القاسم الانتخابي

القاسم الانتخابي
الإثنين 17 نونبر 2025 - 11:27

شكلت الانتخابات التشريعية ليوم 8 شتنبر 2021 محطة سياسية بارزة في مسار الديمقراطية المغربية، ليس فقط بسبب تغير خريطة القوى الحزبية، بل أيضا بسبب الجدل الواسع الذي أثاره اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين بدل الأصوات المعبر عنها. هذا التعديل التقني الظاهري أفرز نتائج غير متوقعة وأعاد إلى الواجهة سؤال الديمقراطية التمثيلية ومدى احترام إرادة الناخبين.

ففي عالم اليوم، غالبا ما تتخذ الديمقراطية شكل الديمقراطية التمثيلية، القائمة على مبدأ سيادة الشعب التي يمارسها من خلال ممثليه. ونتيجة لذلك، أصبح تعيين هؤلاء الممثلين قضية محورية في الأنظمة الديمقراطية، وأضحى التصويت آلية شرعية لتحقيق ذلك وأسلوبا أكثر شيوعا لتحقيق المشاركة السياسية، بل صار تنظيم الانتخابات معيارا لتقييم الحيوية الديمقراطية لأي بلد.

بيد أن هذه الصلة التي نشأت بين الديمقراطية والانتخابات لم تكن دائما على هذا القدر من الوضوح. إذ سرعان ما طرحت تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الاقتراع على جعل المنتخبين ممثلين حقيقيين للناخبين، خاصة مع ما سمي في العقود الأخيرة بـ”أزمة التمثيل”. وفي السياق المغربي، يعود النقاش من جديد مع اعتماد القاسم الانتخابي في اقتراع 8 شتنبر 2021 وما أثاره من جدل حول أثره على التمثيلية الديمقراطية.

أولا: أثر القاسم الانتخابي لمجموع المسجلين على توزيع المقاعد البرلمانية خلال انتخابات 2021

خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وبعد صدور قرار المحكمة الدستورية رقم 21/118 بتاريخ 7 أبريل 2021، الذي رفض الطعن ضد مشروع القانون التنظيمي رقم 04.21 القاضي بتعديل وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، أصبح القاسم الانتخابي على أساس مجموع المقيدين في اللوائح الانتخابية أمرا واقعا وأساسا لتوزيع المقاعد بين الأحزاب السياسية خلال اقتراع 8 شتنبر 2021.

وجاءت نتائج الاستحقاقات لتكشف عن تحول بارز في الخريطة السياسية، إذ حقق حزب التجمع الوطني للأحرار قفزة نوعية رافعا حصيلته من 37 مقعدا سنة 2016 إلى 102 مقعد في انتخابات 2021، في حين تكبد حزب العدالة والتنمية خسارة غير مسبوقة بانهيار مقاعده من 125 إلى 13 فقط، في مؤشر واضح على تغير عميق في اختيارات الناخبين.

أفرز اعتماد القاسم الانتخابي الجديد، المبني على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، تحولا جوهريا في طريقة توزيع المقاعد خلال انتخابات 8 شتنبر 2021. فبدل الاعتماد على الأصوات المعبر عنها كما كان معمولا به في انتخابات 2016، جرى احتساب المقاعد عبر قسمة مجموع المسجلين (سواء شاركوا في التصويت أم لم يشاركوا) على عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة انتخابية، محلية أو جهوية.

وبإعادة توزيع نتائج 2021 وفق الصيغة القديمة المعتمدة سنة 2016، يتضح أن الأحزاب الثلاثة الأولى (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) كانت ستخرج أكثر قوة، إذ تحظى مجتمعة بسبعة وثلاثين مقعدا إضافيا.

يستفيد حزب التجمع الوطني للأحرار من الحصة الأكبر، حيث يضاف إلى رصيده عشرون مقعدا، منها تسعة مقاعد في اللوائح المحلية، تتوزع على دوائر: تطوان، وجدة أنجاد، الرباط المحيط، القنيطرة، بني ملال، الجديدة، سطات، عمالة مقاطعات مولاي رشيد، الدار البيضاء أنفا، وأكادير إداوتنان، في حين يفقد الحزب مقعدا في دائرة السمارة. وعلى مستوى اللوائح الجهوية، يحصل الحزب على أحد عشر مقعدا إضافيا.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيضاف إلى رصيده عشرة مقاعد؛ ثلاثة منها في اللوائح المحلية (بدوائر تطوان، ووجدة أنجاد، وشيشاوة)، والباقي في اللوائح الجهوية. بدوره، يعزز حزب الاستقلال موقعه البرلماني بتسعة مقاعد إضافية، منها سبعة مقاعد في اللوائح الجهوية، ومقعدين في اللوائح المحلية (دائرتا مكناس والعيون)، بينما يفقد مقعدين في دائرتي وجدة أنجاد وشيشاوة.

بالمقابل، تخسر باقي الأحزاب العدد نفسه من المقاعد المضافة للأحزاب الثلاثة الأولى، حيث يفقد حزب التقدم والاشتراكية عشرة مقاعد؛ ثلاثة منها في الدوائر المحلية (بني ملال، أكادير إداوتنان، ومقاطعات مولاي رشيد)، وحزب العدالة والتنمية تسعة مقاعد، منها ثلاثة مقاعد في اللوائح المحلية (مكناس، القنيطرة، والدار البيضاء أنفا)، ليصبح عدد نوابه أربعة أعضاء فقط.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الشعبية، فيفقد كل منهما خمسة مقاعد، ويخسر كل من الاتحاد الدستوري، وجبهة القوى الديمقراطية، والحركة الديمقراطية الاجتماعية مقعدين. كما يحرم الحزب الاشتراكي الموحد وتحالف فدرالية اليسار من مقعديهما الوحيدين.

إعادة توزيع المقاعد يعزز حضور الأحزاب الكبرى الثلاثة، رافعا حصتها داخل البرلمان إلى أكثر من 77 في المئة من المقاعد، مقابل 68 في المئة فقط عند تطبيق القاسم الجديد. وهو ما يعكس اتجاها نحو تكريس هيمنة التحالف الحكومي الحالي، وتقليص فرص الأحزاب الصغيرة في التأثير داخل المؤسسة التشريعية.

وبناء على هذه القراءة، يمكن القول إن القاسم الانتخابي الجديد كان بمثابة “طوق نجاة” لحزب العدالة والتنمية، الذي جنبه تقهقرا أكبر في النتائج، بينما قلص نسبيا من وزن الأحزاب الثلاثة الكبرى. كما أتاح هذا النظام فرصة تمثيلية لحزب الاشتراكي الموحد وتحالف فدرالية اليسار، مما جعل المشهد السياسي أكثر توازنا من حيث التمثيلية، وإن على حساب الأحزاب الكبرى.

استنادا إلى ما سبق، يتضح أن الصيغة المعدلة للنظام الانتخابي بقاسمه المعتمد على مجموع المسجلين بدل مجموع الأصوات المعبر عنها، كان لها أثر بين على نتائج الانتخابات التشريعية 2021. وأسفرت عن تحولات جوهرية في خريطة توزيع المقاعد البرلمانية. ويبقى السؤال مطروحا: كيف حدث هذا التأثير حسابيا؟

ثانيا: تأثير القاسم الانتخابي الجديد على ضمان التمثيلية الحقيقية للناخبين

تتمثل الوظيفة الجوهرية لأي نظام انتخابي في ترجمة أصوات الناخبين إلى مقاعد تمثيلية داخل المؤسسات التشريعية. وعند مقارنة النظم الانتخابية، يبرز تساؤل محوري حول جودة هذه الترجمة: إلى أي مدى يحقق النظام الانتخابي التناسب بين عدد الأصوات التي ينالها كل حزب وعدد المقاعد التي يحصل عليها؟ تنبع فكرة التناسب من ضرورة ضمان تمثيل الإرادة الشعبية على نحو منصف، يتيح في الوقت نفسه مشاركة القوى السياسية الصغرى ضمن قاعدة عادلة ومتوازنة. فهل تتجسد في عدد المقاعد المحصل عليها العدالة في توزيع الأصوات؟

إن بلوغ تطابق تام بين نسب الأصوات والمقاعد يظل هدفا صعب المنال، نظرا لتعقيدات التطبيق العملي لنموذج تمثيلي يجسد بدقة إرادة الناخبين. لذلك تنوعت أنظمة التمثيل النسبي وتعددت آلياتها في توزيع المقاعد، باختلاف مفاهيمها للتناسب، لكنها تلتقي جميعا في غاية واحدة: تقليص حالات التمثيل المفرط (surreprésentation) والسعي إلى تحقيق تمثيل عادل قدر الإمكان داخل الهيئات المنتخبة.

لقياس مدى التوافق بين نسب الأصوات والمقاعد، يعتمد مؤشر كالاغر (L’index de Gallagher)، الذي يستخدم لتقدير درجة التناسب بين نتائج التصويت والتمثيل البرلماني. وتتراوح قيمته بين 0 و100، بحيث تمثل النتيجة0 حالة التطابق التام بين نسبة الممثلين وحصة كل حزب من التصويت الشعبي، بينما تعني النتيجة100 أن جميع الممثلين في المجلس ينتمون إلى أحزاب لم تحصل على أي صوت.

ويحسب هذا المؤشر وفق المعادلة التالية:

حيث يرمزp(x) إلى النسبة المئوية للأصوات التي حصل عليها الحزب x، وq(x) إلى النسبة المئوية للمقاعد التي نالها.

وبتطبيق هذا المؤشر على التجربة الانتخابية المغربية، يبرز التساؤل التالي: إلى أي مدى تعكس نتائج التجربتين التشريعيتين لسنتي 2021 و2016، باختلاف القاسم الانتخابي المعتمد في كلتيهما، مستوى التناسب الذي يقيسه مؤشر كالاغر؟ أي هل ساهم النظام الانتخابي المغربي في تحقيق درجة أعلى من العدالة التمثيلية مقارنة بالأنظمة الانتخابية الأخرى؟

نتائج تطبيق مؤشر كالاغر في انتخابات 2016 و2021

عند تطبيق مؤشر كالاغر على نتائج انتخابات 2016 التي اعتمدت القاسم الانتخابي على أساس مجموع الأصوات المعبر عنها، يتضح أن التناسب بين مجموع الأصوات وعدد المقاعد كان منخفضا. فقد سجل المؤشر نسبة 5.8%. هذه النسبة المنخفضة تظهر أن النظام الانتخابي المغربي في انتخابات 2016 كان قادرا على تحقيق نسبة تناسبية جيدة بين الإرادة الشعبية وتوزيع المقاعد البرلمانية.

في المقابل، وفي انتخابات 8 شتنبر 2021، والتي اعتمد فيها القاسم الانتخابي على أساس مجموع المسجلين، سجل المؤشر نسبة تجاوزت 17.76%، وهي نسبة مرتفعة تشير إلى وجود تفاوت كبير بين النسب المئوية للأصوات وتوزيع المقاعد البرلمانية. وهذا يعني أن المقاعد البرلمانية لا تعكس بشكل كاف نوايا الهيئة الناخبة، مما يطرح تساؤلات حول الشرعية التمثيلية للنظام الانتخابي المعتمد في تلك الانتخابات. يشير هذا الفارق إلى تشوهات في التمثيل، حيث حصلت بعض الأحزاب على تمثيل أكبر مما يتناسب مع حجم أصواتها، في حين أن أحزابا أخرى قد حرمت من تمثيل كاف. وهذا يثير مخاوف بشأن التمثيل العادل للأحزاب السياسية والمواطنين داخل مؤسسات الدولة.

ولوضع هذه المؤشرات في سياق دولي مقارن، قدمت لجنة برلمانية كندية سنة 2016 توصية أساسية في هذا الشأن، تتمثل في ضرورة أن تسعى الحكومة الكندية إلى تصميم نظام انتخابي يحقق درجة كالاغر أقل من 5%. وهذا يعني أن الحكومة يجب أن تضمن تحقيق توازن عادل بين عدد المقاعد ونسبة الأصوات التي يحصل عليها كل حزب، مما يعكس الإرادة الشعبية بدقة أكبر. وقد اعتبرت هذه التوصية خطوة مهمة نحو تعزيز الديمقراطية في كندا، بما يسهم في إيجاد نظام انتخابي يعبر بشكل أكبر عن الخيارات الحقيقية للمواطنين دون أي تحريف أو تشويه للنتائج.

يظهر الجدول بعده تطبيقات المؤشر في بعض التجارب الانتخابية المقارنة.

يتعزز خلل التمثيلية الديمقراطية باعتماد القاسم الانتخابي على أساس مجموع المسجلين عند النظر في نتائج الدوائر الجهوية، ويكفي أن نستحضر مثال دائرة أكادير إداوتنان، حيث حصلت لائحة التجمع الوطني للأحرار على50.829 صوتا، في حين نالت لائحة التقدم والاشتراكية، التي جاءت في المرتبة الرابعة،7.103 أصوات فقط، ومع ذلك حصل كل منهما على مقعد واحد، رغم أن الفارق بينهما يتجاوز سبعة أضعاف.

وينسحب الأمر ذاته على دائرة تزنيت، حيث حصل حزب التجمع الوطني للأحرار على 37.605 أصوات، مقابل 7.661 صوتا لـ حزب الاستقلال، من دون أن ينعكس هذا الفارق الكبير في توزيع المقاعد.

إن مثل هذه الاختلالات لم تقتصر على هاتين الدائرتين فحسب، بل تكررت في العديد من الدوائر الانتخابية الأخرى، مما يطرح إشكالية عميقة حول مدى عدالة النظام الانتخابي المعتمد في ترجمة الإرادة الشعبية إلى تمثيلية سياسية منصفة.

خاتمة

تعد مسألة التمثيلية النسبية في انتخابات 8 شتنبر 2021 من أبرز القضايا التي تفرض إعادة تقييم مدى تحقيق النظام الانتخابي الحالي لمبدأ العدالة والإنصاف بين الأصوات والمقاعد. فقد أظهرت نتائج تلك الانتخابات اختلالات واضحة بين نسب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب وحجم تمثيلها البرلماني، ما يثير تساؤلات حول قدرة النظام على ترجمة الإرادة الشعبية بدقة.

ورغم أن تعديل القاسم الانتخابي ليحسب على أساس عدد المسجلين بدل الأصوات المعبر عنها شكل تحولا جوهريا في طريقة احتساب المقاعد، فإنه لم ينجح في تحقيق التناسب المنشود بين الدعم الشعبي والتمثيل السياسي. إذ أفرزت القواعد المعتمدة نتائج أضعفت مبدأ التعددية السياسية والتنافس العادل.

لذلك، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للنظام الانتخابي، من خلال نقاش وطني يهدف إلى تطوير آليات أكثر إنصافا، سواء عبر تعديل طريقة توزيع المقاعد لتحقيق تطابق أوثق بين الأصوات والمقاعد، أو عبر إعادة النظر في القاسم الانتخابي بما يضمن تمثيلا أدق. ويمكن في هذا الإطار الاستفادة من التجارب الدولية التي نجحت في تقليص الفجوة بين الدعم الانتخابي والتمثيل النيابي.

إن تحقيق تمثيلية عادلة في الانتخابات المقبلة ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة ديمقراطية لضمان مشهد سياسي متوازن ومؤسسات تمثيلية ذات شرعية أقوى. فإصلاح النظام الانتخابي يشكل خطوة أساسية نحو تعزيز الثقة في العملية السياسية وتحقيق توازن فعلي بين التعددية والاستقرار.

-دكتور في القانون العام (كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية)

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الحسين الجاري
    الأحد 12 أبريل 2026 - 16:07

    تحليل واقعي يشرح في التفاصيل استاذي مع اعتماد مؤشرات علمية ورؤية شاملة ومقارناتية بين جل أحزاب الثميلية الديمقراطة

صوت وصورة
حنان والإصرار على النجاح
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 12:47 3

حنان والإصرار على النجاح

صوت وصورة
التوعية بدور المساعدة الطبية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 10:54

التوعية بدور المساعدة الطبية

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 7

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 10

مبادرة ساكنة لفك العزلة