أحمد الريسوني .. الثائر المنسي

أحمد الريسوني .. الثائر المنسي
الخميس 6 أبريل 2017 - 02:14

كثيرة هي الشخصيات التي ساهمت بقوة في صياغة صفحات من تاريخ المغرب توزعت على ميادين مختلفة. ويصعب على أي متتبع حصرها نظرا لكثرتها، لكن ضرورة القرب الجغرافي للباحث وسياق البحث العلمي والإعلامي الذي ينطلق منه الباحث، يجعله يقف عند إحداها. ومن أبرز ها أحمد الريسوني 1871- 1925 الثائر المتمرد. الذي أرق مضاجع الاحتلال الاسباني في السلم والمكر والقوة والحرب قبل وبعد عقد الحماية في شمال المغرب .

ينتهي نسبه إلى ابن ريسون بطل معركة وادي المخازن. ولد ونشأ أحمد الريسوني بقرية الزينات من الفحص بطنجة، وتربى في حضن والدته بعد وفاة والده وهو طفل ، حفظ القران الكريم ثم هجر الى قبيلة بني عروس، حيث حفظ القران بالقراءات العشر، وتعلم قواعد اللغة العربية، وأصول الفقه والعقيدة …

تزامنت مرحلة شبابه والظروف الذي عاشها المغرب بعد حرب تطوان التي انهزم فيها المغرب، وما نتج عن ضعف السلطة المركزية مما جعل المغرب يتشتت بين ضغط الأوربيين، وأعمال التمرد الذي ظهرت في عدة مناطق وخصوصا بشمال المغرب ، انضاف اليها شيوع السيبة والقتل والسلب والنهب، فكان الريسوني ضحية الفوضى والاضطرابات بعد أن نهب بيته وقتل أمه خلال الاعتداء، كما يقول جرمان عياش في كتابه أصول حرب الريف.

ويختلف الباحثون حول شخصية الثائر أحمد الريسوني. فمنهم من يرى أن الظروف التي عاشها قادته إلى مقاومة أعمال السيبة والبطش بالمجرمين وقطاع الطرق، عبر عقد تحالفات مع زعماء القبائل. وفي هذا الصدد يذكر جرمان عياش أن قبائل عديدة أقبلت عليه بعد أن وضع حدا لأعمال السيبة . غير أن باحثين يحملونه مسؤولية الفوضى وأعمال السيبة التي عرفتها منطقة الشمال الغربي للمغرب.

بعد قضائه أربع سنوات في ظروف صعبة وقاسية بسجن الصويرة ، تغيرت شخصية الريسوني وصارت أكثر صلابة فاختار سبيل المكر أحيانا، والحيلة والقسوة العنف أحيانا أخرى ، ليتوصل إلى تحقيق أهدافه . وانتقل الريسوني من الإيقاع بالمغاربة إلى الأجانب القاطنين بطنجة . ولتحقيق ذلك جمع حوله عددا كبيرا من المقاتلين من منطقة جبالة. فأصبح يشكل خطرا على المستعمر الإسباني ومن ثم تحول إلى حاكم شبه مطلق في مناطق جبالة. ومن أشهر عمليات الاختطاف التي قام بها أحمد الريسوني أوائل القرن العشرين زوجة الملياردير الأمريكي اليوناني “أيون بيرديكاريس”، فأصبح اسمه متداولا في كل مكان، دفع الولايات المتحدة إلى إطلاق تهديد بالتدخل كما جاء في كتاب المنهال في كفاح أبطال الشمال للعربي اللوه .

سطوة الريسوني جعل القوى الأجنبية وخاصة إسبانيا تتفاوض معه عوض الحكومة المركزية؛ لما له من تأثير قوي على المنطقة . وتشير مصادر تاريخية مختلفة أن الريسوني كان يجيد سياسة التفاوض والمكر مع الأوربيين؛ تتأرجح بين السلم والحرب فكان يأخذ المال والسلاح من الإسبان، ثم ينقلب عليهم ويواجههم به، فسلك أسلوب المراوغة والحيلة مع المستعمر الإسباني إلى حين عقد الصلحا معهم.

وينطبق ذلك؛ وما حدث له مع الجنرال الإسباني “غوميز خردانا”. الذي اتصل به ليمهد له السبيل لاحتلال القبائل الجبلية. فأمده بالأموال والعتاد الحربي لإخضاع القبائل، لكن الريسوني خدعه وسارع لمحاربته. فلما علم بذلك انتحر خوفا من العار.

ومن المحطات الرئيسة التي تستقطب الباحثين؛ في حياة شخصية أحمد الريسوني. مساندته للسلطان عبد الحفيظ بعد خلعه لأخيه السلطان عبد العزيز من العرش. وكانت فرصة سانحة للريسوني ، جعلته محل اعتبار وتقدير، حيث قدم السلطان الجديد الدعم والتأييد، فعينه قائدا على القبائل الجبلية الستة عشر التي تكون الشمال الغربي.

ومن أوجه السياسة التي سلكها الريسوني، استمالته للشخصيات المعروفة في القبائل الجبلية للاستعانة بهم للسيطرة على القبائل الغير الخاضعة، ومن أبرز هؤلاء ، الحاج العياشي الزلال، ومولاي أحمد شريف تازيا، ومولاي محمد ولد احميدو، والعربي الدامون السريفي، والأمين بن الأحرش الحساني، وأحمد الخمال، ومحمد ابن حازم ، والعربي الخيضر، وولد الفار الخمسي .. فاستطاع أن يحدث توازنا بين القبائل والقضاء على التفكك والتفرقة؛ التي كانت سائدة في تلك الفترة. ففرض نفسه على القبائل الجبلية، من طنجة والعرائش والقصر الكبير إلى شفشاون، حتى أصبح قائدها وحاكمها المطلق بدون منازع.

تختلط الصور وتتشابه لدى عموم المتتبعين في رسم شخصية الريسوني التي تتأرجح بين الأسطورة والحقيقة. إذ تكتب المصادر التاريخية عن صرامة وجرأة، وبطشه بخصومه، جعلت منه شخصا أسطوريا غير مرغوب فيه لدى بعض القائل ومنها أنجرة . لكن مصادر أخرى تشهد له، بأنه تصدى بقوة لتردي الأمن في نواحي طنجة وتطوان والمدن الجبلية الأخرى. مما جعلته محط أنظار وقبول لدى قبائل أخرى. وتذهب مصادر تاريخية أخرى، إلى وصف الريسوني بالخيانة أثناء مفاوضاته مع المحتل الإسباني.

لكن الوقائع والشهادات التاريخية تكشف أن هذا الوصف لا يستقيم مع ما قام به من أحداث اتجاه الأجانب سواء المستعمر الإسباني في معارك عديدة ، أو اختطاف الشخصيات العالمية المقيمة بمدينة طنجة . إذ كان لعملية اختطاف الصحافي البريطاني “هاريس ” وقع كبير على مستوى إعلامي كبير في العالم ، وخصوصا الفن السابع . حيث دفع السينما البريطانية إلى إنتاج فيلم «الريح والأسد»، من بطولة الممثل الشهير ” سين كونري” ، صاحب أفلام جيمس بوند، إضافة إلى أسماء أخرى، ” ككانديس بيردغي، بريان كيث، وجون هوستون ” .

و«الريح والأسد»، من أكثر الأفلام الأجنبية تشويقا عن شخصية الريسوني، وبالضبط عن اختطاف والتر هاريس وزوجة الملياردير الأمريكي بيرديكاريس. ولا يخلو الفيلم من النظرة النمطية و العنصرية عن المغاربة والمسلمين ، بعد إن تضمن مغالطات تاريخية، ومنها أن الريسوني قام بأعمال النهب وقطع الطرق وهو متعصب لدينه. إلا أن الفيلم يظل الأكثر إنصافا للرجل بالمقارنة مع العديد من الكتاب الغربيين والأوربيين الذين اهتموا بحياته، وتحديدا معاملته الطيبة مع أسراه كما يحكي الفيلم.

وفي سياق إنصاف أحمد الريسوني الثائر المتمرد؛ يرد باحثون إسبان على الاتهامات المتعلقة بالخيانة والتعاون مع الاحتلال الإسباني التي التصقت بشخصية أحمد الريسوني. ويرد عليهم المؤرخ الإسباني”ريكاردو بارسيلو سيسيليا ” أن الريسوني كان وطنيا، ويستند على الوثائق الإسبانية التي تنصفه وترد له الاعتبار. في حين يجيب المؤرخ الإسباني “غابرييل ماروا” على وصف الصحافة الأوربية بأنه قاطع الطرق في كتابه «قضية المغرب من وجهة نظر إسبانية»، ويقول أن الريسوني من نفس فصيلة الرجال الذين غزوا أمريكا أو قادوا حملات الاستقلال ضد المستعمرين.

بينما يكتب المؤرخ ” مانويل أورتيغا” فيقول أن الريسوني تحدى قوة إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية رغم الأسلحة والمدافع التي تملكها، ورغم إغراؤه بالذهب ، فيقر أن الريسوني لم يكن دنيئا . ويضيف” توماس غارسيا فيغيراس” في كتاب «المغرب»، أن الريسوني يتمتع بذكاء عال ويقظة كبيرة، وله ممارسة سياسية على قدر كبير من النضج ودراية كبيرة بالأوضاع السياسية الدولية والعالم الإسلامي، وكان يطمح إلى رؤية المغرب حرا ومن دون أية وصاية أجنبية. وفي هذا السياق يشير الكاتب والباحث في مجال التاريخ ” فرانسيسكو هيرنانديث مير” أن فرنسا وإسبانيا تدركان قوت الريسوني وتأثيره في القبائل، لذلك حاولتا ترويج تهم الخيانة ضده والقول إنه ساعد إسبانيا على احتلال العرائش والقصر الكبير.

يصعب على أي باحث أن يقيم شخصية أحمد الريسوني من خلال هذه العجالة، أومن خلال مصدر تاريخي ، فقد كان الرجل كثير التحول في اتخاذ القرارات التي أملتها ظروف سياسية حرجة. فكان يتخذ مواقف شديدة الحساسية مع محيطه المحلي والخارجي، تبعا لمصالح كانت تمليها الظروف السياسية والاجتماعية ، وحجم قوة الخصوم الذي كان يواجههم.

فهو يظل شخصية مثيرة للجدل ؛ لعبت دورا مهما صياغة الأحداث في شمال المغرب، في فترة ما قبل الحماية وبعدها. وهذا ما جعل وقعها يمتد حتى وفاته خارج منطقة نفوذه الطبيعي. إذ تؤكد مصادر تاريخية أن أحمد الريسوني لقي معاملة حسنة أثناء نقله من مدينة واد لو متجها إلى منفاه في قبيلة ورياغل بالريف بحر. وأثناء إقامته بمدشر إعزوزن بقرية تماسنت وإلى وفاته في سنة 1925. ظل محط اعتبار لدى الساكنة وخاصة النساء من مناطق مختلفة من الريف بل ومقصدا من أجل التبرك به إلى اليوم . حتى ترسخ الاعتقاد لدى شريحة واسعة من الساكنة بالريف بأن الرجل يمتلك كرامات تعالج عدة أمراض مستعصية.

دخل أحمد الريسوني الثائر المتمرد عالم النسيان من بابه الواسع. رغم أن الذاكرة التاريخية المغربية والعالمية بوجه عام ؛ تحتفظ له بعدد من الأحداث الايجابية والسلبية التي اهتز لها العالم. فكان من باب الفضل أن يتذكره المغاربة إنصاف له، كما فعلها من قبل باحثون إسبان .

*إعلامي باحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • عبد الرحيم فتح الخير
    الخميس 6 أبريل 2017 - 04:08

    لم يكن احمد الريسوني الا قاطع طريق لايرحم أباد الكثير من القبائل في الريف والشمال وحكم بقوة القهر والغصب لايهمه أن يكون الرهينة مغربيا أو أجنبيا بقدر ما كانت تهمه الأموال التي كان يجنيها من هذا الاختطاف .
    صحيح أنه حفظ القرآن صغيرا ولكنه لم يكن ودودا بقدر ما كان مهابا لا يخاف القتل ولا القتال في شخصيته تتجلى كل معاني مغرب السيبة حيث من يملك أن يقتل يملك أن يحكم كان يفرض اليتاوات على الأغنياء وكان يغدق على صعاليكه كان يطعن وجها لوجه وكان يطعن من الخلف كان يعقد الاتفاقات وكان يلتف عليها بسرعة البرق كان مزواجا وكانت تهدى له القاصرات .
    تمكن منه عامل طنجة وأرسل أسيرا لمدينة الصويرة توفي عام 1925 وهو فوق الخمسبن بقليل

  • نهاية الريسوني
    الخميس 6 أبريل 2017 - 06:13

    … هناك من الباحثين من اشار الى ان وفاة الريسوني لم تكن طبيعية بل تم اغتياله و التخلص منه من قبل محمد بن عبد الكريم الخطابي.

  • ben
    الخميس 6 أبريل 2017 - 12:11

    حينما نتكلم عن الرجال نظرة في وجوههم وتفهم المعنى .انظر وجه الخطابي واخطف نظرة من وجه الريسوني .واستفت قلبك .اجبالة يريدون ان يصنعوا رجلا فلم يجدوا الا الريسوني.كل هذا لانهم لم يرضوا بان يكون عبد الكريم الريفي زعيما عليهم.اخواني المغرب كله رجالا لكن التوثيق جد ضعيف ففي جبالة رجال بمعنى الكلمة .المعارك التي شهدتها جبالة والضحايا من الجانب الاسباني كانت بالالاف .العدة وعتاد المجاهدين كانت تقريبا متساوية بين الريف واجبالة .والخطابي لم يكن ظالما جبارا فالعالم كله شهد له بالعدل والتواضع.وهو كان يقاوم المستعمر .لم يكن لديه الوقت كي ينشغل بالقومية او بالتفاهات .كان يشتغل16ساعة في اليوم.لكن حينما نرى من يزعمون انهم مثقفون يمثلون جبالة او الريف او منطقة اخرى فهذا لا يفهم معنى الرجولة فالرجال يمثلون الاخلاق الانسانية العالم ككل .فجبالة كلها رجال الا الريسوني.

  • Sarsar
    الخميس 6 أبريل 2017 - 12:40

    يا سادة؛ يجب الحذر مما يقال هنا وهناك، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية ومشروع إستعماري.
    من وجهة نظري يجب أن تطرحوا السؤال التالي: لماذا القوى الإستعمارية كانت تتهم أحمد الريسوني بقاطع الطريق والخائن؟ وهل المستعمر يصف المتعاونين معه بالخونة إذا إفترضنا أن الريسوني كان يتآمر ضد بلده؟ الجواب بلا طبعا، فلو وجدت فرنسا طريقا لإغرائه بالمال لإستمالته لوصفته بالصديق المخلص كما كانت تفعل مع الباشا الكلاوي وباقي القُياد.

  • amouerux de l'histoire
    الخميس 6 أبريل 2017 - 13:40

    vous n'avez pas parlé de la rivalité entre le raissouli et abdelkrim al khattabi et les guerres qu'il y avait entre eux. De plus vous êtes passé très vite sur la date de la mort du raissouli en 1925 pendant la guerre du rif. est ce un oubli ou c'est intentionnel?

  • ciné
    السبت 8 أبريل 2017 - 00:02

    Il y a un film américain je crois si ma mémoire est bonne qui trace l'Histoire de ce Mr. "Ahmed khadir rayssouni " . voir archives .

  • شمالي عرايشي العوامرة
    السبت 8 أبريل 2017 - 09:15

    بسم الله الرحمان الرحيم
    إخواني أخواتي المغاربة
    نحن المتضررين و دوي الحقوق من الأراضي التي سلبت منا بالأوراق أي بالتحفيظ.كيف يعقل بأننا أصحاب أرض ورثناها عن أجدادنا كارض سلالية و ووزعت عن طريق ظهير شريف سنة 1980 كل فلاح استفاد من 5 هكتارات فلاحية و 1000 متر سكنية و تحفظ باسم درة الريسوني إحدى حفيدات الريسوني…مجموع الأراضي الفلاحية المسلوبة قانونيا 375 هكتار مسقية…اللهم هدا منكر

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 4

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 9

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي