إعادة برمجة خلايا الدم إلى "جذعية" تستشرف آفاقا علاجية واعدة بالمغرب

إعادة برمجة خلايا الدم إلى "جذعية" تستشرف آفاقا علاجية واعدة بالمغرب
صورة: و.م.ع
السبت 23 غشت 2025 - 08:00

إنجاز علمي قوي سيكون له ما بعده قادته كفاءات طبية مغربية بمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، بنجاحها غير المسبوق في إعادة برمجة خلايا الدم المحيطية أحادية النواة (PBMCs) إلى خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (المشتهرة علميا باسم iPS).

وتعد هذه الخطوة تقدما استراتيجيا على طريق “إعادة البرمجة والتمايز الخلوي” لخدمة البحث البيوطبي، والطب الشخصي، والعلاجات المبتكرة لعدد من الأمراض الأكثر شيوعا في المغرب، حسب ما أوضحه البروفيسور صابر بوطيب، مدير مركز محمد السادس للبحث والابتكار التابع للمؤسسة.

وقال البروفيسور بوطيب ضمن إفادات مفصلة لجريدة هسبريس الإلكترونية: “إننا نستشرف بهذا الإنجاز مرحلة ثانية أكثر أهمية موجهة نحو إحداث منصة وطنية متخصصة في إعادة برمجة الخلايا، بحيث يمكن للخلايا المنتَجة أن تُستَعمل لاحقًا في الدراسات السريرية داخل المغرب”، كاشفا عن “إمكانية المساهمة في إيجاد حلول علاجية للأمراض الشائعة على الصعيد الوطني، ومنها السكري مثلا”.

وأضاف شارحا أن “تقنيات إعادة برمجة الخلايا العادية إلى خلايا جذعية متعددة القدرات تكون مشابهة لتلك الموجودة لدى الجنين، ويمكن استخدامها لإنتاج خلايا لأعضاء وأنسجة بشرية مختلفة”، موضحا: “في المرحلة الأولى من هذا المشروع، ركّز برنامجنا على تطوير بروتوكول مغربي خالص، بكفاءات وطنية، يتيح لنا التحكم في تقنية إعادة برمجة الخلايا. وقد شمل هذا الجانب تجهيزات متخصصة، إلى جانب التكوين العلمي والعملي، وصولًا إلى إرساء بروتوكول متكامل يضمن التحكم في العملية”.

وأضاف أن “هذه التقنية تعتبر جديدة وحديثة جدا في العالم في إطار تطور البحث العلمي وتجارب الدراسات السريرية (essais cliniques)؛ إذ تُستخدم في الأبحاث السريرية لعلاج الأمراض”.

وسجل أن “أهمية هذا الإنجاز العلمي لأول مرة في المغرب تكمن في كون الخلايا الجذعية تعدّ حلاً واعدًا لأمراض مثل الزهايمر والسكري”، مبرزا أن “الهدف في الحالة المغربية هو تطوير علاجات شخصية تعتمد على خلايا المريض وحالته المشخَّصة”.

“هناك أدوية جديدة تعتمد على التكنولوجيا الحيوية تتطلب تجارب دقيقة، ويمكن استخدام الخلايا المصنعة لمحاكاة الحالات المرضية واختبار الأدوية”، يورد مدير مركز محمد السادس للبحث والابتكار، مضيفا: “ثمّة أيضا إمكانية لتعديل الجينات لتصحيح الأخطاء المسبّبة للأمراض، ونعمل ضمن هذا المشروع البحثي الطبي على تطوير بروتوكول مغربي للتحكم في تقنية إعادة برمجة الخلايا وإنشاء منصة وطنية لذلك”.

وفصّل البروفيسور بوطيب قائلا: “ما نقوم به يقوم على استعمال خلايا دموية تعتبر جزءًا من منظومة الدفاع المناعي للجسم، ثم تحويلها إلى خلايا جذعية متعددة القدرات. هذه الخلايا، بعد إعادة برمجتها، تصبح شبيهة بالخلايا الجنينية القادرة على التمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا المتخصصة، مثل خلايا القلب أو الكبد أو الجهاز التنفسي أو الدماغ”.

من الناحية الطبية والبحثية، يتابع البروفيسور ذاته، “وجب التأكيد أننا بصدد مجال علمي حديث جدا عالميا، يمثل إحدى أكثر التقنيات تطورًا في الدراسات السريرية. وفي المغرب، بات لدينا اليوم المكونات الأساسية للانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتمثل في تطوير بروتوكولات سريرية موجهة نحو أمراض تتطلب حلولا ملحّة”.

واسترسل البروفيسور بوطيب في شروحه لهسبريس: “في مرض ألزهايمر تفقد الخلايا العصبية قدرتها على أداء وظيفتها المرتبطة بالذاكرة. وفي مرض السكري، تعجز خلايا البنكرياس عن القيام بدورها في إنتاج الأنسولين. مثل هذه الحالات تفتح الباب أمام ما يسمى العلاج المُشخصن، أي أخذ خلايا المريض نفسه ثم إعادتها إلى الحالة الجذعية وإعادة برمجتها لتصبح خلايا سليمة تؤدي وظائفها، ما يمنح حلولا دقيقة وفعالة، وأحيانا جذرية، تنطلق من أصل الخلل المرضي”.

إضافة إلى ذلك، شرح البروفيسور الحاصل على شهادة الدكتوراه في علم الأوبئة السريرية أن “هذه التقنيات تُسهم في تطوير أدوية جديدة، خصوصا العلاجات المناعية (Immunotherapies) وأدوية التكنولوجيا الحيوية، من خلال إتاحة إمكانية إنتاج أنسجة وخلايا قريبة جدا من الحالة المرضية المستهدفة. هذا يُمكّن الباحثين من اختبار الأدوية وقياس فعاليتها بدقة أكبر، بدلا من الاقتصار على التجارب التقليدية على الحيوان أو الإنسان، التي قد لا تعكس دائما الحالة المرضية الحقيقية”.

كما يفتح ذلك المجالَ أيضًا أمام “تقنيات العلاج الجيني”، التي تسمح بإدخال تعديلات تصحيحية على الجينات المسؤولة عن الخلل، “لتجاوز الطفرات المسببة للأمراض”، ما يرفع أهمية التوجه البحثي والطبي نحو آفاق أرحب لتطوير حلول علاجية-جينية مبتكرة وواعدة.

علميا، فإن الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات، المستخلصة من مجرد أخذ عينة بسيطة من الدم، موسومة بخاصيّتَين مميزتين؛ هما “القدرة على التمايز إلى أي نوع من خلايا الجسم”، و”القدرة على التكاثر اللامحدود”.

وبحسب المصدر نفسه، فإن هذه المزايا تجعل منها أداة ثورية لنمذجة الأمراض البشرية انطلاقا من خلايا المريض نفسه، واختبار فعالية وسلامة أدوية جديدة في ظروف قريبة من الواقع الفزيولوجي، وتطوير علاجات تجديدية لإصلاح الأنسجة الحيوية (القلب، الدماغ، الكبد، الرئتان)، وتصميم مقاربات جديدة للعلاج المناعي ضد السرطانات.

وعلى الصعيد الدولي، تخضع الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات حاليا لتجارب سريرية واعدة لعلاج أمراض تنكسية، واضطرابات في الشبكية، وبعض أمراض الدم.

وبفضل هذا الإنجاز، الخاضع حاليا لمرحلة “التحقق والتوصيف العلمي”، تستهدف مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة ترسيخ مكانة المغرب كفاعل رائد في مجالي التكنولوجيا الحيوية والطب التجديدي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • Ali Baba
    السبت 23 غشت 2025 - 08:53

    ن بعض التصريحات الواردة هنا تحمل قدراً من التضليل. فإعادة برمجة خلايا PBMC هي تقنية شائعة الاستعمال في معظم الدول وتُدرَّس حتى في مختبرات التعليم الجامعي لطلبة مرحلة الإجازة وعرضها باعتبارها إنجازاً غير مسبوق قد يعطي للرأي العام انطباعاً خاطئاً. وهذا القول لا يُقصد به التقليل من جهد الباحثين القائمين على العمل وإنما التنبيه إلى أن المجتمع العلمي الدولي قد لا يأخذنا على محمل الجد إذا بالغنا في تصوير الأمر. التقدير الحقيقي يكمن في تطوير أبحاث تضيف معرفة جديدة أو تطبيقات رائدة

  • وجدي
    السبت 23 غشت 2025 - 09:03

    الشكل الهندسي للكون، أقرب ما يكون الى تصميم هندسة الدماغ و القلب، القوانين واحدة ، اذا غيرت ذرة فيها انقلبت الموازين ، موازين عمل الاعضاء البشرية ، لهذا خلق الله بعضا من الاطعمة و الاشربة لتجديد الخلايا دون الحاجة الى المس بالخلايا الجدعية و تغييرها و استعمالها في تجارب خاطئة …

  • بائع السمك في البحر
    السبت 23 غشت 2025 - 09:42

    لا شيء سوى الفراغ.

    عادةً، عندما نكتشف شيئًا، ننشر نتائجه في المجلات العلمية. أما هنا، فلم تُشر إليه في مجلتي “نيتشر” و”ساينس”…

    كفى خداعًا للمرضى: عالجوا الأمراض العصبية التنكسية وسرطان البنكرياس باختراع مغربي! أسأل الله أن يطيل في عمري لأشهد هذا الإنجاز.

  • الصنهاجي
    السبت 23 غشت 2025 - 11:31

    بعض التعليقات التي استنتجت ان أصحابها هم من اشد الجهلاء على وجه الارض، هم بعيدون كل البعد على هذا الميدان وليس لهم اي تكوين دراسي او علمي، ومع ذلك وبوجوه قصديرية تراهم يتدخلون في أشياء لا علم لهم بها وينتقدون ويعطون حلولا ويكذبون ويشرحون.

  • دكتور الفاهم
    السبت 23 غشت 2025 - 16:48

    لو حقا هذا إنجاز غير مسبوق , فعلينا أن نسمع به في الأخبار الدولية العالمية وحتى من الواجب عليكم إطلاع مراكز الأبحاث العالمية بالنتائج لأن البحث العلمي وبالخصوص في الميدان الطبي هو لصالح كل البشرية وليس مجالا للثراء والمال فمن يريد المال فليبتعد عن الطب وليتخصص في الإستيراد والتصدير

  • Dr. Elamraoui
    الإثنين 25 غشت 2025 - 13:23

    تعليق أقل ما يقال في حقه أنه نابع عن حقد و غِلٍّ، الانتقاد من أجل الانتقاد و تبخيس جهود مؤسسة أتبثت خلال فترة وجيزة أنها الرائدة في مجال البحث البيو طبي و هذا ليس أول إنجاز لها في هذا المجال.
    لو كنت تهتم لصحة المواطن و صالح البشرية حبذا لرأينا تنافسية و جهودا أكبر بدل الاتهامات و التبخيس.

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح