الأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية تُغيب "ثقافة الادخار" لدى المغاربة

الأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية تُغيب "ثقافة الادخار" لدى المغاربة
صورة: و.م.ع
الأحد 21 أبريل 2024 - 12:00

طور المغاربة عبر التاريخ نتيجة الأحداث التي عايشوها، على غرار المجاعات والجفاف والأوبئة والحروب، التي كان لها تأثير بالغ الأثر على الوضعية الاقتصادية للأسر، ممارسات خاصة للتدبير المالي والادخار، سواء من أجل مواجهة الشدائد أو الطوارئ و”دواير الزمان”، وكذا من أجل المناسبات الدينية التي يتطلب الاحتفال بها إنفاقا مضاعفا، على غرار عيد الأضحى.

وفي وقت يجتهد الكثير من أرباب الأسر المغربية، مع اقتراب هذا العيد، من أجل اقتناء الأضحية لإدخال الفرحة والسرور على أبنائهم، رصد مهتمون تراجع ثقافة الادخار في المغرب لصالح ثقافة الاستدانة لشراء الأضاحي، مرجعين ذلك إلى التحولات المجتمعية في بنية الأسرة المغربية والظروف الاقتصادية لهذه الأخيرة.

وكشفت المندوبية السامية للتخطيط، الجمعة، أنه خلال الفصل الأول من سنة 2024 بلغ معدل الأسر التي صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا السابقة 82,5 بالمائة، فيما تحدثت 13,1 بالمائة منها عن استقراره، و4,4 بالمائة عن تحسنه. وبخصوص تطور مستوى المعيشة خلال 12 شهرا المقبلة تتوقع 56,9 بالمائة من الأسر تدهوره، و33.5 بالمائة استقراره، في حين ترجح 9,6 بالمائة تحسنه.

وفي الإطار نفسه صرحت 55,9 بالمائة من الأسر، خلال الفصل الأول من سنة 2024، بأن مداخيلها تغطي مصاريفها، فيما استنزفت 42.3 بالمائة من مدخراتها أو لجأت إلى الاقتراض. ولا يتجاوز معدل الأسر التي تمكنت من ادخار جزء من مداخيلها 1,8 بالمائة.

ممارسة قديمة وثقافة جديدة

في هذا الإطار قال محسن بن زاكور، دكتور متخصص في علم النفس الاجتماعي، إن “ثقافة الادخار كانت ممارسة متجذرة في التدبير المالي المنزلي في المغرب، نتيجة ارتفاع منسوب الوعي الادخاري لدى المغاربة مع مجموعة من الأحداث التي شهدتها المملكة في القرون والعقود الماضية، وكانت تدفعهم إلى ترشيد الاستهلاك، إذ كانوا يدخرون المال وكذا المؤونة بشكل وقائي من أجل استعمالهما في المناسبات أو في وقت الشدائد”.

وأضاف بن زاكور أن “هذه الثقافة باتت غائبة في المجتمع المغربي الحالي نتيجة مجموعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية”، مشيرا إلى أن “التخطيط المالي القبلي أو الادخار من أجل الأعياد مثلا، على غرار عيد الأضحى، انقرضا بسبب التداعيات الاقتصادية وغلاء المعيشة اليومية وارتفاع النفقات الاستهلاكية للأسرة مقابل محدودية الدخل، إذ إن الإحصاءات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط أكدت أن 7 في المائة فقط من الأسر في المغرب هي القادرة على الادخار”.

في السياق ذاته سجل المتحدث لهسبريس تراجع ثقافة الادخار العائلي من أجل عيد الأضحى وشراء الأضحية، لصالح القروض، إذ “يعمد العديد من أرباب الأسر في المغرب، غير القادرين على الادخار، إلى اقتراض المال، سواء من مؤسسات التمويل أو من المعارف، لشراء الأضاحي رفعا للحرج الذي قد يلحقهم، وذلك بغض النظر عن وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية”.

وخلص الدكتور المتخصص في علم النفس الاجتماعي إلى أن “تعقيدات الحياة، خاصة في صفوف الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل في المغرب، والميل إلى الاستهلاك، أضف إلى ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة والتحولات الاجتماعية في بنية الأسر، كلها عوامل لا تسمح بالادخار، وانمحت معها هذه الثقافة مقابل ظهور ثقافات أخرى جديدة”.

تقاليد راسخة وتحولات اجتماعية

خالد التوزاني، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، قال إن “انتشار ثقافة الادخار بين المغاربة عند اقتراب المناسبات الدينية، وعلى رأسها عيد الأضحى، تعود إلى تقاليد راسخة في المجتمع المغربي، متمثلة في أشكال التعامل مع المال، إذ إن العديد من المغاربة عادة ما يدخرون جزءاً من المال يُخصّص للعيد ولصلة الرحم والصدقات، وجزء آخر للطوارئ، مثل مجيء ضيف أو الإصابة بمرض، ثم جزء ثالث بعيد المدى كان يُخصص لأداء مناسك الحج والعمرة”.

وأضاف التوزاني أن “ظاهرة الادخار تعود إلى هذه العادات الراسخة منذ عصور قديمة، فقد مرت على المغرب محن وشدائد وحروب وصراعات في بعض الفترات التاريخية جعلت المغاربة يغيرون نظرتهم للمال والادخار من أجل الاستعداد الأوقات الصعبة”، موضحا أن “عيد الأضحى يمثل أحد أكثر المناسبات التي يستعد لها المغاربة بمجرد توديع شهر رمضان، إذ يعمدون إلى الاقتصاد في المعيشة بعد مرور هذا الشهر، وذلك استعداداً للعيد الذي يكون فيه ذبح الأضحية واجتماع العائلة، مع ما تتطلبه هذه المناسبة السنوية من أعباء مادية كبيرة”.

ونظراً للتحولات التي يعرفها المغرب اجتماعياً واقتصادياً، سجل المتحدث ذاته أن “بعض العادات الاجتماعية بدأت تتغير، ومنها ثقافة الادخار، إذ أصبحت بعض الأسر المغربية عوض الادخار لعدة شهور تفضل اللجوء إلى القروض البنكية لتوفير تكاليف عيد الأضحى، بسبب إغراء الخطاب الإشهاري الذي يروّج لهذا النوع من القروض، ونقص التأطير العائلي والتوجيه من قبل الأقارب”.

وأورد المصرح لهسبريس أن “إحياء ثقافة الادخار في أوساط الأسر الصغيرة يمثل اليوم ضرورة ملحة لتأهيلها نفسياً واجتماعياً بمعرفة العادات الراسخة لدى الآباء، وعلى رأسها قاموس الادخار والاستثمار والاستعداد للزمن الصعب، إذ تحفل لغة المغاربة بعبارات دالة على ذلك، تم تمريرها بين الأجيال عبر الحكم والأمثال والقصص الشعبية، ويتداولها المجتمع المغربي على أوسع نطاق؛ غير أن ابتعاد المغاربة، خاصة الشباب منهم، عن هذه الثقافة الوطنية، جعلهم يعيشون في عزلة عن هويتهم المغربية”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

19
  • مول زريعة
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:06

    صافي ما بقى جميع داكشي لي كانو باغيين باش ديما نبقاو فقراء ومنفكروش بزاااف ، نبقى واحلين غي مع المصروف ،ولكن ربي كبير حتى عند الله ،. وتلك الأيام ندولها بين الناس

  • الصراحة
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:08

    گالن ناس زمان (( أنا نشكي ليه بلعگر أي العقم و هو ايگول لي ٱش خبار دراري)) الناس بالمانضة و كا تكمل الشهر بلكريدي و واحد كيگولك الناس ما عندهاش ثقافة الإدخار بالله عليكم ٱش غيداخرو ؟؟؟

  • said
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:17

    هذا اسمه الضحك على الذقون. الإنسان لايكمل الشهر الا بالفاتحة وهناك من يتقاضى اجرت لايتعدى 600 د في الشهر ويقولون لك ثقافة الادخار غائبة عند المغاربة سبحان الله

  • فاطمة الزهراء
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:20

    من بين أكثر الأسباب الكارثية للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والمعيشة للأسر المغربية خاصة في المناطق الشمالية و الشرقية وربما جميع المناطق هو أنه بعدما قام مسؤول الدولة المغربية بغلق حدود سبتة ومليلية مصدر معيشة مليون أسرة دون خلق فرص شغل كبديل للمواطنين،هؤلاء المسؤولين لم يريدون أن يتعبوا أنفسهم يغلقون متى يشاؤون أبواب مصدر الأرزاق ولن يفتحوها،خدمة لمصالحهم ومشارعهم والشعب يموت أو يهاجرو،إنهم لا يبالون.

  • ميمون
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:25

    هذه الحكومة جعلت الكل يعاني الفقر والغلاء…

    لم يستفد معهم سوى مشاريعهم وشركاتهم…

    أفشل حكومة في التاريخ…

    نصف المهندسين الذين أعرفهم يستعدون للهجرة لكندا…

    المهندس صار جد فقير ولا يستطيع حتى إشباع بطنه…

  • الادخار والاستثمار
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:32

    الادخار اكبر غلط ممكن للإنسان ان يقوم به خاصة في البنك، اما الادخار فقط للاستثمار من بعد فهو امر جيد.
    لكن أنا انصح بالاستثمار سواء بشراء الأراضي او بالبيع او الشراء او انشاء مصانع … في الحلال وبدون ربا.
    لايجب ان نكون حشمانين من البيع والشراء، أنا موظف ومكرهتش يكون عندي مدخول آخر حتى وان اضريت لان أبيع في السوق. لان الله احل البيع وحرم الربا.

  • يوسف ب
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:36

    الادخار اخر شيء يمكن ان نتكلم عليه الان .
    فالمواطن المقهور يعيش كوابيس الفواتير و المصاريف الضرورية والثانوية والاقساط ومطالب الأبناء التي لا تنتهي وووووووووووو

  • Imaginaire
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:39

    كاين شي ناس عايشين بحال ومع لمغاربة وعارفين آش كاين وتيهضرو على مشاكل لمغاربة وكاين لي عايشين في الخيال وداوين طول وعرض على تخيلات

  • المحجوب
    الأحد 21 أبريل 2024 - 12:48

    في ظل هذه الظروف الصعبة إذا اعتمد الإنسان على مدخول واحد فلن يستطيع التغلب على التكاليف المادية للحياة…أنا كموظف لاتكفيني أجرتي لسد مختلف حاجياتي اليومية..أحاول أن أكمل ماتبقى بالبيع والشراء في الحلال طبعا.

  • Hicham
    الأحد 21 أبريل 2024 - 13:22

    المغاربة الأجراء والموظفين العموميين وكذا أصحاب المهن الحرة هم ديناموا وقلب الحركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المغربية وهم من وجب دعمهم في العطل الرسمية خصوصاً من له أبناء عبر مكافآت سنوية تقدر في كل عطلة شتوية بعشرة آلاف درهم وفي العطل الصيفية بخمسين ألف درهم
    لما ينتظرهم من دخول مدرسي.
    وبهذا سوف يكون عطاءهم لهذا البلد الامين بفضل الله وفضل السياسة العامة للملك الهمام محمد السادس.
    خصوصأ أنهم ساهموا في تخفيض التضخم الاقتصادي الذي هوى بدول الجوار .
    والله المستعان
    والله ولي التوفيق والسداد.

  • متقاعد
    الأحد 21 أبريل 2024 - 13:29

    ثقافة الادخار لبعض المغاربة ؟؟؟ أين هي؟؟؟ الحمذ لله اذا ما اكملنا معاشنا واجرة الموظف المتوسط والفقير حتى اقتراب الشهر … لم يعد يكفي هذا الأجر والمعاش حتى لنصف شهر…. اما الادخار فهو بعيد المنال…..

  • همهم بطونهم والتفاهة
    الأحد 21 أبريل 2024 - 13:57

    الاسباب المنطقيق هي ان اولويات الاغلبية الساحقة همهم بطونهم ومواقع التواصل التافهة ( الاكل في الزناقي في اي زمان والانخراطات الانترنيت بدون فاءدة …)

  • سعدون المغربي
    الأحد 21 أبريل 2024 - 14:05

    دابا اذا بغيتي تدخر خاصك تكون طلاب لان الطلاب كيجمع بلا ما يخسر حتى ريال كل شي من باب الطلبة

  • ما فاهم والو
    الأحد 21 أبريل 2024 - 14:17

    السلام عليكم الادخار فيما مضى ممكن اما الان ؟؟؟!!!من الصعب او المستحيل ان تدخر المال ؟؟؟!!لان المعيشة ارتفعت ب150بالماءة؟!!!ماذا تدخر إلى كملت الشهر انت راك محضوض؟؟؟!!تدخر إلى كنت لص ؟؟؟!!وانتهى الكلام

  • سمية
    الأحد 21 أبريل 2024 - 19:45

    يصعب الادخار في الوقت الحالي بسبب الارتفاع المهول في اثمنة المواد الأساسية وقلة ذات اليد بالنسبة لكثير من الأسر. أما الموضفين فيصعب عليهم الادخار في ضل جمود الأجور. أضف إلى هذا تغير نمط الحياة الذي يتسم ببروز ثقافة الاستهلاك من هواتف وعطل وملابس اخر موضة والاكل في الشارع.

  • Abdo1
    الأحد 21 أبريل 2024 - 19:53

    المجتمع المغربي أصبح اليوم مجتمعا استهلاكيا بكل المقاييس بل و يستهلك أكثر مما يحتاج..الزحام في كل مكان في كل شيء…المغربة عندهم الفلوس…كلما يعرض يباع الناس تقترض، تسرق. تنصب على بعضها المهم توفير المال و الظهور بمظهر الغني و المستهلك لكل السلع…نحن نسير إلى الهاوية أكيد…

  • مصطفى
    الأحد 21 أبريل 2024 - 22:39

    تنجمعوا رزقنا للتقاعد في أخر المطاف سرقوا لينا الصناديق نعمة الادخار

  • عينك ميزانك
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 07:35

    لا مجال للدخار عند المغاربة و اغلبهم يتلقى اجور جد هزيلة لا تلبي الا حتى اساسيات الحياة الكريمة بهدا نجد انتشار التسول في جل مناطق المغرب

  • السيدة خديجة
    الإثنين 22 أبريل 2024 - 14:54

    راه تنكملو الشهر بالكريدي والتقشف قالك الادخار راه عن تجربة في حالة حادت او مرض فجائي نلتجء للعائلة وشي تيعاون شي ما كاين لا ادخار لا والو

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 7

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما