرأه.

شكرا دكتور أوزين على مقالك هذا المفاجئ لنا من حيث موضوعه. وتبقى كتاباتك تتربع على رأس أجود ما تتحفنا به هسبريس.

عيد مبارك دكتور، وعيد مبارك لهسبريس الرائعة ولكل قرائها الأفاضل.
5 - baadi khalid الخميس 30 يوليوز 2020 - 15:15
entre dire et faire il y'a un monde
6 - قاسم الخميس 30 يوليوز 2020 - 15:16
الانسان هو جوهر الحياة و سر هذا الوجود ، الانسان هو المتميز في هذا الكون ، لكنه متى انحرف عن العلم و المعرفة و الاتزان ضاع و ضاع معه المجتمع برمته ، يجب على البشرية ان تبتعد الميولات الفردانية الأنانية و الظلم و الفساد بشتى أنواعه لتسير قافلة السلم الإجتماعي و الاقتصادي والسياسي و الفكري الى بر الأمان، ان الانسلاخ الحقيقي هو الانسلاخ من الإنسانية و الهوية و الثقافة و الجذور الأصيلة التي كونت و ربت رجال عظماء لا يزال التاريخ يذكرهم الى عصرنا الحالي
7 - mohamed الخميس 30 يوليوز 2020 - 19:42
the grotesque is the crime of theft of billions that you
committed under the absurd theater of reform
stop being an utter connoisseur of utter nonsense
8 - Amaghrabi الخميس 30 يوليوز 2020 - 21:33
منذ زمان قال الشاعر العربي"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله,واخو الجهالة في الشقاوة ينعم" ومع الاسف الشديد مازالت هذه البيت الشعريالرائعة تعبر عن الواقع العربي بصفة عامة والواقع المغربي خاصة بحيث اصبح اليوم قيادة الامور في يد الاميين واصبح الامي يقود المتعلمين ويفرض افكاره البسيطة على المتعلمين وترى المتعلمين المثقفين يضربون في الطبول ويسوقون افكار الاميين الذين يتنعمون في الجهل وبالتالي اصبح الجهل نعمة حتى للمثقفين والمتعلمين واصبح المال والاغلبية هي من تفرض نفسها وهي من تقود المجتمع
9 - Hassan الخميس 30 يوليوز 2020 - 22:32
لا شيء في الطبيعة يعيش لنفسه . الإنسان لا يستثنى من هذه القاعدة كائن اجتماعي . الإندماج أو الإندثار . الذات مقرونة بالصفات .
المجموع: 9 | عرض: 1 - 9

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.