أنا وسكرتيرة "بان كيمون" هذا اليوم

أنا وسكرتيرة "بان كيمون" هذا اليوم
الثلاثاء 15 مارس 2016 - 15:30

كنت هذا اليوم بمقر محكمة العدل الدولية بلاهاي، منذ مدة وأنا أزور المحكمة من أجل بحث أقوم به حول القضايا الأممية التي عالجتها المحكمة الدولية، أثار انتباهي هذا الصباح أن اجراءات غير مسبوقة تعرفها أبواب المحكمة حيث لأول مرة طُلب مني بطاقة الهوية والجهة التي انتدبتني لكي أقوم بالبحث، وبعد أسئلة واستفسارات عن طبيعة الزيارة سُمح لي أخيرا بالدخول، علمت من موظف أعرفه يشتغل بالمحكمة أن هذه الاجراءات بسبب تواجد الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كيمون.

وجدت نفسي لا أستطيع التخلص من فكرة كانت تراودني بالحاح غريب، قد تبدو للوهلة الأولى أنها فكرة غريبة لكنها على أي حال ليست مستحيلة، لقد فكرت في مقابلة السيد بان كيمون!

عوض أن أتجه صوب الدرج الذي يؤدي للأرشيف. صعدت بسرعة لجناح الضيوف، طرقت باب السكرتارية. ثم دخلت، وجدتني أقف أمام فتاة في أواخر عقدها الثاني، لباسها بسيط لكنه أنيق جدا، ينمّ عن ذوق جميل، كانت تضع القليل من المكياج على وجهها، عيناها العسليتان والواسعتان ينبعث منهما بريق يجعلك تتصور أنها امرأة فائقة الذكاء والفطنة، لون بشرتها يميل إلى السمرة، ابتسامتها العريضة فضحت عن بياض أسنان متراصة كالجواهر، شعرها الأسود والقصير نسبيا، صنعت منه ضفيرة وجعلتها تتدلى على صدرها جهة القلب، فستانها الأبيض ذكرني بفساتين فاتن حمامة أيام سينما الأبيض والأسود، فقالت لي بلغة أنجليزية راقية:

– ماذا تريد سيدي؟

فقلت مرتبكا:

– انتِ سكرتيرة السيد بان كيمون؟

– نعم ، هل تريد شيئا؟

كدت أن أقول لها “أليس من الأفضل أن تكوني أنت رئيسة المنظمة الأممية بدل رجل شاخ وينتظر التقاعد؟”

لكني قلت بلغة انجليزية ركيكة:

– أريد مقابلة السيد بان كيمون

ابتسمتْ، وكأنها شعرت بمدى السعادة التي تصيبني عندما أرى ابتسامتها، فقالت:

– السيد بان كيمون عادة ما ينام وقت الظهيرة، ولا أستطيع أن أفسد عليه قيلولته!

كدت مرة أخرى أن أقول لها :”ألم أقل لك، الأجدر بك أن تكوني أنت الأمينة العامة؟”

لكني قلت مبتسما:

– في الوقت الذي يخرج فيه الملايين من المغاربة بسببه، يهتفون ويصرخون، لا يجد الرجل حرجا أن ينام!

رأيتها تنظر إلى بطاقتي الشخصية وتقول:

– استاذ محمد، انتم المغاربة طيبون جدا، تفرحون بسرعة وتغضبون أيضا بسرعة! الصحراء الغربية ليست المشكلة!

الصحراء “الغربية” !، لم أحب كثيرا هذا الوصف، هي أيضا شعرت بعدم ارتياحي، وانزعاجي، ابتسمت مرة أخرى وقالت:

– آسفة لقد أخطأت التعبير قصدت أن أقول الصحراء المغربية،

كدت أن أقول لها :”تمنيت لو انك تخطئين كل مرة حتى تظلين مبتسمة هكذا، طول العمر”

ثم تابعت قائلة:

– كلنا يعلم أن المغرب صاحب حق ولا أحدا من أحرار هذا العالم يرغب أن يتجزأ هذا البلد.

وجدتها تنظر إلي ثم سألتني:

– من هم أعداء وطنك؟

لم تترك لي الفرصة للجواب فتابعت قائلة:

– أعداء المغرب حقا هو الأمية، هل لك السيد محمد أن تحدثني عن حال التعليم في وطنك؟

كدت أن أخبرها عن المستوى المتأخر جدا للتعليم وكيف أن الأمية في المغرب تحتل حسب التصنيف العالمي مرتبة متقدمة جدا، وعن معانات تلاميذ المناطق النائية، وعن ظروف المعلمين السيئة، وعن تخبط في المناهج التربوية، وعن وعن وعن….

ثم قالت:

– وهل لك أن تحدثني عن الصحة في وطنك؟

مرة أخرى، كدت أن أخبرها عن مستشفى مدينتي، وكيف أن رجلا مات لأنه ظل ينزف بعد حادثة سير ولم تأت سيارة اسعاف تحمله للمستشفى، كدت أن أخبرها عن المرأة التي فقدت أربعة توائم بعد ولادة قيصرية لأن مستشفى مدينتي فقير ومعدوم لا يتوفر على حضّانات كهربائية للأطفال، كدت أن أحكي لها عن عمي رحال وكيف انه طوال النهار يحمل ابنه الكسيح يتوسل به لقمة عيش، كدت وكدت وكدت

ثم سمعتها تقول :

– هؤلاء الأعداء هم الأخطر دائما، على الوطن

فقلت مستفهما:

– أي وطن ؟

ابتسمت مرة أخرى وقالت :

– وطنك السيد محمد، المغرب، من طنجة إلى الكويرة.

كدت أن أقول لها :”ابتسامتك مدهشة” ، لكن لغتي الانجليزية لم تساعفني، فشعرت هي بورطتي ثم قالت بلغة عربية فاتنة وسليمة وهي تضحك وتغني للسيد مكاوي:

-“الأرض بتتكلم عربي”

كدت أن أخرج من مكتبها، لكني توقفت فقلت لها:

– لو شاهدك أو سمعك السيد مكاوي أكيد سيقول “الجنة بتتكلم عربي”!

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • المهدي
    الثلاثاء 15 مارس 2016 - 17:04

    ان كان الحوار جرى على هذا الشكل حقيقة فدعني أقول لك ان كل ما أراه صوابا هو وصفك لها وانت تنظر الى عينيها العسليتين الواسعتين بالشديدة الذكاء ، وهذا ما يتضح من حواركما القصير حيث أرتك أسنانها التي ذهبت بلبك تمهيدا لقلب الموضوع عندما انسلت من الحديث عن قضية صحراءالمغرب لتضعك في صورة الفقر والجهل والامية كعلامات تدمغ المغرب كما هو مرسوم في مخيلتها ، فرصة ضائعة والأفضل انك لم تقابل الامين العام .

  • rajae
    الثلاثاء 15 مارس 2016 - 18:27

    هرمنا حتى نرى قصة جديدة للقاص محمد الجباري الذي جعلنا ننتظر لمدة طويلة …قصة رائعة تحيلنا لسهولة الاسلوب ورونقته …شكرا للاذيب الرائع ولجريدة هسبريس

  • Samir
    الثلاثاء 15 مارس 2016 - 20:52

    Vous avez rate malheureusement l opportunité pour passer un message a ki moun

  • youssef
    الثلاثاء 15 مارس 2016 - 21:03

    دهبت الى المحكمة الدولية ثم طلبت زيارة بان كي مون، وإذا بك تتغزل بكاتبته،بأسنانها البيضاء و عينيها العسليتين.ارى أنك لم تضيع وقتك.الله يمسخك.

  • بنيس
    الثلاثاء 15 مارس 2016 - 21:05

    الجميل ان هسبريس تقترح علينا أدباء المهجر في شخص الأديب محمد الجباري القاطن في هولندا ، عرفته خلال تضاهرة ثقافية أقيمت في ألمانيا ، وكان الأديب الجباري خير سفير للمغرب حيث تتميز أعماله الكتابية بعمق الطرح وسلاسة الأسلوب واللغة الإبداعية … قصة هدا المساء تختزل السياسة في الأدب والرومانسية روعة!

  • said
    الثلاثاء 15 مارس 2016 - 23:47

    لقد أصبت أخي الكاتب،رغم أن الناس لم تفهم ماتريد قوله
    أن الجهل والأمية والتخلف هوأيضا عدوا للمغاربة.
    أما عن إعجابك بالسكرتيرة وأدبها معك٠فأتمى أن يكون
    جميع موظفينا بهذا المستوى من التواضع.فالكتاب مثلك
    والباحثين في القانون الدولي يعدّون على راس الأصابع٠

  • محمد
    الأربعاء 16 مارس 2016 - 07:48

    داخل النص الأدبي يجب عادة قراءة ما بين السطور ، فالكاتب عندما أعجب بفتاة في عقدها الثاني تعمل بنشاط وذكاء بينما السيد الأمين العام يغط في نوم لذيذ فكأن الكاتب يدعو إلى اعادة صياغة المنظمة من جديد والتخلص من العقليات القديمة ومنح الريادة لتشبيب المنظمة الدولية
    كذلك اعجابه بالسكرتيرة الشابة الشديد التي لا تجد حرجا في تصحيح أخطاء المنظمة فعندما قالت الصحراء الغربية سرعان ما استدركت وقالت الصحراء المغربية ، بمعنى أنها تتمتع بذكاء وايضا بتواضع وتصحح مفرداتها ، اعجابه بها عندما قالت بأن كل أحرار العالم لا يتمنون أن يتجزأ هذا الوطن …
    اعجابه بها أيضا أن لون بشرتها سمراء بمعنى انها تنتمي للجنس البشري الافريقي الأقل حظا ومع ذلك وصلت لأروقة الأمم المتحدة ، ثيابها بسيطة تعود لستينات القرن الماضي عندما ذكرته بفساتين فاتن حمامة بالأبيض والأسود كما أنها لا تضع المساحيق والمكياج الكثير على وجهها مع ذلك انها جميلة ، وكأنه يقول الكاتب أن الجمال ليس بالضرورة مع التكلف والمبالغة ، البساطة تمنحك جمالا طبيعيا ، اعجابه بها وثقافتها التي ترى أن اسباب انهيار الشعوب عندما يتفشى الجهل والأمية والأمراض …

  • فاطمة
    الأربعاء 16 مارس 2016 - 09:44

    يجب أن نغير زاوية النظر و التأويل في هده القصة و أن نقرأ ما بين السطور فالكاتب يتوخى من هده القصة انتقاد الوضع المزري الدي يعيشه المغرب من تدهور و تدني في قطاع الصحة و التعليم, الدي يعد عدوا لتقدم أي أمة, و ليس التغزل في حد داته باعتباره حيلة سردية عبر من خلالها على تفوق اللغوي للآخر و تخلف الأنا و هدا ما نعبر عنه بالأنا في مرآة الآخر.واختار الكاتب عدم التطرق الى موضوع المقابلة مع كي مون ليترك المجال مفتوحا لتأويلات القارئ.

  • المحلل
    الأربعاء 16 مارس 2016 - 13:01

    جمال سكرتيرة "بانكيمون" انساك الحديث عن جمال الصحراء بفتح الجيم وجمالها وما حملت بكسر الجيم هذه المرة .
    بسبب "جمال" المراة واغراءتها اضاع العرب الاندلس وفلسطين والعراق والشام ..

  • Bilal
    الأربعاء 16 مارس 2016 - 13:50

    Excusez moi mais là vous n'éxprimez que votre admiration envers cette "belle, séduisante" secrétaire… C du n'importe.

  • mahmoud
    الأربعاء 16 مارس 2016 - 15:07

    فقط خطا جعلك تريده ان يتكرر كم من مرة حتا ترى اسنانها ونحن يا اخي الكاتب الاخطاء هيا ماجعلتنا نعاني في صحرائنا بسبب امثالك يرون فيها جمع المال ينسون ان لديهم وطن او ملك او حتى دين شغلهم الشاغل جمع المال فقط يبحثون عن الضحك واحيانا يقومون به الضحك على الدقون وهنا نرجع لكلامك للاسف
    استاذ محمد، انتم المغاربة طيبون جدا، تفرحون بسرعة وتغضبون أيضا بسرعة! الصحراء الغربية ليست المشكلة!
    الصحراء "الغربية" !، لم أحب كثيرا هذا الوصف، هي أيضا شعرت بعدم ارتياحي، وانزعاجي، ابتسمت مرة أخرى وقالت:
    – آسفة لقد أخطأت التعبير قصدت أن أقول الصحراء المغربية،
    كدت أن أقول لها :"تمنيت لو انك تخطئين كل مرة حتى تظلين مبتسمة هكذا، طول العمر"

  • moroco
    الأربعاء 16 مارس 2016 - 16:52

    تعليق 1 – المهدي
    رائع هذا ما كان يدور بخاطري

  • hassan
    الخميس 17 مارس 2016 - 22:40

    اخ محمد وصلت الى لاهاي ولا تتكلم الانجليزية what a shame
    لايمكنك تعلم شيء بدون انجليزية
    الحمد لله انك لم تلاقي بانكمون….
    اما جوهر الموضوع ,لم تدكر لها بان فلوس لتعليم و الصحة خداتهم مشكلة لصحراء مضاعفة على مرات عديدات…

  • لمياء
    الجمعة 18 مارس 2016 - 08:04

    الكاتب من طبيعته أن خياله خصب فهو عادة لا يكتب أشياء من الواقع بقدر ما ينسج من خياله أحداثا تخدم الفكرة التي يود تمريرها إلى القراء ، والنص الذي بين أيدينا للقاص محمد الجباري يدخل في هذا السياق ، المشكلة هو البعض من القراء لم يحسنوا التعامل مع النص على أنه عمل ابداعي قصصي لأن الأمية الثقافية مع الأسف جد منتشرة ، اضحكني كثيرا من اعتبر ان بطل القصة تغزل في الفتاة وان ذلك هو سبب سقوط الأندلس والشام ! مع العلم ان تغزله بها جاء من باب أن المنظمة قد شاخت ويجب منح الفرصة للدماء الشابة لتعيد اليها بريقها ونشاطها من جديد ، اضحكني كثيرا من قال ان الرجل عيب عليه وصل لهاي ولا يتكلم الانجليزية ! في العمل القصصي يا " متعلم بتوع مدارس " هناك حيل سردية يلجأ اليها الكاتب لتبرير الفكرة الدرامية او الابداعية ، فهل عندما نشاهد بطل فيلم سفاح ، هل هو في الحقيقة والواقع سفاح ؟
    الجهل مصيبة !

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة

صوت وصورة
عروض فرقة المسيرة الخضراء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 19:35

عروض فرقة المسيرة الخضراء

صوت وصورة
محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 18:00

محافظتي تتيح تتبع العقارات عن بعد

صوت وصورة
إعادة هيكلة جوطية درب غلف
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 17:12

إعادة هيكلة جوطية درب غلف

صوت وصورة
"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 14:37

"صاك طنجة" يشعل مجلس البيضاء

صوت وصورة
محامو المغرب يعودون إلى المحاكم
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:18

محامو المغرب يعودون إلى المحاكم