نحن شعب مهذار

نحن شعب مهذار
الإثنين 29 شتنبر 2014 - 21:00

المغاربة شعب مِهذار والدليل أننا نسمي الكلام “هدرة” والفِراش الدافئ الذي تحلو “الهدرة” فوقه “هيدورة”.

المغاربة شعب صاخب، يختلط لديه الكلام بالصراخ، والدليل أن المتحدث عندنا “كيدوي” من: دوَى يدوِي، ادْوِ، دوِيًّا، فهو داوٍ. ودَوَى الرَّعْدُ: دَوَّى، أَرْعَدَ، سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ مُجَلْجِلٌ (قاموس المعاني).

المغاربة شعب ثرثار، والدليل أن الواحد منّا يُحدثك وعندما يأتي دورك في الحديث يستمع إليك لكنه لا يتوقف عن الكلام، لذلك نشتق فعل الإنصات من اللغو: “اتسْلغى لو”، أي استمعَ إليه دون أن يتوقف عن اللّغوِ!

حتى مع المكتوب نتعامل بمنطق المنطوق، الشفهي، لذلك أصبح من العادي والمألوف أن تصادف في المقهى من يستعير منك الجريدة وعندما تسلمه إياها يلقي نظرة خاطفة على أحد العناوين ويلتفت إليك: “آش قالو أخويا فهاذ لخبار؟”.

زحفُ الشفهي على المكتوب نراه يوميا على شكل حِكَم أو أحكام ثرثارة فوق هياكل الشاحنات والناقلات: “عين الحسود فيها عود”، “عضة أسد ولا نظرة حسد”… أو على مجموعة حافلات اختار لها صاحبها اسم “أسفار العهد الجديد” دون أن يعرف أن هذه العبارة التي ارتطمت بأذنه فاستهوته، تعني أسفار الإنجيل (les Livres du Nouveau Testament) وليس أسفار حافلاته.

على متن إحدى هاته الحافلات، قد تصادف مشعوذا يبيع مرهما يسكن آلام الأسنان ويداوي “الحزاز” و”بو حمرون” والروماتيزم… ويستشهد بالآية القرآنية: “وما يهلكنا إلا الدهر” وهو يقصد بالدهر آلام الظهر!

يذهب عبد السلام بنعبد العالي، في كتابه “ثقافة الأذن وثقافة العين”، إلى أن “اللغة العربية ليست وحدها التي تقرن العين بالتفكير والأذن بالأخلاق فنقول: “صوت الضمير” و”عين العقل”. يقال إن اللغات الإغريقية واللاتينية والجرمانية كلها تربط الصوت بالضمير والسمع بالطاعة والأذن بالرضوخ”..

لكن، هل يخفى على هذا المفكر الحذِق أن حتى مكتوبات المغاربة غارقة في الشفهي، ومليئة باليقيني والأخلاقي والمطلق الكامل المغلق… لأننا عندما انتقلنا إلى المكتوب لم نبرح منطق الشفهي، لذلك برز لدينا الخطباء الذين يثيرون الحماس والهتاف والتصفيق أكثر من الكـُتاب الذين يخاطبون العقل والخيال.

يحدث، على هامش نقاش حول الشعر، أن تقول لأحدهم: الشاعر الفلاني لا يكتب نصوصا جيدة، فيجيبك باطمئنان جاهل: لكن له قراءة جميلة وصوتا رخيما! لقد انتقلنا إلى المحترفات الشعرية دون أن نودع عكاظ، ولذلك تجد الأماسي الشعرية مكتظة بالمصفقين، لكن لا أحد منهم يقتني ديوان الشاعر الذي يصفق له ليقرأه بتؤدة وتمعن في بيته. يقول الشاعر والمسرحي الألماني بريخت: “إذا رأيت أحدا يصفق لمشهد في مسرحية فاعلم أنه يصفق لنفسه لأنه فهم المشهد”.

لعل مثل هذا هو ما شجّع الكاتب السعودي الراحل، عبد الله القصيمي، على تأليف كتابه القاسي، والمثير للجدل: “العرب ظاهرة صوتية”. لقد كتب القصيمي، من جملة ما كتبه في مؤلفه ذاك: “إن العرب ليظلون يتحدثون بضجيج وادعاء عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى يحسبون أن ما قالوه قد فعلوه، وأنه لم يبق شيء عظيم أو جيد لم يفعلوه لكي يفعلوه.. إن من آصل وأرسخ وأشهر مواهبهم أن يعتقدوا أنهم قد فعلوا الشيء لأنهم قد تحدثوا عنه”.

ومادمنا شعبا “يهدر” و”يدوي” أضعاف ما يتكلم ويكتب.. فمن باب تحصيل الحاصل أن تجدنا نلقي الكلمات على عواهنها والمفاهيم في غير محلها، دون أن نعير أدنى اهتمام لكون الكلمة مسؤولية كبيرة. لننصت لهذه المقولة العظيمة للفيلسوف الصيني، كونفوشيوس: “لو كنت أمتلك قوة خارقة لوظفتها في وضع كل كلمة في مكانها”.

تأملوا معي عبارة “الطائفة اليهودية” لتروا كيف أننا، مثقفين ومفكرين وسياسين وصحافيين ومسؤولين في الدولة..، نساوي بين اليهود المغاربة، وهم مكون أساسي من مكونات شخصيتنا الوطنية، وبين عيساوة أو حمادشة، فنقول الطائفة اليهودية والطائفة الحمدوشية.

أما أغلب انشقاقاتنا السياسية والفكرية، فلم تكن الأفكار، يوما، هي المحدد فيها، بل عدم الإنصات وانسداد قنوات التواصل، لأننا شعب “يستلغي” ويندفع أكثر مما يُصغي ويتواصل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • Ahmed
    الإثنين 29 شتنبر 2014 - 21:39

    لماذا هذه القسوة على المغاربة والعرب الذي لا يخدم الا الأعداء ام هناك غرض غير معلن

  • Lila
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 08:14

    J'ai pris du plaisir à dire cet article. Un peu d'autodérision est bénéfique. Les humoristes devraient avoir plus de courage et aborder la faculté de rire de soi. Nous avons des travers comme tout le monde, mais il faut avoir le courage de les regarder en face. C'est de plus en plus difficile avec le nouvel esprit qui règne et où les marocains pensent qu'ils ont des ennemis partout qui les attendent au tournant .

  • ثرثار يحب الإختصار
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 08:32

    وصف دقيق ووفي،إننا لا نتقن فن الإصغاء، وإن تكلمنا فالمخاطَب تكلمه أيدينا وأرجلنا ونرغي ونزبد ويصيبه نصيب من رذاذه، وكل الأخطاء متجاوزة ،وإن حدثنا بالعربية لابد وأن تتخللها كلمات فرنسية فيعز الفهم على الناطقين لا فرنسي ولا عربي تابع فهم ماقيل ،ولا أحد كلف نفسه عناء الشرح والإيضاح ،إلى أن إعتدنا الخطأ وتأقلمنا معه ،تجد من يقول (في حالة لا يرثى لها) والمستمع إليه يترك خانا فالله يرددها ولا يصحح له الخطأ.

  • يوسف حسن
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 09:28

    صحيح، مقال في الصميم. ومشكلتنا في العمق هي انتفاخ الذات بشكل مرضي. فكل من تحرك بجانبنا ولو بمسافة بعيدة نعتبره متربصا بنا ومتآمر ضدنا. لكن الأمور عادية لأن تراثنا الديني أساسا والذي نستهلكه يوميا في المدرسة والإعلام والمسجد، يجعلنا نعتبر أنفسنا فوق العالمين ونحن الحقيقة المطلقة وحدنا والباقي ضلال في ضلال، من أراد أن يتأكد فليتمعن في قسمات الخارجين من المساجد بعد الصلاة لا سيما يوم الجمعة بعد سماع الخطبة، قسمات عدوانية تتأهب للانقضاض وبالفعل تندلع شجارات بمحاداة المساجد. ما استهلكناه كذلك في تعليمنا من عنتريات الشعر الجاهلي وغير الجاهلي الذي يركز على تيمة بناء الذات وتحطيم الآخر، يجعلنا غير منطقيين ولا نعرف حدودنا وحتى "إذا أتونا يجرون الحديد كأنما سروا بجياد ما لهن قوائم" فإننا نهزمهم شر هزيمة. كانت القناة الثانية المغربية تصور برنامجا مع الفنان الراحل وديع الصافي في بيته. وبكل وقاحة طلبوا منه أن يزيل رموزه المسيحية لكي لا تظهر على الشاشة، وهو ما قبله الفنان بصدر رحب. وهذا هو الفرق بيننا وبين العالمين.

  • محمد ولد الله
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 10:40

    شكرا لك على هذا المقال:
    إنها الحقيقة المرة زد على ذلك حين تكتشف أن للدين دور كبير في هذا الهذر وللتربية أيضا نصيب.
    إتفق الأمازيغ والعرب على الهذرة والدوي لأنه ساعدهم في وقت من الأوقات في تخويف أعدائهم والظهور كأنهم أولي الألباب والباب.
    العهد الجديد قد لا يعني دائما الإنجيل وإنما قد يعني وقت جديد أو ميثاق جديد. لأن الإنجيل في حد ذاته كلمة تعني الخبر السار أو البشرى وهو العهد الجديد الذي أبرمه الله مع الناس كافة بدم المسيح كلمة الله الذي سفكه فوق الصليب. وهذا خلاف للعهد القديم الذي كان بين الله وشعبه القديم والذي كان مؤسسا على الذبائح الحيوانية التي كانت تنوب وترمز للذبيحة الكاملة التي هي يسوع المسيح.
    شكرا لهسبريس على النشر.

  • Amazigh
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 10:52

    كانت جدتي رحمها الله عندما تصلي بسورة "الكافرون" في الاية الاخيرة § لكم دينكم ولي دين§ تقول : لكم دينكم وانا ما عليا دين. كانت تعتقد ان الدين هو القرض او السلف.
    هناك اشياء مظحكة اخرى اخطر من " اسفار العهد الجديد" وهي ان بعض الشباب يلبسون اقمصة من ماركة ( GP تعني شاذ وافتخر) التي صممها احد الشواذ ويستعملها كاشهار ومصدر تمويل لجمعيته التي تدافع عن الشواذ.
    اما " وما يهلكنا الا الدهر" فبقدر ما كنت اسمعها من عند الحلايقية ا عتقدت ان الظهر هو مصدر الهلاك والامراض.

  • ١محمد١
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 11:32

    إلى المعلق "أحمد"

    هذه ليست قسوة!!

    ما قاله الكاتب هو ما نراه في مجتمعنا…

    و لا ينفع أن نستخدم أسلوب النعام بوضع رأسنا في الرمل آملين أن تختفي المشكلة إذا لم نستطع رؤيتها!!

    أول خطوة لحل مشاكلنا هي معرفتها و الإعتراف بها… أما إذا تغاضينا عنها فهي تصبح مثل كرة الثلج التي كلما تحركت إلى الأمام كلما زاد حجمها…

    أتمنى أن أرى مجتمعنا و هو ينتقل من مجتمع شفهي أو صوتي إلى مجتمع عملي يعمل و ينتج…

  • رؤول السعوديه
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 12:27

    لا احب اتناقش مع اصحابي المغاربه والسبب عنادهم الواضح والصراخ في النقاش …………. ولاكن يبقى انكم شعب محبوب
    تحياتي للمغاربه

  • - أحمد -
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 13:05

    كما جاء في التعليق رقم 7 ، لو استطعنا المرور من مرحلة تداول الأفكار الى مرحلة الحركة التي بها نحاول وقعنة أفكارنا – وهي ما يعوزنا – لكنا غزونا العالم

  • razoq
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 18:50

    ce que soulaimane pense a propos

  • muslim
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 20:12

    وبالمناسبة أوجه هذا السؤال للذي يزعم أن سيدنا عيسى قد صلب فلماذا لم ينجه الله من هذا العذاب الأليم وبقي مقيد بالصليب حتى مات ؟؟ولماذا أنتم تعلقون الصليب على صدوركم وتقدسونه وتحبونه؟؟ مع أن الواجب عليكم أن تكرهوا الصليب وإذا رأيتموه في مكان ما أن تكسروه!!!!!
    كيف لا وهو أداة التعذيب التي عذب عليها عيسى عليه السلام وكان يحاول أن يتخلص منه لكنه لم يستطع إلى ذلك سبيلا حتى مات على زعمكم ثم جئتم وقدستم الصليب إن هذا لشيء عجاب .

  • عبدالله
    الثلاثاء 30 شتنبر 2014 - 22:35

    بخصوص اليهود أعتقد بأن المشكل في الترجة والإبداع مثلا la communaute isrealite لا تعني بالضرورة الطائفة اليهودية أهل الذمة أو أهل الكتاب

  • ledocteur
    الأربعاء 1 أكتوبر 2014 - 00:48

    ببساطة … رائع
    المشكل أن الدوي و الصراخ يزداد باستمرار و نفوس الناس تضيق و يتم تصريف صراخ الدماغ على اللسان و كلاهما، عند الاحتدام على الأيدي حتى أصبح الفضاء العام حلبة مصارعة
    مشكلتنا أننا لا نقرأ أولا

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 8

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة

صوت وصورة
تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 18:00 1

تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية