البحر أقلُّ رعبًا من الوطن

البحر أقلُّ رعبًا من الوطن
الجمعة 31 يوليوز 2026 - 21:12

“الضياع الذي لا تُفَسِّرُه البطالة وحدها”

مرة أخرى، تعود صور سبتة إلى الواجهة. عشرات، بل مئات من الشباب والقاصرين يلقون بأجسادهم في البحر، وكأنهم لا يفرون من وطن بقدر ما يفرون من شعور عميق باللاجدوى. تتكرر المشاهد، وتتكرر معها التحليلات السريعة، بطالة، فقر، تفاوت اجتماعي… وكأن اختزال هذه المأساة في بعدها الاقتصادي وحده يكفي لفهمها.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

الضياع الذي يدفع شابًا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة إلى مواجهة أمواج البحر ليس مجرد ضيق اقتصادي، بل هو حالة جماعية من فقدان المعنى. إنه شعور بأن المستقبل يوجد في مكان آخر، وأن الحياة الحقيقية تبدأ بعد اجتياز السياج أو عبور البحر.

وهنا تكمن المشكلة.

لقد حقق المغرب خلال العقدين الأخيرين إنجازات كبرى في البنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والصناعة، والاستثمارات، والموانئ، والطرق السيارة، والتحول الرقمي. وهي مكتسبات حقيقية لا يمكن إنكارها. لكن التنمية الاقتصادية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تصنع الأمل إذا لم تتحول إلى شعور جماعي بالانتماء والمشاركة والكرامة.

الشباب لا يبحث فقط عن وظيفة.

إنه يبحث عن معنى، وعن اعتراف، وعن فرصة ليكون جزءًا من المستقبل، لا مجرد متفرج عليه.

ما يحدث اليوم على حدود سبتة يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الانفعالات السياسية والإعلامية.

من السهل تحويله إلى مادة للمزايدات بين الرباط ومدريد، أو ربطه بكل محطة دبلوماسية جديدة، لكن الوقائع لا تسمح بهذه التبسيطات. حتى مع استمرار التعاون الأمني الوثيق بين المغرب وإسبانيا في إدارة الحدود والهجرة، شهدت الأيام الأخيرة موجة استثنائية من محاولات العبور، وهو ما وضع مدينة سبتة تحت ضغط كبير وأثار نقاشًا واسعًا داخل إسبانيا حول أبعاد الظاهرة.

لهذا، يبقى السؤال الحقيقي ليس لماذا عبر هؤلاء؟

بل، لماذا أصبح البحر بالنسبة إليهم أقل رعبًا من البقاء؟

هذا السؤال ينبغي أن يقلقنا جميعًا.

جيل اليوم يعيش داخل فضاء رقمي مفتوح يرى فيه أوروبا كل يوم عبر الهاتف، لكنه يرى بلده من خلال تجارب شخصية قد تكون مليئة بالإحباط. إنه يقارن نفسه بغيره في كل لحظة، ويقيس النجاح بما تعرضه الشاشات لا بما يعيشه الواقع.

هكذا يتحول الحلم إلى ضغط نفسي دائم، ويتحول الضياع إلى عدوى جماعية تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تنتشر عبر الأحياء الفقيرة.

ولعل أخطر ما في الظاهرة هو أن القاصرين أصبحوا في قلبها.

حين يصبح طفل أو مراهق مستعدًا للمخاطرة بحياته في البحر، فإننا لا نكون أمام أزمة هجرة فقط، بل أمام أزمة ثقة في المؤسسات، وفي المدرسة، وفي الأسرة أحيانًا، وفي صورة المستقبل نفسها.

إن المجتمع الذي يفقد أبناءه قبل أن يدخلوا الحياة العملية يحتاج إلى مراجعة عميقة، لا إلى حلول ظرفية.

الهجرة غير النظامية ليست مشكلة مغربية فقط، كما أنها ليست مشكلة إسبانية فقط، بل هي نتيجة تحولات عالمية يعيشها جنوب المتوسط بأكمله، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع التحولات الثقافية والنفسية والرقمية والديموغرافية، والجيواسترتيجية..

ولهذا فإن المعالجة الأمنية، رغم ضرورتها، لن تكون كافية.

كما أن خلق فرص الشغل، رغم أهميته، لن يكون وحده الجواب النهائي.

نحتاج إلى إعادة بناء الثقة.

نحتاج إلى مدرسة تُعيد إنتاج الأمل، وإعلام لا يبيع الوهم، وسياسات شبابية تجعل المواطن شريكًا في صناعة المستقبل لا مجرد متلقٍ له.

لقد أصبح الضياع شعورًا جماعيًا أكثر منه حالة فردية.

وهذا أخطر ما في الأمر.

إن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طُرُق وموانئ ومصانع، بل أيضًا بما تبنيه داخل نفوس شبابها من يقين بأن الغد يستحق الانتظار.

ولهذا، فإن ما يجري اليوم بين الفنيدق وسبتة ليس مجرد حدث حدودي عابر، بل مرآة لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، وسؤال مفتوح حول طبيعة العقد الجديد الذي ينبغي أن يربط الدولة بشبابها.

قد يكون البحر قادرًا على ابتلاع الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يبتلع الأسئلة.

والسؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم ليس:

كم شابًا سيُحاول العبور غدًا؟

بل، كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الوطن، في مخيلة بعض أبنائه، مكانًا للمغادرة أكثر منه مكانًا للبقاء؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • وهم الظل الممدود .
    الجمعة 31 يوليوز 2026 - 21:49

    يقول الأستاذ :إن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طُرُق وموانئ ومصانع، بل أيضًا بما تبنيه داخل نفوس شبابها من يقين بأن الغد يستحق الانتظار… يقول غسان كنفاني: الانتظار هو العيش في الهامش بينما تمر الحياة الحقيقية للآخرين. ويقول أحد الحكماء: أقسى ما في الانتظار ليس طول الوقت، بل إداركك المتأخر أنك كنت تنتظر وهما .

  • طريس علي
    السبت 1 غشت 2026 - 14:39

    فضية البحر أقل رعبا من الوطن موجود عند بعض الشباب عقليتهم نسالهم ماذا تريدون الاجابة يريدون اللعاقة المال وتدخين جونات مجانا من أموال آبائهم هذا واقع يكرهون التعليم عقليتهم النعاس والغش في الامتحان اقول اابعض خاصة الذكور منهم لا اعمم حتى ان بعض الأبناء يشجعون آبائهم على الغش في الامتحانات ويطلبون من حراس الامتحانات ترك الفرصة لأبنائهم للغش في الامتحانات عقلية يجب تصحيحها رغم أن طبقة فاسدة عندنا في مجتمعنا لا تريد الخير لهذا البلد

  • ملاحظ
    السبت 1 غشت 2026 - 21:04

    أتذكر أحد أفراد العائلة عندما كان في طيش الشباب، خيره والده بين إكمال الدراسة في اغلى المؤسسات و بين التخلي عن فكرة الهجرة، لكنه رفض و قرر الهجرة تحت شعار البلاد ما فيها ما يدار رغم ان المستقبل كله أمامه، و بعد مرور سنتين اصطدم بأرض الواقع ، أصبح كلما زار المغرب يكتئب عندما يقترب موعد العودة، و قال لي مرة بالحرف انا تعبت. ادرك اخيرا و بعد فوات الاوان ان البلاد فيها ما يدار.

  • ما فات الأوان .
    السبت 1 غشت 2026 - 21:12

    سنتان لا يمكن ان يقال عنها فات الأوان قد نقبل بفات الأوان إذا لم يتنبه الفتى إلى أن بلغ الاربعين، رغم أنني ضد فكرة فات الأوان لانها تحرمك حتى من متعة الحاضر الذي تعيش .

  • Mre
    الأحد 2 غشت 2026 - 15:45

    إنها خمسون ألفا من البشر التي لم تمر بشكل مفاجىء بل استمرت الحشود لساعات طوال دون أن يوقفها أحد.

صوت وصورة
المغرب والخليج في مواجهة التحديات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 19:00

المغرب والخليج في مواجهة التحديات

صوت وصورة
إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:29 3

إدريس لشكر يهنئ رئيسة الحكومة

صوت وصورة
كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 18:00 2

كيفاش تجيب شهادة الملكية أونلاين؟

صوت وصورة
أوزين: الملك يعزز مكانة المرأة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 17:00

أوزين: الملك يعزز مكانة المرأة

صوت وصورة
موقف "اليسار" من الانتخابات
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 14:32 2

موقف "اليسار" من الانتخابات

صوت وصورة
العسري والتحالف مع "البيجيدي"
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 13:51 7

العسري والتحالف مع "البيجيدي"