الاستلاب المضاد

الاستلاب المضاد
الإثنين 23 يناير 2017 - 18:00

استلاب القوي للضعيف حضاريا ومدنيا شيء موجود ومعروف. واقتفاء الضعيف للقوي واقتدائه به بفعل الانبهار أيضا سلوك قديم وعادي،، وتبقى ممارسات التقليد والتشبه في المظهر والفكر والسلوك أهم مظاهر هذا الاستلاب.. أما الغريب فهو “الاستلاب المضاد”، أي استلاب الضعيف للقوي..

ومن مظاهر ما يمكن أن يصنف/يفسر “استلابا عكسيا” يثيره الضعيف الفقير الأمي لدى القوي الغني المتعلم، في معترك أقوى وأوضح صراع حضاري عرفه التاريخ، من مظاهر ذلك أن تجد رغبة عارمة عند غير المسلمين(الكتابيون بالدرجة الأولى) في التواجد في دور عبادة المسلمين، وأخذ صور فيها، والخضوع لـ”قوانينها” كخلع الأحذية أو “تغطية الرأس”… على خلاف تعالي المسلمين وترفعهم عن مجرد الاحتكاك بدور عبادة غيرهم،، مع إيمان وانفتاح وتفهم المسلمين لباقي الديانات السماوية الأصلية في إطار وحدة المصدر واستمرارية الدين، مقابل كفر هؤلاء الكتابيين بدين المسلمين وعنادهم في الاعتراف به، مع أنه هو الخاتم والمهيمن في سيرورة الأديان السماوية الموجب الانسجامُ بالإيمان بها الإيمانَ به نسقيا كنسخة متأخرة خاتمة محينة معدلة للنسخ السابقة!!..

إن عزة المسلم -على فقره وضعفه الحاليين- تأنف أن يوصف بغير المسلم، ولو علا شأن صاحب الوصف المشبه به في الوقت الراهن.. بل إنه(التشبيه) يعتبر سُبة لا يتجاوزها المشتوم، في حين لا يجد غير المسلم غضاضة حين “قذفه” بالإسلام!!..

إن المسلم ليأنف من مجرد ارتداء أي لباس يحمل صليبا أو أي شعار يمجد غير الإسلام، كما يستنكف أن يحمل أي شيء يمكن أن يفسر مناهضة لتعاليم الإسلام ومعارضة لها، حتى لو راق هذا اللباس/الشيء المسلمَ، أو وجده مجانا، مع حاجته، في حين لا يجد غير المسلم -الغني- حرجا من ارتداء لباس راقه ولو حمل رمزا ممجدا للإسلام.. ولا يمكن أن يفسر أحد هذا تسامحا، لأن تمجيد دين يوجب اتباعه، بحيث لا يستقيم بتاتا -من المنطلق الفلسفي لمفهوم الدين- الثناء على دين واعتناق دين آخر، ذلك أن التعدد في الصحة في مجال الدين محال..

من مظاهر العزة أيضا أن نسبة كبيرة من شعوبنا تعرف مواقع بلدانهم، وحدودها، وأهم مدنها، وأعلامهم السياسية والرياضية والفنية، ونظم حكمهم، وعلومهم، وتقنياتهم، والكثير من مقومات حياتهم(الاستلاب)… غير أننا في نفس الوقت نجهل أبسط المعطيات عن مبادئ أديانهم سواء العقدية أو التعبدية أو التشريعية، زهدا فيها واستعلاء عليها وترفعا عنها، مع أن قوتهم العلمية والتقنية والاقتصادية والعسكرية، بل وحتى حسن معاملتهم وسمو تعاملهم، كل هذا كفيل -موضوعيا- أن يكون حافزا يغري الضعيف بالبحث عن الوازع في دين القوي(مقِيد الإخلاص والحرص والإتقان والتجويد والسمو…) قصد الاقتداء.. فللناس(الأقوياء) دين، والمفترض أنه هو الباعث الخالص الذي يحكم تصرفات المؤمنين به ويضبطها ويوجهها.. المفارقة أن هؤلاء المسلمين الضعفاء، بقدر حضور الدين كأهم مكون في حياتهم ووجدانهم(على الأقل على مستوى “الادعاء”)، إلا أنهم يهتمون بكل شيء لذاك القوي على الإطلاق، إلا دينه، فهم لا يعيرونه أدنى اهتمام إطلاقا.. بكل بساطة لأنهم يؤمنون أنه محرف، باطل، غير صحيح،، وأن المدنية المتربع على عرشها هنا هي حصيلة المراقبة والمساءلة البشريين، وأن دينهم، عكس ذلك، فيه بذور خرابهم،، ولو بعد حين..

كل هذا في مقابل صورة معكوسة من الوجهة المقابلة.. فرغم الفرص المتاحة، والظروف السانحة، والأحوال الجيدة المساعدة على المعرفة والإحاطة، فإن غالبية شعوبهم -بما يمتلكون من مستويات تعليمية- يجهلون كل شيء تقريبا عنا مما ذكر أعلاه أننا نعلمه عنهم، ويهتمون فقط بديننا حيث يعرفون عنه ما لا نعرف نحن أحيانا -الاستلاب المضاد-(لا نتحدث عن الأكاديميين المتخصصين الذين يشكل ذلك جزء من مهماتهم)، رغم التعتيم الذي يحاول اللوبي الإعلامي العالمي المسيطر أن يشمله(الدين) به ويلفه فيه..

كثير من عوامهم وشعوبهم الناقمة يتعرضون للتعريض ببعض الآيات القرآنية الكريمة(المتعلقة بالمرأة والجهاد على وجه الخصوص) بما يدلل أنهم يعرفونها، أما نحن فلا نذكر مضمون سِفر ولا محتوى إصحاح!!..

لا يمكن تفسير إحاطتنا بمعرفة كل زوايا مدنيتهم أو رغبتنا في ذلك، وإعراضنا عن كل ما تعلق بدينهم وجهلنا به إلا بالاعتراف بحضور “استلاب مدني”، ولا يمكن تفسير تجاهلهم لكل معطياتنا المادية، مقابل إقبالهم واهتمامهم بمعرفة ديننا إلا بالإقرار بحضور “استلاب معاكس” ..

إن نسبة الدخول في الإسلام -على ضعف أهله وعِظم شأن الداخلين فيه- لهو أكبر مظهر ومؤشر على هذا الاستلاب المعاكس، مقابل عدم تغيير المسلمين لدينهم رغم الإغراءات المادية والحرية والحماية التي يمكن أن يتلقوها حال فعلوا، ورغم تواجدهم في أحضانهم..

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • الدب المغرور بنفسه
    الإثنين 23 يناير 2017 - 20:24

    «نسبة الدخول في الإسلام» … نرجسية إسلاموية !

    نسبة الدخول ! "شحال %" و ما هي الأدلة ؟
    يعني هناك دخول بدون خروج !
    كم هو عدد الذين دخلوا و خرجوا فارين بعدما فهموا ؟
    (ناهيك عن الذين لم يدخلوا و لم يخرجو: "حاصلين و ساكتين باش ما يفَيْقوش الوحش الرّاݣد! ")

    …

    «مقابل عدم تغيير المسلمين لدينهم» …

    هل لهم الاختيار تحت تهديد : "من بدل دينه فاقتلوه" ؟

    هناك أمراض وراثية و الأديان من بينها؛ الفرق يكمن في أن المصابين بهذه الأخيرة و صلت بهم "المازوشية" إلى درجة التلذذ بعلتهم و يفرحون بحالات العدوى !

    نرجسية، مازوخية، سادية … لا يهم، لولا الإرهاب بجميع أنواعه !

  • ملاحظ
    الثلاثاء 24 يناير 2017 - 03:43

    الأغلبية الساحقة من الذين التحقوا بداعش في سوريا واالعراق هم من الذين جربوا، في سن المراهقة، جميع انواع المخدرات. قبل أن يستقروا على المخدر اللأقوى وهو الإسلام الوهابي. هؤلاء هم مجرمون بالفترة. بقاءهم في أوطانهم ستعرضهم أفعالهم للسجن، وربما للإعدام. لهذا فهم يتجهون الى داعش حيث كل شيء مباح : الإغتصاب والقتل وكل الجرائم االتي ينذى لها الجبين. كذلك غير المسلمين الذين يعتنقون الاسلام، أغلبهم أشخاش ساديون، يختارون البيءة المناسبة لممارسة ساديتهم.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة