الاحتجاجات الشبابية في المغرب..

الاحتجاجات الشبابية في المغرب..
الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 18:53

أزمة تمثيلية في ظل ديمقراطية تشاركية معطّلة

حين كُتب دستور 2011، بدا وكأنه يفتح نافذة نحو مغرب جديد، مغرب يتجاوز الصيغة الكلاسيكية للديمقراطية التمثيلية، ويتبنى نموذجًا أكثر انفتاحًا على مشاركة المواطن في تدبير الشأن العام. لم يكن الأمر مجرد تنقيح شكلي للنصوص، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال ما سُمي بـ”الديمقراطية التشاركية”، كآلية لإشراك الأفراد – وخصوصًا فئة الشباب – في صياغة القرار العمومي.

نص الدستور على أدوات واضحة تتيح للمواطنين لعب أدوار مباشرة: العرائض، والملتمسات، والهيئات الاستشارية المحلية، ومجلس الشباب والعمل الجمعوي. كل هذه الآليات جاءت لتقول إن المواطن ليس فقط ناخبًا في موسم انتخابي عابر، بل هو فاعل دائم في صناعة السياسات. غير أن هذه الوعود، بعد أكثر من عقد من الزمن، ظلت في معظمها حبرًا على ورق، أو مشاريع مؤجلة لم تدخل حيّز الفعل.

الديمقراطية التشاركية التي وعد بها النص الدستوري، لم تتحول إلى ممارسة مؤسساتية راسخة. لم تُفعَّل أدواتها بشكل منهجي، ولم تُواكب بثقافة سياسية تستوعب منطقها المختلف. بقيت رهينة مقاربات تقنية، تُختزل أحيانًا في وثائق إدارية أو إجراءات شكلية، بدل أن تكون مشروعًا سياسيًا حقيقيًا يعيد الاعتبار للمواطن باعتباره شريكًا لا مجرد متلقي للقرار.

لنأخذ على سبيل المثال العرائض والملتمسات، وهما آليتان أساسيتان في بنية المشاركة التشاركية. فرغم صدور القوانين المؤطرة لهما، إلا أن شروط التقديم تظل معقدة، والمساطر الإدارية المرتبطة بهما مرهقة وغير محفزة. بل إن عددا من المبادرات التي حاولت تفعيل هذه الآليات واجهت صعوبات في الوصول إلى مراحل متقدمة من التفاعل المؤسساتي، ما أفرغها من مضمونها وأفقد المواطنين الثقة في جدواها.

أما على المستوى الترابي، فقد تم التنصيص على هيئات التشاور داخل المجالس المنتخبة، كجسور بين المنتخبين والمجتمع المدني، إلا أن تفعيلها ظل جزئيا، وغالبا ما تم التعامل معها كآلية استيفاء للشكل، لا كمساحة حقيقية للنقاش والتأثير. عوض أن تكون فضاءً لإشراك الشباب والمجتمع المدني في التفكير العمومي المحلي، تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات صورية، تفتقر إلى الاستقلالية والفعالية.

وتتجلى أكبر المفارقات في مصير مجلس الشباب والعمل الجمعوي، الذي نص عليه الفصل 33 من الدستور كمؤسسة تمثيلية واستشارية تعكس تطلعات الشباب وتشارك في بلورة السياسات العمومية المرتبطة به. بعد أكثر من عشر سنوات، لم يُفعّل المجلس، ولم تحدد هياكله، ولم يُطرح للنقاش العمومي الجاد، مما جعله رمزًا لفشل تنزيل أحد أهم مقتضيات الديمقراطية التشاركية، وأحد أبرز عناوين الأزمة التمثيلية التي تعيشها فئة الشباب.

في ظل هذا الواقع، يصبح من المفهوم أن يتجه الشباب نحو مساحات تعبير بديلة، خارج الأطر الرسمية. الاحتجاجات في الشارع، المبادرات الرقمية، الحملات المدنية عبر المنصات، كلها مظاهر لحيوية شبابية تبحث عن صوت، وتطالب بموقع داخل الخريطة السياسية والاجتماعية. ليس في الأمر خروج عن القانون أو رفض للمؤسسات، بل تعبير عن فراغ مؤسساتي لم يتم ملؤه بالقنوات التي وعد بها النص الدستوري.

الأحزاب السياسية، التي كان يُفترض أن تؤطر هذه الطاقات وتفتح أمامها آفاق المشاركة، لم تنجح في تجديد آلياتها ولا في مواكبة تحولات المجتمع. ظلت في كثير من الحالات رهينة ممارسات تقليدية، وإيقاعات بطيئة، وخطابات لا تلامس قضايا الجيل الجديد. أما الجمعيات، فعلى أهميتها، لم تستطع أن تعوض غياب المؤسسات الدستورية، ولا أن تؤدي دور الوساطة بشكل فعّال في غياب الدعم والاعتراف الوظيفي بها.

ما يحدث اليوم هو أن الديمقراطية التشاركية، بدل أن تكون بديلًا يعيد الثقة في العمل السياسي، تحولت إلى مشروع معلّق، بل إلى عنوان إضافي لأزمة الثقة. فحين يُطلب من الشباب أن يشارك، ثم لا يجد الأدوات، وحين يُحث على الانخراط، ثم لا يُستمع إلى صوته، تصبح الدعوة إلى المشاركة شكلية، ويصبح الانسحاب أو التعبير خارج المؤسسات نتيجة منطقية لا تمردًا غير مبرر.

لكن رغم هذا السياق المحبط، لا تزال الفرصة قائمة. فالمجتمع المغربي، بكل مكوناته، أثبت في أكثر من مناسبة أنه قادر على التفاعل الإيجابي حين تُفتح أمامه قنوات واضحة وذات مصداقية. المطلوب اليوم ليس فقط تفعيل النصوص، بل إعادة بناء ثقافة سياسية جديدة، تُؤمن بأن المواطن شريك لا تابع، وأن الديمقراطية لا تكتمل بالانتخابات وحدها، بل بالتشاركية اليومية في اتخاذ القرار.

إنّ تأهيل الديمقراطية التشاركية في المغرب يمرّ عبر مسارين متوازيين: الأول مؤسساتي، يقتضي الإسراع في تفعيل الآليات الدستورية المعطلة، وتبسيط شروط الولوج إليها، ومنحها صلاحيات حقيقية. والثاني ثقافي، يقوم على بناء الثقة مع المواطن، وتشجيعه على المبادرة، وإشراكه في كل مراحل صناعة القرار، لا في لحظة التشاور فقط.

إن الشباب المغربي لا يرفض المؤسسات، بل يبحث عن مؤسسة يجد نفسه فيها. لا يخاصم السياسة، بل يطالب بسياسة تفهم لغته، وتفتح أمامه آفاق الفعل والتأثير. وإن لم يتحقق ذلك عبر القنوات الرسمية، فإنه سيعيد ابتكار أدواته، وسيعيد كتابة شروط مشاركته، بطريقته الخاصة.

في النهاية، لا يُقاس نجاح الديمقراطيات بوفرة النصوص، بل بقدرة تلك النصوص على التحول إلى ممارسة حية، تشعر فيها كل فئة – وأولها الشباب – بأنها ليست فقط معنيّة بالسياسات، بل مساهمة في صناعتها، ومسؤولة عن نتائجها.

-باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Kouaouchi abdelkrim
    الجمعة 17 أكتوبر 2025 - 23:31

    C’est un excellent article et un sujet d’actualité qui analyse en profondeur les difficultés de la participation des jeunes Marocains à la conception, la mise en œuvre et l’évaluation des politiques publiques qui les concernent directement. Il met en lumière les obstacles institutionnels, politiques et culturels qui freinent leur implication, ainsi que la nécessité d’une volonté politique réelle pour renforcer leur rôle dans la vie publique et la démocratie participative au Maroc.
    Bonne continuation.

    L’échec de la démocratie participative au Maroc n’est pas seulement juridique ou institutionnel : il est aussi culturel et politique : le pouvoir reste fortement centralisé, les citoyens surtout les jeunes manquent d’information et d’éducation civique, et les associations sont faibles, s y ajoute le manque de confiance dans les institutions et les difficultés économiques.

    Quant à la création du Conseil de la jeunesse cela suppose une volonté politique réelle et un changement de

صوت وصورة
وزير النقل يؤكد مواصلة الإصلاح
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32

وزير النقل يؤكد مواصلة الإصلاح

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 4

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:08 1

أكاديمية المملكة تطلق "دار عوالم الكتاب"

صوت وصورة
المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 10:30 3

المزواري يتسلم قطاع الصيد البحري

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 4

بدون عنوان | العنف ضد الرجال