"أحجية إدمون عمران المالح" تروي حكاية يهود مغاربة في إسرائيل

"أحجية إدمون عمران المالح" تروي حكاية يهود مغاربة في إسرائيل
أ.ف.ب
الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 04:00

كتب الناقد التونسي كمال الرياحي عن الرواية المغربية (أحجية إدمون عمران المالح) قائلا إن: “الرواية تقدم نفسها كرواية من اليسار الإسرائيلي المؤمن بحق الفلسطينيين في العيش، وبأن ما يروج عن العرب فيه الكثير من المغالطات، لكنه أيضًا خطاب يتبنى مقولة أن فلسطين من حق اليهود. فلم تكن الإدانة إلا للموساد وطرقه في الهيمنة ورعاية الصهيونية منذ بداية الأربعينيات، والموساد أيضًا كان محل انتقاد من اليهود الاسرائيليين أنفسهم. ويبدو أن هذه الرواية واحدة من الروايات العربية الجديدة التي صارت تتحدث عن ضرورة التعايش الفلسطيني الإسرائيلي واليهودي العربي في ظل دولة واحدة، والتخلص من أنظمة الجوسسة الكلاسيكية والعنيفة لإقامة ومواصلة العمل اللاعنفي من الجهتين العربية والإسرائيلية”.

نعلم من تدفق تيار الوعي الحر في الصفحات الأولى أن الراوي، في رواية محمد سعيد احجيوج (أحجية إدمون عَمران المالح)، يدعى عَمران المالح. يكتب رواية بطلها يسمى إدمون المالح وينشر في الصحف باسم مستعار هو عيسى العبدي. ثم في الختام، عندما تقترب نهاية السرد في الرواية نتفاجأ بأن إحدى الشخصيات الثانوية تخاطب الراوي، البطل، باسم عيسى العبدي ويستجيب لها دون إنكار الاسم.

نلاحظ منذ البداية تشابه اللقب العائلي بين عمران وإدمون، ونتذكر ملاحظة فرانز غولدشتاين إلى عمران حول ما إذا كان يكتب سيرته الذاتية، أي إذا ما كان إدمون صورة عن عمران أو قناعا له. يمكننا أن نستنتج من هنا أن البطل/الراوي، يدعى عَمران المالح، ينشر مقالات في الصحف باسم عيسى العبدي ويكتب سيرته الذاتية في رواية ويسمي نفسه إدمون. سيتعزز هذا الافتراض بسهولة حين نتذكر شخصية مغربية، من أصول يهودية، أديب اسمه إدمون عمران المالح، وهو كاتب بدأ ينشر مقالاته الصحفية في المغرب موقعة باسم عيسى العبدي قبل أن يختار نفي نفسه إلى فرنسا مبتعدا عن الوضع السياسي المتأزم في عهد الحسن الثاني.

الرواية بشكل أو بآخر احتفاء بالأديب المغربي إدمون عمران المالح، وإن ليس بشكل مباشر. فليس في الرواية ذكر مباشر له، إنما شذرات من سيرته طعمها الكاتب محمد سعيد احجيوج بكثير من الخيال. أعتقد أن غاية الكاتب هي استخدام اسم الأديب الكبير قناعا -على غرار أسلوب القناع في قصيدة النثر- ليمرر عبره مواقفه ورسالته وانتقاداته اللاذعة التي شملت كل شيء: استخدام حكام إسرائيل لشماعة الدين، واستخدام الحكام العرب لشماعة إسرائيل، والصراع العبثي بين الفرق الفلسطينية… وأيضا الفساد الذي يسيطر على عالم النشر والجوائز الأدبية.

ظفّر الكاتب في الرواية، بجانب حكايات فرعية متنوعة، مسارين أساسيين إثنين. يتمحور الرئيسي منهما حول الصراع بين عمران المالح -الصحفي المشرف على صفحة الكتب في جريدة لوموند وعضو لجنة تحكيم جائزة أدبية- في مواجهة فرانز غولدشتاين، المحرر الرئيس في دار نشر فرنسية يحاول إغراء عمران بعرض لا يمكن رفضه لانتقاء رواية محددة للفوز. أما المسار الثاني للرواية، الموازي والمتداخل مع المسار الأول، فيأتي ليلقي الضوء على تاريخ هجرة يهود المغرب إلى إسرائيل والمنعطفات التي مرت بها حياة عمران منذ حط قدميه على أرض إسرائيل صبيا حتى استيقاظه، من جديد في المغرب، عجوزا نزيلا في مستشفى مجانين لا يتذكر من يكون ولا شيء من ماضيه إلا شذرات متفرقة تلقيها عليه ذاكرته كيفما شاءت مصادفات التذكر.

يحضر اليهود كموضوع أساسي في الرواية. الراوي مغربي من أصول يهودية، والعدو الناشر فرانز غولدشتاين يهودي من أصول ألمانية، والشخصيات الثانوية كالخالة ميمونة مغربية يهودية. وجد الراوي نفسه محطمًا عاجزًا وبلا ذاكرة في غرفة بالمستشفى يكتشف تدريجيًا -من خلال التداعي الحر للأفكار- أنه مغربي يهودي هاجر وهو طفل إلى إسرائيل ضمن هجرات اليهود نحو الحلم الموعود بأرض الميعاد فما وجد غير الاضطهاد والاستغلال والتجنيد الإجباري، فيغادر إلى فرنسا حيث أكمل دراسته وصار صحفيًا محررا لقسم الكتب في جريدة لوموند، ثم يأتي ابتزاز من الناشر فرانز غولدشتاين الذي يعكر صفاء حياته حين يطالبه بأن يمرر رواية بعينها من إصداراته إلى قوائم جائزة أدبية جديدة، وحين يرفض يتحول الإغراء إلى تهديد ثم ابتزاز ثم صراع ينقل الراوي إلى عوالم مختلفة خفية منسية في تجاويف ذاكرته.

حين نتقدم في الأحداث، عميقا في تيار الوعي المتدفق بحرية في عقل الراوي، نجد أنفسنا في دائرة لا يمكن الإفلات منها وأسئلة من قبيل: من يكتب من؟ هل عمران يكتب حكاية إدمون أم إدمون هو من يكتب قصة عمران، أم كليهما ذكريات لنفس الشخص، اسمه عيسى العبدي، مقيم في مستشفى مجانين، أم الشخصيات الثلاث مجرد خيال اشتبك مع الواقع في مخيلة كاتب ما عاد قادرا على التمييز بين الواقع وشخصياته الروائية؟ ماذا لو كانت الشخصيات جميعها تمثل مسارات مختلفة للشخص عينه في عوالم متوازية مختلفة؟ سؤال مبرر للغاية بحكم تداخل الأحداث في ذاكرة الراوي وهي أحداث مسارات مستقلة عن بعضها، بل متعارضة أحيانا، لا يمكن أن تكون للشخص نفسه، إلا أن يكون الراوي مجنونا أو كاذبا. راويا لا يمكن الاعتماد على صدقية روايته. يعزز هذا الافتراض التأثر الواضح للكاتب بأسلوب الكاتب الأمريكي بول أوستر، أحد أبرز كتاب ما بعد الحداثة في العالم، وضلال رواية أوستر (رجل في الظلام) واضحة في رواية محمد سعيد احجيوج.

يفرض الوهم نفسه ويبقى التيه هو اسم اللعبة. شخصيات الرواية تنتقل من تيه إلى آخر دون أن تحقق غاية الوصول. يتركنا الكاتب محمد سعيد احجيوج أمام نهاية مفتوحة متشعبة التأويلات، يلتقي فيها مساري الرواية الإثنين وتضعنا أمام نقطة يندمج فيها الواقع مع الخيال ولا نعد نعرف أين نحن. أين ينتهي الخيال وأين يبدأ الواقع. من السهل أن نتوه في هذه الرواية، غير أن الكاتب جهزنا منذ البداية لهذا التيه، إذ أورد لنا على عتبة الرواية قولا للناقد المغربي عبد الفتاح كليطو: “ينبغي التيه ليتحقق الوصول”.

لغة الكاتب جزلة وعذبة وهو متمكن من سرده، وقد برع في انتقاء حبكة مشوقة تحرك الأحداث إلى الأمام وقد تمكن من السيطرة على شبكة حكاياته الفرعية المتداخلة والزمن الدائري للرواية ببراعة تمسك بتلابيب القارئ ولا تسمح له بالإفلات.

تأتي رواية أحجية إدمون عَمران المالح بعد عام من صدور رواية الكاتب محمد سعيد احجيوج الأولى، كافكا في طنجة، التي صدرت في القاهرة، ديسمبر 2019. كما أصدر من قبل مجموعتين قصصيتين، “أشياء تحدث (2004)” و”انتحار مرجأ (2006)”، وسبق له الفوز بثلاث جوائز شعرية، وفاز مخطوط روايته “ليل طنجة” بجائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة (نوفمبر 2019). كما أصدر مجلة “طنجة الأدبية” (2004-2005) وعددا من المشاريع الأدبية والثقافية قبل ذلك.

أختم كما بدأت، باقتباس من الناقد التونسي كمال الرياحي في مقاله (رواية أحجية إدمون عمران المالح.. ما بعد الحداثة والمسألة الفلسطينية): “هل ما جر الكاتب إلى هذا الموقع الغامض من المسألة الفلسطينية هو موقفه الخاص من القضية؟ أم هي رواية ما بعد الحداثة التي لا تقبل أن تكتب إلا باحتياطي كبير من الشك في كل شيء، وتستبعد كل يقينية وتعيد قراءة ومساءلة ما تواضع عليه الجميع على أنه قيم وأفكار أبدية وحقائق؟ عند هذه النقطة بالذات يطل من جديد جورج باتاي (الأدب ليس بريئًا، فهو مذنب، عليه في النهاية أن يقر بذلك). ولكن كيف يمكن أن يعترف الأدب بذنبه وأي مفهوم للذنب الأدبي وهل تجوز محاكمة الأدب وهل الأدب يبقى أدبًا إذا تخلص من كل شره؟”.

إدمون عمران المالح إسرائيل اليهود المغاربة رواية فلسطين محمد سعيد احجيوج نقد

‫تعليقات الزوار

4
  • Hassan
    الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 12:10

    لم ولن تكون مشكلة لنا مع اليهود المغاربة الذين لم يهاجروا الى اسرائيل بل مشكلتنا مع اليهود الصهاينة الذين اجرموا هم واباؤهم في حق الشعب الفلسطيني. اي الصهاينة . اكبر الجزارين هم اليهود الذين ذهبوا إلى اسرائيل من المغرب. عمير بيريتس أطلق قنابل الفسفور الابيض علا أطفال غزة. ويتفاخر الان بإعادة العلاقات بين المغرب و دولته الصهيونية. وحاول أن يضحك علينا بان أصله من ابي جعد المغربية. بتلك الدارجة المغربية. لا نخلط الامور رجاءا لا لغة الخشب.

  • عبد الكريم الوزاني
    الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 13:41

    رحم الله الفقيد الحاج إدمون كما كان يفتخر بهذا اللقب الذي كان بجمعه مع إخوانه المسلمون

  • Brahim Ghanaia
    الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 16:58

    انقلبت هذه الاية بفعل هذا الخطأ السياسي القاتل . لان شراء الاعتراف مقابل التطبيع يعني شيئا واحدا هو ان انك غير مقتنع بمغربية الصحراء اقتناعا تاما وتلجأ الى بيع المواقف من اجل شراء الاعتراف خصوصا ان المشتري ليس الا اسرائيل التي يعلم العالم انها تحتل ارضا فلسطينية بالقوة وانها اسوأ عنصرية عرفها التاريخ الحديث .في حين ان الشعب المغربي مقتنع تماما بمغربية الصحراء ومستعد لفدائها بنفسه ان اقتضى الامر .لم تكن هناك أسباب مقنعة لأنه إذا كان هذا هو سبب التطبيع فالإهانة أكبر، لأن هدف التطبيع صار الإحتماء باسرائيل ، وهذا دلالاته مذلة…

  • عيب
    الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 19:15

    المغربي (اليهودي) الذي ارتضى أن يذهب إلى فلسطين المحتلة ويصبح جندياً في جيش الاحتلال ويقتل الشعب الفلسطيني وأصبحت الجنسية المغربية بالنسبة له مجرد ورقة يستخدمها وقت الحاجة، هذا الشخص يفترض أن جنسيته (المغربية) سقطت إلى الأبد عند أول خطوة له على أرض فلسطين، لا أن تُفتح مكاتب اتصال من أجله.

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري