إخفاء الوجه في القانون المغربي

إخفاء الوجه في القانون المغربي
الخميس 30 أكتوبر 2025 - 11:58

هل حان الوقت للتدخل التشريعي؟

كثيرًا ما شاهدنا، ونحن نتفرج على بعض الأفلام الغربية أو حتى العربية التي تكون ذات طابع بوليسي أو حركي، كيف كان بعض المجرمين، خلال ارتكابهم لبعض الجرائم، يحرصون على إخفاء وجوههم، حتى لا يتم التعرف عليهم، ويسهل القبض عليهم من طرف رجال الأمن، وكان حضور القناع أو اللثام يظهر فقط في بعض السرقات الكبيرة المرتكبة من قبل عصابات منظمة ومحترفة في ارتكاب الجريمة، وكان ذلك قبل عقود مضت. لكن خلال العقدين الماضيين، وبالضبط خلال السنين الأخيرة، وجدنا أن ارتداء القناع أو اللثام، أثناء ارتكاب حتى بعض الجرائم البسيطة من سرقة وغيرها، أصبح يتكاثر يومًا بعد يوم، وبتنا نرى نشاطات قد تكون رياضية أو موسيقية أو حتى ثقافية، يحضر فيها أشخاص ملثمون، وحين تفلت زمام الأمور في تنظيمها، ويبدأ الشغب والتخريب والكسر والاعتداءات، نجد أن المقنعين والملثمين يكونون أكثر حركة وشجاعة وجرأة في إجرامهم ويشعلون فتيل الفتنة في هذه التظاهرات. وهناك من يُخرج القناع من جيبه ويضعه على وجهه من أجل ممارسة الشغب والتخريب والبلطجة والسرقة بدون خوف أو وجل، لأن هؤلاء الملثمين يعتقدون أنهم بوضعهم للقناع قد أخفوا هويتهم، ومن الصعب على رجال الأمن أن يصلوا إلى تحديدها من أجل القبض عليهم. بل إن بعض الاحتجاجات السلمية والعادية أصبحنا نجد وسطها ذكورًا وإناثًا يخفون وجوههم بأقنعة متنوعة، ويعملون حتى على إخفاء عيونهم بنظارات سوداء.

وهذا التحول الجذري في ارتداء القناع من قبل البعض أصبح أداة فعالة ومحورية يعتمد عليها بعض المجرمين لإخفاء هويتهم، وهذا الإخفاء يساهم بشكل أو بآخر في رفع هرمون الإجرام لديهم أثناء ارتكابهم للجريمة، لأنهم يرتكبونها بدون خوف وطمأنينة، حتى وهم يرتكبونها داخل جمع من الناس أو مع عشرات الكاميرات التي تصور ما يقومون به، لأنهم يعتقدون أن هويتهم غير معروفة. وهذا خلاف ما يكون عليه الأمر حين يكون المجرم غير مرتدٍ لأي قناع، حينها يخاف الشخص غير المقنع من الكاميرات التي يمكن أن تصوره وتسهل من تحديد هويته، كما أنه يخاف من خرقه للقانون، ويخاف من الناس الذين يوجدون بالقرب منه، والذين يمكن أن يتحولوا إلى شهود ضده في حالة وقوع جريمة ما، بعد معرفتهم بوجهه واحتفاظهم بصورة لوجهه في ذاكرتهم. وهذا القناع الذي أصبح وسيلة مهمة في إخفاء الهوية، أصبح يعتمد عليه بعض المجرمين للتهرب من المساءلة الجنائية، ومادامت هذه الوسيلة أصبحت تسهل إجرام البعض وقد تساعدهم في الإفلات من العقاب والتعقب الأمني، فيجب أن يكون لها مكان واضح وصريح في قانوننا الجنائي. لكن مع الأسف حين نبحث عن القناع أو اللثام الذي يُستعمل لإخفاء الهوية من أجل ارتكاب جريمة أو محاولة ارتكابها، لا نجد له موطئ قدم في القانون الجنائي المغربي، لا نجد له مكانًا، ولا ذكرًا يُذكر، رغم زيادة استعماله من قبل بعض المجرمين في السنين الأخيرة، وبعد انتشار الكاميرات والهواتف التي أصبحت تلتقط كل كبيرة وصغيرة في الشارع.

وفي سياق الحوادث المؤلمة التي عشنا على وقعها خلال السنوات الأخيرة من شغب وتخريب بعد بعض مقابلات كرة القدم، والاحتجاجات الإجرامية المؤلمة التي حدثت خلال الأسابيع الماضية، وكيف شاهدنا عدة قاصرين وشباب يرتدون أقنعة من أجل إخفاء هويتهم مسلحين بأسلحة مرتكبين جرائم دون أن تظهر هويتهم، لذلك أرى أن الوقت قد حان بالنسبة للمشرع المغربي لكي يُدخل ارتداء القناع أو اللثام في نصوص القانون الجنائي المغربي، ويعتبره في بعض الحالات جريمة قائمة بذاتها، كما هو الحال بالنسبة لحمل السلاح، إذا ارتداه الشخص أو كان يخفيه في جيبه، ولم يثبت أنه يحمله أو يرتديه لسبب مشروع، ويكون ظرف تشديد في بعض الجرائم، ويتم اعتبارها كظرف في جرائم السرقة، تضاف إلى ظروف العنف والتعدد وارتكابها ليلاً واستعمال الناقلة وغيرها من الظروف المنصوص عليها في الفصل 509 من القانون الجنائي، وتضاف كظرف في الفصلين 509 و510 من القانون الجنائي.

والمشرع المغربي، إذا ما فكر في تجريم ارتداء القناع الذي يخفي الوجه، لن يكون المغرد الوحيد خارج سرب القوانين الدولية التي تنص على هذا، ولا يجب أن ننسى أنه في المغرب خلال سنة 2017 صدرت تعليمات من السلطات المحلية لبعض المدن تنبه بعض التجار بكل من مدن سلا وطنجة ومدن أخرى بمنع خياطة وبيع البرقع، لأن السلطات وقفت على استعماله من قبل البعض في أعمال إجرامية مشبوهة. وفي تونس صدر مرسوم سنة 2019 بمنع ارتداء أي غطاء يخفي الوجه داخل المؤسسات العمومية والإدارات، لأسباب أمنية بعد بعض العمليات الإرهابية، وفي الأماكن العامة الأخرى، يمكن للسلطات أن تتدخل عند الاشتباه في من يرتدي القناع أو اللثام.

ولكن مع ذلك، تبقى الإمارات العربية المتحدة من أهم الدول العربية التي تطرقت للقناع في عدة مواد وجرمت ارتدائه بشكل صريح، حيث نجد أن النصوص القانونية التي جرمت ارتداء القناع في سياقات معينة، خاصةً إذا كان يهدف إلى إخفاء الهوية أثناء ارتكاب الجرائم أو المشاركة في التجمهر غير المشروع، صدرت منذ زمن لا بأس به، وتعتبر من أقدم القوانين على مستوى العالم الإسلامي في التطرق للقناع وإخفاء الهوية وتجريم بعض حالاته، لأن التنصيص القانوني يعود لسنة 1987.

حيث نجد أن المادة 209 من قانون العقوبات الاتحادي (مرسوم بقانون اتحادي رقم 3 لسنة 1987): تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 100,000 درهم، كل من اشترك في تجمهر مؤلف من خمسة أشخاص على الأقل في مكان عام بقصد الشغب أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين واللوائح أو كان من شأنه الإخلال بالأمن العام، إذا بقي متجمهراً بعد أن صدر أمر من أحد رجال السلطة بالتفرق والانصراف.
كما أن المادة 211 من نفس القانون: تُشدد العقوبة إلى السجن مدة لا تقل عن 3 سنوات وبغرامة لا تزيد على 200,000 درهم، إذا ارتدى المتجمهرون أقنعة أو أغطية لإخفاء ملامح الوجه بقصد ارتكاب جريمة أثناء التجمهر.

ولكن بعد التعديل الذي دخل على قانون العقوبات والجرائم الإماراتي بمقتضى المرسوم بقانون اتحادي رقم 31 لسنة 2021، أصبحت المادة 210 منه تجمع بين مقتضيات المادتين 209 و211 من مرسوم سنة 1987.

أما القانون اللبناني فقد كان من أقدم القوانين التي تطرقت للقناع وقامت بربطه بالجريمة واعتبرته ظرفًا مشددًا للعقوبة، حين نصت في المادة 345 من مرسوم اشتراعي رقم 340/1943، قانون العقوبات اللبناني الصادر سنة 1943 على معاقبة كل من يشارك في تجمهر مؤلف من خمسة أشخاص أو أكثر في مكان عام بقصد ارتكاب جريمة. إذا ارتدى المشاركون أقنعة أو أغطية لإخفاء هويتهم، فقد يُعتبر ذلك ظرفًا مشددًا للعقوبة.

لكن المشرع اللبناني حذف مصطلح أقنعة أو أغطية لإخفاء الهوية حين قام بتاريخ 27/5/1993 بتغيير نص المادة 345 بالتنصيص على ما يلي: (من كان في اجتماع ليس له طابع الاجتماع الخاص سواء من قبل غايته أو غرضه أو عدد المدعوين إليه أو الذين يتألف منهم أو من مكان انعقاده أو كان في مكان عام أو بمحل مباح للجمهور أو معرضٍ لأنظاره فجهر بصياح أو أناشيد الشغب أو أبرز شارة من الشارات في حالات يضطرب معها الأمن العام أو أقدم على أية تظاهرة شغب أخرى يعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من عشرين ألف ليرة إلى مائتي ألف ليرة).

وحاول المشرع اللبناني أن يغير وضوح الفصل 345 السابق بالتنصيص في الفصل 346 من النص المعدل بالنص على ما يلي: (كل حشد أو موكب على الطرق العامة أو في مكان مباح للجمهور يعد تجمعًا للشغب ويعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة:

إذا تألف من ثلاثة أشخاص أو أكثر بقصد اقتراف جناية أو جنحة وكان أحدهم على الأقل مسلحًا.

إذا تألف من سبعة أشخاص على الأقل بقصد الاحتجاج على قرار أو تدبير اتخذتهما السلطات العامة بقصد الضغط عليها.

إذا أربى عدد الأشخاص على العشرين وظهروا بمظهر من شأنه أن يعكر الطمأنينة العامة).

وبعد أن كان مجرد تجمع خمسة أشخاص في المادة 345 لسنة 1943، وهم يرتدون أقنعة أو أغطية لإخفاء هويتهم يعاقب عليه، نجد أن النصوص المعدلة لا تعاقب بتاتًا في حالة تجمع ثلاثة أشخاص حتى لتسعة عشرة شخصًا، كيفما كانت وضعيتهم سواء كانوا مرتدين لأقنعة أو أغطية، ونص على أنه في حالة وجود عشرين شخصًا في حشد أو موكب بالطرق العامة مثلاً، بمظهر يمكن أن يعكر الطمأنينة العامة، هنا سيترك أمر اعتبار الأقنعة أو الأغطية للقضاء الذي سيقرر فيما إذا كان ارتداؤهم لها يعكر الطمأنينة العامة.

أما في فرنسا فهناك قانون فرنسي يجرم ارتداء الأقنعة أو أغطية الوجه في الأماكن العامة، وهو القانون رقم 2010-1192 الصادر بتاريخ 11 أكتوبر 2010، والمعروف بقانون منع إخفاء الوجه في الأماكن العامة. وتنص المادة 1 منه على ما يلي: (يُحظر على أي شخص، في الأماكن العامة، ارتداء زي يهدف إلى إخفاء وجهه).

وتنص المادة 2 منه على ما يلي: (تشمل الأماكن العامة الطرق العامة والأماكن المفتوحة للجمهور أو المخصصة للخدمات العامة).

وتنص المادة 3 منه على ما يلي: (يُعاقب من يخالف هذا الحظر بغرامة من الدرجة الثانية، وقد يُلزم بحضور دورة تعليمية).
والعجيب في هذا القانون أن المادة 4 منه تعاقب حتى من يجبر شخصًا آخر على إخفاء وجهه باستخدام التهديد أو العنف أو الإكراه، بالسجن لمدة عام وغرامة تصل إلى 30,000 يورو.

ولكن هذا القانون له استثناءات لا تطبق فيها نصوصه إذا كان ارتداء القناع أو غطاء الوجه لأسباب صحية أو مهنية أو في سياق الأنشطة الرياضية. أو في المناسبات الاحتفالية أو الفنية أو التقليدية.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فهناك قوانين تُجرّم ارتداء الأقنعة أو أغطية الوجه في الأماكن العامة، خاصةً خلال التجمهرات أو الاحتجاجات. وتختلف هذه القوانين من ولاية إلى أخرى، وتستند في معظمها إلى قوانين قديمة تهدف إلى منع التخويف أو ارتكاب الجرائم تحت ستار إخفاء الهوية.

ومن هذه الولايات نجد ولاية أوهايو: التي تنص المادة 3761.12 من قانون أوهايو الذي صدر سنة 1953 على تجريم ارتداء الأقنعة أو الأغطية أثناء التجمهرات بهدف ارتكاب جريمة. تستهدف هذه المادة بشكل خاص منع الأنشطة الإجرامية التي تُرتكب تحت ستار إخفاء الهوية. والعقوبة تكون ما بين ستة أشهر وسنة.

وكذلك نجد ولاية فلوريدا التي تعتبر من أقدم الولايات الأمريكية التي تطرقت للأقنعة وأغطية الوجه وربطته بالجريمة حين نصت المادة 12. 876 من قانون فلوريدا، على تجريم ارتداء الأقنعة في قانون فلوريدا بمقتضى القانون رقم 26542 لعام 1951، الذي أضاف المادة 876.12 إلى قانون فلوريدا المعدل. وقد تم تعديل هذا القانون لاحقًا في عام 1981 بموجب القانون رقم 81-249، حيث أُضيفت المادة 876.155 التي حددت الحالات التي يُعتبر فيها ارتداء القناع جريمة، مثل:

النية في حرمان الآخرين من الحماية القانونية المتساوية.

استخدام القوة أو التهديد بها لإيذاء أو تخويف الآخرين.

التخويف أو التحرش بالآخرين.

محاولة تجنب التعرف في الإجراءات القانونية.

بعد هذا الاستعراض السريع لبعض التجارب القانونية الدولية التي جرمت ارتداء الأقنعة وأغطية الوجه لإخفاء الهوية أثناء ارتكاب الجرائم أو المشاركة في التجمعات، يبرز بجلاء أن الأجهزة التشريعية المغربية أصبحت ملزمة للحفاظ على الأمن العام ومكافحة الجريمة بفعالية، أن لا يظل المشرع المغربي متساهلًا مع بعض المجرمين الذين يستخدمون الأقنعة والأغطية لإخفاء هويتهم، مما يمنحهم فرصة للهروب من المحاسبة وعرقلة جهود أجهزة الأمن في التعرف على هويتهم. إن حماية المواطنين وضمان سلامة الفضاءات العامة أصبح يستلزم تدخلًا تشريعيًا سريعًا وواضحًا وصارمًا لتجريم هذا السلوك، بما ينسجم مع المقتضيات الأمنية وحقوق الأفراد، ويضع حدًا لأي استغلال لوسائل الإخفاء للتخريب أو الإجرام والتستر وراء الأقنعة لارتكاب الجريمة والافلات من العقاب.

-المحامي بهيئة الجديدة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الإثنين 3 نونبر 2025 - 15:18

    “.No one reveals himself as he is; we all wear a mask and play a role”
    “لا أحد يكشف عن نفسه كما هو، كلنا نرتدي أقنعة ونلعب أدوارًا.”

    (Arthur Schopenhauer)
    (German philosopher)
    (1788-1860)

    “La vertu a un voile, le vice a un masque”
    “للفضيلة حجاب، وللرذيلة قناع.”
    (Victor Hugo)
    (1802 – 1885)

    “حين تختفي الملامح خلف القناع، يبدأ القانون في البحث عن وجهٍ للعدالة.”

    أستاذ وهابي،

    إن دعوتك، إلى تدخلٍ تشريعي من أجل ضبط مسألة إخفاء الوجه في القانون المغربي تلامس فعلاً حاجة تشريعية ومجتمعية واقعية. فمع تزايد استعمال الأقنعة ليس في الفنون أو الرياضة فحسب، بل في بعض المظاهر الإجرامية والمشاغبات، أصبح إخفاء الهوية وسيلة لاستغلال الحرية ضد الأمن، بدل أن يكون مظهرًا من مظاهر الخصوصية الفردية.
    فالمطلوب ليس تجريم القناع بذاته، بل تأطير استعماله ضمن نصوص دقيقة تفرّق بين الحرية المشروعة في اللباس أو التعبير الثقافي والفني، وبين النية الإجرامية التي تتستر وراء ستار مادي. إن تغليب المصلحة العامة لا يعني التضحية بالفرد، بل حماية الجميع من الفوضى التي يتغذى عليها المجهول والمخفي.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"

صوت وصورة
أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:17 1

أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"

صوت وصورة
المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:02 4

المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00 3

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة