أنسي الحاج .. رحيل مطوع اللغة العربية شعرا ونثرا

أنسي الحاج .. رحيل مطوع اللغة العربية شعرا ونثرا
الأربعاء 19 فبراير 2014 - 06:14

هو من خط يوما “لا أعرف ماذا أكتب. لا تكتب، تقول لي. ماذا أفعل إذا أبيع الماء والكهرباء، ماذا أفعل وأنا ليس في يدي مسدس ولا رشاش بل أمامي ورق أبيض لا يحتمل غير قلم” .. هو أنسي الحاج، الذي بوفاته يوم الثلاثاء عن عمر يناهز الـ77 عاما، بعد صراع مع المرض أقعده منذ نحو شهرين، ستفتقد الأوساط الأدبية والإعلامية شعره وأدبه، ويحن قرائه “خواتمه” بجريدة (الأخبار)، حيث كان يطل على قرائه، مبحرا في عوالم اللغة يطوعها حينا، ويغازلها حينا آخر، لتنقاد بهية نقية تبهر كما أبهر هو قرائه.

في النثر، كما في الشعر، لم تخنه اللغة أبدا، ساخرا من كل شيء، أو حزينا جديا، تبقى اللغة وحدها وطنه الذي سكنه واستقر بين أسرارها خاضعا لسلطتها، وعنه قال الشاعر عباس بيضون “كلماته قاسية في مواقف لكنها لم تكن قط دموية .. كان وحده غاضبا ووحده ثائرا ووحده متألما ووحده شقيا، لكنه لم يجرح زهرة، لم يدس نملة.. مشت الكلمات أمامه وكأنها مولودة توا… بعد أن صرخ مليا في الوعر أراد أن يغني.. ترك الكلمات ترقص، كانت موجودة لذلك، الغناء سهل ولا يحتاج إلى أوزان والى مقامات، الغناء سهل لأن الكلام يغني وحده، لأنه وجد ليغني”.

غادر الحاج، ولم يغادر، إنه ما زال هنا، بين الكلمات، إرثه كلمات لا حقد فيها ولا صراعات ولا تخندقات، الكلمات هي السلطة، كما سطر لسنوات في مقالاته الأسبوعية بجريدة (النهار) تحت عنوان “كلمات، كلمات، كلمات”.

شارك أنسي الحاج في تأسيس مجلة “شعر” الرائدة ، وبهذه التجربة، ومنها انطلق الحاج فاردا جناحيه للغة، فكتب “لن” التي عرف في مقدمتها الشعر والنثر، مصاحبا لبدايات الحداثة والنهضة الأدبية العربية بسؤال “هل يمكن أن يخرج من النثر، قصيدة النثر محلول ومرخي ومبسوط كالكف، وليس شد أطرافه إلا من باب التفنن ضمنه. طبيعة النثر مرسلة، وأهدافه إخبارية أو برهانية، إنه ذو هدف زمني، وطبيعة القصيدة شيء ضد. القصيدة عالم مغلق، مكثف بنفسه، ذو وحدة كلية في التأثير، ولا غاية زمنية للقصيدة. النثر سرد، والشعر توتر، والقصيدة اقتصاد في جميع وسائل التعبير .. النثر يقيم علاقته بالآخر على جسور من المباشرة، والتوسع، والاستطراد، والشرح، والدوران، والاجتهاد الواعي، بمعناه العريض، ويلجأ إلى كل وسيلة في الكتابة للإقناع..”.

تنبأ يوما وقال “أنا أنسي الحاج أريد العودة إلى رأسي”، والتقط الناقد والصحفي عقل العويط الكلمات ليكتب “لم يكن لأنسي الحاج من مطلب سوى هذا المطلب، وقد كان مشتهاه الوحيد الدائم. وها، الآن، أنا أراه، من حيث هو، مستعيدا رأسه، هاربا به، مكللا بغار أسراره وكلماته، ملغزا، شفافا، أبيض حرا، إلى آخر ما يمكن أن تحمله الحرية من معنى…”.

ويبقى أنسي هامة من هامات الشعر العربي الحديث، الى درجة أن وصفه الشاعر أدونيس بـ”الأنقى بيننا”، أو كما نعاه وزير الثقافة اللبناني اليوم “أنسي الحاج شاعر ماضي الايام الآتية”.

ويعتبر الحاج، الذي ولد سنة 1937، من رواد الحداثة في العالم العربي، إذ ساهم سنة 1957 مع الشاعرين، الراحل يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة “شعر”، حيث أصدر ديوانه الأول “لن”.

وخلف الحاج، مجموعات شعرية منها “الرأس المقطوع” و”ماضي الأيام الآتية” و”ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة” و”الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع” و”الوليمة”، هذا فضلا عن كتب ومقالات عديدة منها “كلمات كلمات كلمات” و”خواتم”.

واشتغل الحاج في مجال الصحافة، خاصة بجريدة “الحياة” ليستقر به المقام في “النهار”، التي شغل بها منصب رئيس التحرير من 1992 إلى 2013، ليستمر في تحرير صفحة أدبية بها يوميا.

وقد ترجمت مختارات من قصائده إلى لغات منها الفرنسية والانجليزية والألمانية.

*و.م.ع

‫تعليقات الزوار

7
  • مغربي أصلي
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 07:26

    رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته إنا لله وإنا إليه راجعون.

  • تائهة
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 14:57

    يذكر لبنان ولا يتبادر إلى الذهن إلا أسماء من قبيل هيفا،نانسي …وما جاورهما من الأسماء …رحم الله الفقيد ورحم الله معه زمن الأعلام من الكتاب والشعراء وغيرهم …لك الله ايها الوطن العربي.

  • Ali Amzigh
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 15:34

    يبدو أن الكبار من المثقفين والمبدعين لا يستأثرون باهتمام القراء، إذ يفضلون التهافت على أشباه الفنانين ولاعبي كرة القدم…
    يحق لهم ذلك، لكن الملاحظة المؤلمة تفرض نفسها.
    تعليق يتيم على رحيل أنسي الحاج، ولو أن صاحبه "المغربي الأصيل" لم يجد ما يقوله غير العبارة المكرسة.
    نتمنى أن يتمسك بدعائه، لو عرف أن أنسي الحاج من عائلة مسيحية، ولم يكن متدينا، وكان مناهضا لكل أشكال الطائفية، لا يرى في الإنسان إلا إنسانيته، باعتباره أكبر من كل الديانات.

  • هشام الوجدى
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 17:28

    رحمك الله وشكرا لما اسدىته للوطن العربى من خدمة اللغة العرىة لسان القران والموروث الحضاري

  • احمد محمد عبدالقادر (دارا .ش)
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 19:31

    واناضمن(أيضاً)تمتعت برفقة انسي الحاج لفترة طويلة ووجدت في اسبوعياته في الأخبار مالم اجد له بديلا في الإجابة على أسئلة قديمة او جديدة (جدا) لكلا الحالتين واظل أعود الى اثاره .الى روحه تمنيات الأجيال القادمة ودعاء الأجيال التي غادرت وتتمنى العثور على سلاح يجيد إصابة الهدف .هدف الانسان في حياة متألقة جديرة

  • youssef.mtl
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 20:30

    ماعمرنا سمعنا بيه ، ماعمري شفتو في التلفزة المغربية ، لكن أعرف هيفاء وهبي !!!
    ماعمري شفتو في 2M……

  • mohammed laarif
    الأربعاء 19 فبراير 2014 - 22:09

    تتساقط الهامات واحدة تلو الاخرى و نحن واقفون ماذا عسانا نفعل امام قدر مقدر و مكتوب مسطر . بالامس درويش و الجابري و جسوس و نجم و اخرين .باختصار انها الدنيا تفرحنا احيانا و تبكينا احايين اخرى .رحمة الله عليك اديبنا و شاعرنا و الى اللقاء هناك اذا كان من هناك و الله اعلم .

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 13

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 23

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 10

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى