إمارة المؤمنين في المغرب

إمارة المؤمنين في المغرب
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:31

إمارة المؤمنين في المغرب: بين الشرعية التاريخية والمشروعية الدستورية

في مساء الثالث والعشرين من يوليوز 1999، شهدت قاعة العرش بالقصر الملكي بالرباط مراسيم تقديم البيعة لجلالة الملك محمد السادس، عقب وفاة والده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني. وتلا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، عبد الكبير العلوي المدغري، وثيقة جمعت بين إعلان الوفاء للملك الجديد واستحضار الأمانة الملقاة على عاتق الإمامة. وحضر في الوثيقة الأمراء والعلماء وممثلو المؤسسات السياسية وكبار المسؤولين، بما أظهر الصلة بين الموروث الشرعي وتنظيم الدولة.[1]

تتيح هذه الواقعة مدخلا لفهم إمارة المؤمنين في المغرب، حيث يتصل تاريخ البيعة بالإطار الدستوري المعاصر. فالشرعية التاريخية تحيل إلى الجذور التي منحت المؤسسة معناها ومكانتها، بينما تتعلق المشروعية الدستورية بالقواعد التي تحدد صلاحياتها وكيفية ممارستها. ومن هذا المنطلق، أرى أن فهم إمارة المؤمنين يقتضي وصل تاريخها بمضمونها الدستوري، ثم النظر في أثر هذا الوصل على العدل وحقوق المواطنين.

أ- البيعة في التاريخ المغربي ومعنى الوفاء بالعهد:

من الشواهد المبكرة على حضور البيعة في تاريخ المغرب، خبر مبايعة أوربة لإدريس بن عبد الله بمدينة وليلي سنة 172هـ، كما يورده ابن أبي زرع في أخبار قيام الدولة الإدريسية. وقد ربط الخبر البيعة بتولي شؤون الجماعة، ومنها الصلاة وأحكام الناس. وتكشف هذه الرواية عن اقتران السلطة، في ذلك السياق التاريخي، بمسؤوليات دينية واجتماعية وقضائية. وتقرأ الواقعة في ظروف عصرها، مع مراعاة تطور مؤسسات الحكم ومفهوم المواطنة عبر الزمن.[2]

ويعين على فهم هذا المعنى تعريف ابن خلدون للبيعة بأنها «العهد على الطاعة»، في الفصل الذي خصصه لمعناها من المقدمة. فالعهد يستدعي الوفاء بما يرتبه من التزامات، ويمنح العلاقة بين الجماعة وإمامها مضمونا أخلاقيا يتجاوز المراسم. وفي التأصيل الشرعي، تقترن طاعة أولي الأمر بالأمانة والعدل؛ فقد تتابعت هاتان الدلالتان في الآيتين 58 و59 من سورة النساء، وجاء في السنة: «إنما الطاعة في المعروف»[3]. ومن هنا أفهم الطاعة في اتصالها بمقاصد حفظ الجماعة ورعاية مصالحها.[4]

وتكتسب وثيقة بيعة جلالة الملك محمد السادس أهمية خاصة؛ لأنها تتيح قراءة هذا الموروث في لحظة انتقال العرش سنة 1999. فهي تستحضر ولاية العهد، وتعلن التزام المبايعين بالطاعة والولاء والإخلاص، وتربط البيعة بــــ«ضمان حقوق الراعي والرعية، وحفظ الأمانة والمسؤولية». وهذه العبارة الأخيرة، في تقديري، مفتاح لفهم الوثيقة؛ إذ تجمع بين حقوق الحكم ومسؤولياته، وتمنح الوفاء بالعهد مضمونا يتصل بحماية الحقوق وأداء الأمانة.[1]

وتظهر خصوصية التجربة المغربية في استمرار حضور هذا المعنى داخل دولة تطورت مؤسساتها وقواعدها القانونية. فوثيقة سنة 1999 تؤكد مكانة البيعة في الذاكرة السياسية والشرعية، بينما يضبط الدستور انتقال العرش واختصاصات الملك. ويقرر الفصل 43 من الدستور قواعد الوراثة الملكية، بما يستلزم التمييز بين الوظيفة التاريخية والشرعية للبيعة وبين التنظيم القانوني لخلافة العرش.[5]

ب- إمارة المؤمنين في البناء الدستوري:

حدد دستور 2011 موقع المؤسسة الملكية ضمن نظام وصفه الفصل الأول بأنه «ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية»، يقوم على فصل السلط وتوازنها وتعاونها. وترد الملكية الدستورية ضمن الثوابت الجامعة إلى جانب الدين الإسلامي السمح والوحدة الوطنية متعددة الروافد والاختيار الديمقراطي. كما يجمع الفصل 175، في الحماية من المراجعة الدستورية، بين الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي والنظام الملكي والاختيار الديمقراطي والمكتسبات في مجال الحقوق والحريات الأساسية.[6]

وفي هذا البناء، يحدد الفصل 41 صفة الملك أميرا للمؤمنين، وحاميا للملة والدين، وضامنا لحرية ممارسة الشؤون الدينية. ويقرر رئاسته للمجلس العلمي الأعلى، الذي ينفرد بإصدار الفتاوى المعتمدة رسميا بشأن المسائل المحالة إليه، ويبين أن الصلاحيات الدينية المخولة للملك حصريا بمقتضى هذا الفصل تمارس بواسطة ظهائر. فالدستور يحدد مجال إمارة المؤمنين وأدوات ممارسته، ويقرن حماية الدين بضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية.[7]

أما الفصل 42، فيحدد مهام الملك بصفته رئيسا للدولة ورمزا لوحدة الأمة وضامنا لاستمرار الدولة وحَكَما أسمى بين مؤسساتها. ويعهد إليه بالسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وصيانة الاختيار الديمقراطي والحقوق والحريات، وينص على ممارسة هذه المهام من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور. ويتيح التمييز بين الفصلين قراءة الاختصاصات بحسب أساسها ومجالها، مع اجتماع الصفتين الدينية والدستورية في شخص الملك.[5]

ومن الشواهد العملية على التفاعل بين المرجعية الدينية والعمل المؤسساتي، الخطاب الملكي أمام البرلمان في 10 أكتوبر 2003 بشأن إصلاح مدونة الأسرة. فقد ربط الملك الإصلاح بمقاصد الإسلام والاجتهاد في إطار المذهب المالكي، وقرر عرض المشروع على البرلمان لما يتضمنه من التزامات مدنية. وتبرز في هذا المثال إمكانية وصل التأصيل الشرعي بالعمل التشريعي، مع جعل حماية الأسرة ورفع الحيف عنها غاية للإصلاح. كما يذكرنا بأن قراءة إمارة المؤمنين تستفيد من دراسة كيفية اشتغالها في قضايا المجتمع.[8]

ج- العدل واستقلال القضاء في معنى الولاء:

ويمتد هذا النظر إلى البعد القضائي، حيث يمنح الدستور للملكية وظيفة محددة في حماية استقلال السلطة القضائية. فالفصل 107 يجعل الملك ضامنا لهذا الاستقلال، والفصل 115 يقرر رئاسته للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. ويضع الفصلان 109 و110 مقتضيات لحماية مهمة القضاء ومنع التدخل غير المشروع فيها، ولإلزام قضاة الأحكام بتطبيق القانون تطبيقا عادلا. وتحدد هذه النصوص مضمون الصلة بين المؤسسة الملكية والقضاء في إطار الضمانات الدستورية.[9]

ويكتمل هذا المعنى بالفصل 124 الذي يقرر أن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون. وتقرأ هذه الصيغة مع مقتضيات الاستقلال والتجرد، ومع وظيفة القاضي في حماية الحقوق والحريات والأمن القضائي الواردة في الفصل 117. وأرى أن الوفاء للمؤسسة الملكية في المجال القضائي يجد تعبيره العملي في نزاهة الحكم والمساواة بين المتقاضين، وفي قدرة القضاء على إنصاف صاحب الحق وفق القانون.[9]

ومن هنا نلتزم بالولاء للملكية المغربية وإمارة المؤمنين، وبالوفاء والطاعة في المعروف لأمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله. وينبع هذا الموقف من اقتناع بقيمة البيعة في الوفاء بالعهد، وبمكانة الملكية في وحدة البلاد واستمرار مؤسساتها. وأجد وجه هذا الولاء في التزام يترجم إلى احترام الدستور والقانون، وصيانة الأمانة، والإخلاص في خدمة الوطن والعدل.

وفي أفقها الوطني، تتسع الملكية الدستورية، بوصفها ثابتا جامعا، لسائر المغاربة على اختلاف مشاربهم وتنوع روافد هويتهم. ويؤكد الفصل 46 واجب توقير الملك واحترامه، فيما يلزم الفصل 37 جميع المواطنات والمواطنين باحترام الدستور والتقيد بالقانون، ويربط ممارسة الحقوق بأداء الواجبات. وتمنح هذه المقتضيات للرابطة الوطنية أساسا مؤسسيا مشتركا، تتعدد داخلَه صور التعبير عن الوفاء والانتماء.[10]

وعلى هذا الأساس، أعتبر الولاء لجلالة الملك محمد السادس وإمارة المؤمنين التزاما أخلاقيا ووطنيا يتجدد بالعمل. فالوفاء الذي أعتز به يدعوني إلى أداء واجبي بإتقان، وإلى احترام حقوق الناس، والحرص على وحدة المغرب واستقرار مؤسساته. وحين يستند هذا الوفاء إلى معرفة بالتاريخ ووعي بالدستور، يكتسب معناه في حياة المواطنين، وفيما يقدمه كل واحد منهم من خدمة صادقة لوطنه.

المراجع والإحالات:

[1] وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع التواصل، خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، المجلد الأول 1999–2001، ضمن مجموعة 25 سنة من الخطب والرسائل، 2024، «مراسيم تقديم البيعة لجلالة الملك محمد بن الحسن بن محمد»، الرباط، 23 يوليوز 1999، ص 25–26.

[2] ابن أبي زرع، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، أخبار إدريس الأول؛ نقلا عن مقال «العرش العلوي في العهد الحسني من عهد البيعة إلى الديمقراطية إلى التنمية إلى الوحدة» لأحمد بودهان، مجلة دعوة الحق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، مارس 1994، العدد 302.

[3] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم 1840، رواية علي بن أبي طالب، وفيه «إنما الطاعة في المعروف».

[4] عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، الباب الثالث من الكتاب الأول، الفصل التاسع والعشرون “في معنى البيعة”.

[5] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصلان 42 و43. صدر الأمر بتنفيذه بالظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص 3600 وما بعدها.

[6] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصلان 1 و175.

[7] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 41، الباب الثالث المتعلق بالملكية.

[8] خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية من الولاية التشريعية السابعة، الرباط، 10 أكتوبر 2003.

[9] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 107 و109 و110 و115 و117 و124.

[10] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 1 و37 و46.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط