الأسرة الرائدة.. التعليم يبدأ من البيت

الأسرة الرائدة.. التعليم يبدأ من البيت
الخميس 4 شتنبر 2025 - 23:04

مع كل دخول مدرسي، يعود النقاش حول أزمة التعليم في المغرب. وغالبا ما تتوجه أصابع الاتهام إلى المدرسة العمومية باعتبارها عاجزة عن أداء رسالتها. غير أن هذا التشخيص، وإن كان يحمل جزءا من الحقيقة، يغفل عنصرا محوريا في معادلة التربية: الأسرة. فالتلميذ لا يتعلم فقط بين جدران القسم، بل يحمل معه رصيدا قيميا وتربويا مصدره الأول البيت، حيث تشكل الوالدية الإيجابية الركيزة الأساس لأي نجاح مدرسي.

الوالدية الإيجابية.. أكثر من لوازم مدرسية

الوالدية الإيجابية لا تعني الاكتفاء بتوفير الطعام واللباس والكتب، بل هي قبل ذلك أسلوب حياة يقوم على الإصغاء، التشجيع، الرعاية العاطفية، وضع القواعد الواضحة، والمشاركة الفعلية في مسار التعلم. فالأسرة التي تسهر على متابعة أبنائها يوميا، وتدعمهم في لحظات التعثر، وتفتح أمامهم باب الحوار والنقاش، تمنح المدرسة شريكا حقيقيا في إنجاح مهمتها التربوية. أما حين تنسحب الأسرة وتُلقي بالعبء كاملا على المعلم والإدارة، فإن أفضل المناهج والبرامج تظل محدودة الأثر.

حين تغيب الأسرة.. الحصيلة هشة

واقع الحال في المغرب يكشف أن العديد من الأسر تعتبر أن دورها ينتهي بمجرد تسجيل الأبناء في المدرسة. النتيجة هي ضعف متابعة الواجبات المنزلية، وانقطاع التواصل مع المعلمين، وترك التلميذ في عزلة تربوية قد تؤثر على مستقبله. الأخطر أن بعض السلوكات السلبية داخل البيت، مثل العنف أو الإهمال، تهدم ما تبنيه المدرسة يوميا. وهنا يظهر أن أزمة التعليم ليست مدرسية فقط، بل هي أيضا أزمة والدية.

المدارس الرائدة.. إصلاح يحتاج سندا أسريا

لا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي رافقت مشروع المدارس الرائدة، سواء من خلال تجهيزات رقمية حديثة، أو تكوين معمق للأساتذة، أو مواكبة بيداغوجية متواصلة. هذه المبادرة أعطت إشارات إيجابية على إمكانية استعادة ثقة المجتمع في المدرسة العمومية. ومع ذلك، فإن نجاحها لن يكتمل دون وجود أسر رائدة ترافق أبناءها وتمنحهم الدعم. فالتعليم عملية تشاركية بطبيعتها، وليست خدمة جاهزة تقدمها المدرسة بمعزل عن الأسرة والمجتمع.

شهادات من الميدان

تقول فاطمة، وهي أم لتلميذ في المستوى السادس ابتدائي: “أحرص يوميا على مراجعة الدروس مع ابني، وأخصص وقتا للحوار معه حول ما تعلمه في المدرسة. أؤمن أن نجاحه لا يصنعه الأستاذ وحده، بل يحتاج أيضا إلى دعمي وتشجيعي”.

في المقابل، يرى سعيد، أب لطفلين، أن انشغالات الحياة اليومية تشكل عائقا حقيقيا: “أعود متأخرا من العمل وأجد صعوبة في متابعة دراسة أبنائي. لكني أحاول تعويض ذلك في عطلة نهاية الأسبوع بقراءة قصص معهم ومتابعة نتائجهم المدرسية”.

هذه الشهادات تعكس واقع الأسر المغربية بين وعي متزايد بأهمية دورها وصعوبات عملية تحد من قدرتها على المواكبة المنتظمة.

الأسرة والمدرسة.. تحالف لا مواجهة

المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات بين الأسرة والمدرسة، بل بناء تحالف تربوي حقيقي. على الأسر أن تحضر مجالس الآباء، وأن تشجع أبناءها على القراءة والمثابرة في البيت. وعلى المدرسة أن تفتح قنوات تواصل فعالة، وتضع رهن الأسر تكوينات وأدوات تساعدها على القيام بدورها. فالتكامل بين الطرفين هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة.

دروس من التجارب الدولية

تجارب بلدان رائدة مثل فنلندا وكندا تؤكد أن إشراك الأسر في العملية التعليمية عامل حاسم في جودة التعلمات واستدامة الإصلاح. إذ يتم النظر إلى الآباء باعتبارهم شركاء في صنع المدرسة، لا مجرد متفرجين. والمغرب ليس استثناءً، فنجاح مشروع المدارس الرائدة أو الإعداديات الرائدة لن يتحقق إلا بوجود أسر رائدة تمارس والدية إيجابية وتمنح أبناءها كل فرص النجاح.

نحو رؤية جديدة للتعليم

في النهاية، أزمة التعليم في المغرب ليست في المدرسة وحدها، ولا في الأسر وحدها، بل في العلاقة المتوترة بين الاثنين. وإذا كان المغرب يراهن على الإصلاحات الكبرى لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، فإن الرهان الأكبر يظل على الأسرة الرائدة التي تتحمل مسؤوليتها كاملة وتواكب أبناءها. عندها فقط يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة، لبناء مدرسة مواطنة وأسرة مسؤولة ومجتمع متضامن.

-أستاذ التعليم العالي، مركز تكوين مفتشي التعليم

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • MC
    الجمعة 5 شتنبر 2025 - 20:04

    « .Il faut tout un village pour élever un enfant »
    يحتاج تعليم الطفل إلى قرية كاملة (أي تعاون المجتمع والأسرة والمدرسة).
    (مثل أفريقي مشهور)

    “الطفل لا يحمل حقيبته وحدها إلى المدرسة، بل يحمل في داخله صدى البيت وأثر الأسرة.”

    أستاذ محمد،

    قرأت مقالك القيّم عن دور الأسرة في إنجاح المدرسة بكثير من الاهتمام. لقد أصبت حين لفتّ النظر إلى أن المسؤولية التربوية لا تنحصر بين جدران القسم، بل تبدأ منذ صباحات البيت الأولى، حيث الكلمة الطيبة والمتابعة اليومية والتشجيع الصادق. فالتلميذ الذي يختبر دفء الأسرة وإصغاءها، يدخل القسم أكثر ثقة واستعداداً للتعلم، بينما ذاك الذي يفتقر إلى السند المنزلي يعاني عزلة تربوية مهما اجتهد المدرس. كما أن المدرسة، كي تؤدي رسالتها على الوجه الأمثل، تحتاج شريكاً لا غريماً، وشريكها الطبيعي هو الوالدان بوعيهم ورعايتهم ومرافقتهم لأبنائهم. إن الإصلاح التعليمي في جوهره ليس “مشروع مدارس” فقط، بل مشروع مجتمع يبدأ من البيت ويمتد إلى المدرسة وينعكس على الوطن.

    “التربية ليست نقل معلومات، بل بناء أُسس الإنسان في البيت قبل المدرسة.”

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الجمعة 5 شتنبر 2025 - 20:15

    صحيح هناك عوامل متعددة لانجاح ونجاح العملية التربوية التي هي في الاساس الوصل الى ادماج الطفل في الحياة العملية لانه الهدف الاسمى والهدف الرئيسي الذي يتمناه كل اب وام للوصول اليه .العامل الاول هو قدرات الطفل الذكائية بحيث الله سبحانه وتعالى يهب بعض الاطفال وغالبا ما تكون قليلة ذكاء حادا لا يعتمد كثيرا على اسرته ,وثانية الوضع الاجتماعي والمالي والنفسي لهذه الاسر بحيث الاسر التي تعيش الصراع الداخلي بين الاب والام يؤثر كثيرا على الاطفال اما الايتام واطفال من ابوين مطلقين فحدث ولا حرج وتاتي المدرسة لتعالج بعض الافات الاجتماعية وتساعد الطفل ليتجاوز بعض الحلات النفسية ويندمج في العملية التربوية وهناك في الدول المتقدمة موظفون كثر في المدارس يقومون بهذه الوظائف لتخفيف معاناة الاطفال الذين يعيشون اوضاعا اجتماعية خطيرة والدول الغربية تضع ميزانيات ضخمة من اجل انقاذ هؤلاء الاطفال لان المجتمعات الغربية رغم تفوقها المادي والتربوي تعيش تفكيكا في الاسر بشكل فظيع

  • Mohamed Stitou
    السبت 6 شتنبر 2025 - 12:05

    باسم الله الرحمان الرحيم
    من وجهتي المتواضعة كمدرس واب اقول لا تكلف الاسرة ما ليس لديها الاسرة المجاهدة المكافحة في هذا الزمن توفر اللاوازم المدرسية واللباس والاكل وعلى المدرسة ان تلعب دورها الفعلي في تكوين الاطفال نظرا للوقت الذي يقضى داخل المدرسة,من هنا تحية للاباء الذين يغادرون البيت مع السادسة صباحا ويعودون مع الحادية عشر ليلا,
    كل ما قيل في هذا المقال ينطبق على فئة الموظفين الذين يشتغلون في التعليم والصحة ومختلف الادارات اما عن بقية الشعب فهناك من يعيش مع ابناءه ولم ينعم برؤيتهم يكبرون يغادر في الصباح قبل استيقاضهم ولا يعود للبيت الا بعد نومهم,
    وملي يكون عندنا دخل فنلندا وكندا ومستوى عيشهم ومستوى اسرهم ديك الساعة مرحبا
    على المدرسة ان تظاعف جهودها في التنشئة الاجتماعية وتعلم المهارات الحياتية

  • Mohammed
    الجمعة 12 شتنبر 2025 - 01:34

    لما يكون التعليم بدون مستقبل، لا الأسرة لا المدرسة لا المعلم قادر على ان يحقق نتيجة. لما يصبح التعليم قادر على تحقيق الفرق، و الصعود إلى مراتب مرموقة، الكل سينخرط كليا، متعلمين أو غير متعلمين، أغنياء أو فقراء. و شكرا

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط