24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

04/06/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:2606:1313:3117:1120:3922:11
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد
الاثنين

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟

قيم هذا المقال

3.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress
الرئيسية | كُتّاب وآراء | لا شيء.. خارج الخطاب

لا شيء.. خارج الخطاب

لا شيء.. خارج الخطاب

أمر لا يصدق. خلال ساعات قليلة، خلال أسبوع تغير المشهد السياسي والخطابي في أم الدنيا. كان الرَّيس يحط فوق رؤوس الجميع. يستحوذ على كل شيء. يمسك بكل الخيوط. يصول ويجول فوق خشبة الأحداث. يلفت الأنظار. يستولي على الأسماع. يقف تمثالا متصلبا، واثق الصوت، حاد النبرات، ساخر النظرات، مضبوط الإيقاع. يحمل معاوله وآلياته الخطابية. يبني. يهدم. يستدرك، يتدارك، يهدد، يتوعد، يهادن، يفاوض. يستعرض عضلاته، يمارس كل صلاحيته. يبسط جناحيه في سماء مصر البئيسة. فجأة، يتبخر كل شيء. ينهار كل شيء. ينهزم الخطاب. يتهاوى البطل. يندحر. يغادر المنصة. يتجرد تمثاله المشمع من بريق أيقونات السيادة، من هيبة الرموز السلطوية. يتلاشى. ينسحب إلى اللامكان.

يبتلعه الظلام، يحجبه خلف سراب من التأويلات والتفسيرات، من التعليقات والتكهنات، من الإسقاطات والمقارنات، من تضارب القصاصات وحدة الانتظارات.

أمر مثير للحيرة، للدهشة والتساؤل. كيف حدث ما حدث بهذه السهولة وهذه السرعة الجنونية؟ أهو أمر خارق للمألوف؟ أهو أمر عادٍ، منتظر، نتيجة طبيعية لسيرورة الأشياء؟ من يصدق أن ما كنا نعتقده بنايات شامخة مجرد بناء خطابي خادع؟ أن الأبطال والرموز مجرد أوهام وأساطير وإنشاءات ملحمية؟ أن المؤسسات والمواقع مجرد مفردات معجمية سرابية افتراضية تنهار بانهيار الخطاب؟. عبارات كثيرة تُردّد، يُسلّم بوجودها، تُقبل دون مساءلة أو تدقيق: الدولة، النظام، الشرعية، الديموقراطية، الإرادة، الشعب. ركام هائل من المفردات والحقول المعجمية، تملأ الفضاء المجتمعي، ترددها الكائنات السياسية، تنفخ فيها الأبواق الإعلامية بدون كلل ولا ملل. هل هي بالفعل مجرد كيانات خطابية، مجرد كلام، مجرد دالات بدون مدلولات، بدون إحالات واقعية، بدون تحقق فعلي ملموس، مجرد ثرثرة ولغو حول الموائد، أقوال، أقوال، مجرد أقوال. لندقق النظر قليلا. لنكشف قليلا عن هذا الكائن السوريالي الغريب، المثير للسخرية، للامتعاض، للحسرة، للتذمر، للبكاء المرير.

قيل إن الرئيس يتشبت بالحكم خدمة للشعب. قيل إن العساكر قاموا بتنحيته عن كرسي الرئاسة حرصا على أمن وسلامة وخير الشعب. الرئيس يتحدث باسم الشعب. العساكر يسكتونه باسم الشعب. ما سر هذه اللفظة العجيبة السحرية التي تبرر القرارات، تُشرعن السلوكات، تقوي الاستبداد، تسهل الإقناع والاقتناع والقبول والانقياد؟. الشعب كلمة هلامية، من جذر ثلاثي (ش.ع.ب)، مصطلح غامض، عائم، متناثر بين ثنايا القواميس والمعاجم، بعيد عن التجانس والتجسيد الفعلي الملموس. لنتلمسه في خريطة الأحداث. لنجدْ له موضعا خارج الخطاب. لنبحث عنه داخل المشهد الدرامي العام. لنرَ ونستعرض. لنبحث عنه في هذا المد الجارف من الأجساد. أجساد تُقاد إلى الساحات والميادين، تُحاصر بين الزوايا والأرصفة، تتصبب عرقا، تهتف صراخا، تنطق هذيانا، تتضور جوعا، تحتضر بؤسا وجهلا، تموت عنفا وإجراما. لنبحث عنه بين المترددين المنكمشين في الجحور المتعفنة، يسترقون السمع، يلتهمون الإذاعات والقنوات، يترقبون. ينتظرون. لنتلمس دلالته في العساكر والجنود ودوريات البوليس وهي تتهادى في الشوارع، توزع ابتسامات بنادقها ومروحياتها ودباباتها. لنتلمسه في رحاب الأزهر، في رجال الدين، منتجي الفتاوى والتمائم والتعاويذ، موزعي صكوك الغفران. لنبحث عنه في كل الشرائح. في النخبة المثقفة المتذبذبة، المنغمسة في قضاياها المجردة الكبرى، في تحاليلها المستوردة، متعالية عن الرعاع والبسطاء وسكان الحضيض. في زمرة الفنانين العاطلين فاقدي عمق الإحساس وصدق الالتزام. قائمة التصنيفات والألوان والاصطفافات والثنائيات طويلة. رجال التربية والإعلام والسياسة، العلمانيون، الديموقراطيون، المتأسلمون، الثوريون، الرجعيون، المسلمون، المسيحيون، الحضريون، القرويون، الأعراب، الفراعنة المصريون. لا شيء يوحد هذه الفوضى العارمة. يلملم هذا الشتات. لا شيء على الإطلاق. الشعب مجرد خرافة، أسطورة، كذبة خطابية كبرى، مفردة عائمة، قابلة للتمطيط والتمويه، جدار للتربص والاختفاء والاحتماء. خاصة إذا كان الشعب "عظيما" كما يصفه صناع الخطاب المصريون إمعانا في تعويم اللفظة وتضبيبها. لكن من يحمي الرئيس من الشعب؟ من يحمي الشعب من الرئيس؟ من يحمي الشعب من نفسه؟ قيل إنها إرادة الشعب. قيل إنه الدستور المتبثق من الشعب. قيل إنها الثورة الشعبية. قيل وقيل وقيل..

تزداد الغرابة. يبحث الخطاب عن حامل جديد ليضمن الاستمرار. يختار بطله من خارج المواصفات المطلوبة. من العساكر. يمتطي كبير العساكر صهوة مدفعه، خطيبا مفوها. يشرعن تدخله. يفرض قوانينه. ينفذ تهديداته. من أين استمد هذه المكانة؟. أمِن سبورة الأوسمة والنياشين التي ترصع صدره، تتويجا للهزائم والانسحابات اللانهائية؟ أمِن الجيش الرابض في التكنات، يسمن، يتقوى، يتجبر على المدنيين العزل، غاضا الطرف عن عدو يعربد راقصا، مزهوا بانتصاراته، باسطا نفوذه وهيمنته على الوطن العظيم، ذي الجيش المجيد الثائر؟. قيل إن العساكر يحمون الشعب من نفسه، من السقوط في الهاوية، من المصير المجهول. من يحمي الشعب، هذا الكائن المجهول، من جبروت الجيش وطغيانه، واستهتاره بالإرادة الشعبية، ووضع قبضته على النفوس، يعز من يشاء ويذل من يشاء؟.

الخطاب سيد الأشياء. غابة كثيفة من الكلام الضبابي، تزهر وتخضر، وتتجدد باستمرار. في كل مرة تتحرك الآلة الخطابية في البناء. تبني الهياكل والمواقع. تصنع القادة، تمجدهم، تؤسطرهم، تعزف على أوتار المطامع الدفينة. تنمي جنوحهم الغريزي إلى الهيمنة والبطش. تحولهم بالتدريج إلى طغاة وجبابرة مستبدين. يلبسون النماذج. يتحولون عبيدا للخطاب. يؤمنون بالذات، بالتفرد، بالخلود. تكبر مخاوفهم، هواجسهم، حاجتهم إلى الآخر. إلى المديح، إلى التمجيد، إلى الدجالين والكهنة والنصابين. يزداد عطشهم إلى الذبائح والقرابين. تنبسط موائدهم. تتنامى حولها الفطريات، الحشرات المفترسة. تتسرب السموم الخطابية إلى الرأس الكبير. ينتفخ. ينسف ذاته تلقائيا. ينفجر... يتهاوى الخطاب.

تبدأ الآلة الخطابية من جديد. تتأقلم مع كل البيئات. تتساوق مع كل السياقات. تركب كل الأحداث. قبل سنة مضت. ركب الخطاب انتفاضة الجائعين. بنى لهم وهما جميلا أسماه الربيع. انطلق الشعراء البوهيميون يمتصون رحيق الفل والياسمين. يمزجونها بالأحلام القديمة، بالحرمان القائم. هدأت الجماهير. هللت. رددت الأشعار والأهازيج. يتدخل الخطاب. يضع فوق السماء البنفسجية أكاليل أمل، ضياء شمس. ينفخ في البطون الفارغة حلما جديدا. تمتد أنامله الناعمة إلى البراعم النائمة. تسرق رحيقها. تشحب الأزهار. تستحيل أفنانها أشواكا دامية. تصير عصيا رادعة. تسيل عنفا، دما، جوعا وإحباطا. تستحيل الحملان الوديعة ذئابا. تكشر عن أنيابها. يبدأ الافتراس من جديد. يبارك الخطاب دماءها. يعود الجياع إلى صراخهم. ينكمش الخطاب الربيعي. تتحرك الآلة الخطابية من جديد.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

التعليقات مغلقة على هذا المقال