التأمين الإجباري بالمغرب

التأمين الإجباري بالمغرب
الثلاثاء 3 فبراير 2026 - 13:32

برنامج التأمين الإجباري عن المرض بالمغرب: تغطية واسعة وعدالة صحية مؤجَّلة

يُعدّ برنامج تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض أحد أبرز أعمدة ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب منذ سنة 2021، باعتباره آلية مركزية لضمان الحق في الصحة وتوسيع التغطية الصحية انسجامًا مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب. وقد رُوِّج لهذا البرنامج باعتباره انتقالًا نوعيًا من منطق المساعدة الظرفية إلى منطق الحق الاجتماعي القابل للإنفاذ، ومن الإحسان إلى الاستحقاق والحماية من المخاطر المالية المرتبطة بالمرض، في أفق بناء دولة اجتماعية أكثر إنصافًا.

غير أن صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025، وتخصيصه حيّزًا لتقييم هذا البرنامج، شكّل لحظة مساءلة مؤسساتية حاسمة. إذ نقل النقاش من منسوب الخطاب السياسي والإنجاز الرقمي إلى مستوى التقييم القائم على المعطيات والمؤشرات، وعلى ضوء هذا التقرير نطرح سؤال جوهريا: هل نجح برنامج تعميم التأمين الإجباري عن المرض في ضمان تغطية صحية شاملة فعلية، أم اكتفى بتوسيع الغطاء القانوني دون عدالة في الاستفادة؟

مكاسب كمية لا يمكن إنكارها:

يكشف التقرير أن البرنامج أفضى إلى تحولات مؤسساتية ورقمية مهمة. فقد ساهم في تقليص تشتت أنظمة التغطية الصحية عبر إدماج فئات كانت مقصية تاريخيًا، خاصة المستفيدين السابقين من نظام “راميد” والعمال غير الأجراء، ضمن منظومة أكثر توحيدًا يشرف عليها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وتم إرساء ثلاثة أنظمة جديدة رئيسية: “أمو–عمال غير أجراء”، “أمو–تضامن”، و“أمو–شامل”، بما أتاح توسيع دائرة المستفيدين وفق أوضاعهم الاجتماعية والمهنية واستفادتهم على قدم المساواة من الحق في الولوج الى العلاج.

وعلى المستوى الكمي، ارتفع عدد المسجلين من 26,84 مليون شخص سنة 2022 إلى 31,94 مليون سنة 2024، لترتفع نسبة التغطية الصحية القانونية من 73% إلى حوالي 87% من مجموع السكان. كما ارتفعت نفقات الخدمات العلاجية بنسبة 83% خلال الفترة نفسها، ما يعكس توسعًا ملموسًا في الولوج القانوني إلى العلاج، خاصة لدى الفئات الهشة.

غير أن هذه المؤشرات الكمية، على أهميتها، تخفي خلفها اختلالات عميقة تكشف أن توسيع نطاق التغطية القانونية لم يتحول بعد إلى حماية صحية فعلية لجميع المعاربة.

فجوة بين التغطية القانونية والواقع الصحي:

أبرز التقرير اختلالًا صارخًا في وتيرة الإدماج بين الفئات. ففي حين استهدف نظام “أمو–عمال غير الأجراء” حوالي 11 مليون شخص، لم يتجاوز عدد المسجلين فعليًا 3,27 مليون سنة 2024، أي أقل من 30% من الهدف، بسبب هشاشة الدخل وضعف القدرة على أداء الاشتراكات. في المقابل، تجاوز عدد المستفيدين من “أمو–تضامن” السقف المتوقع، ما يعكس خللًا في منطق الاستهداف ويهدد توازن المنظومة.

ورغم ارتفاع نسب التغطية، ظل أكثر من 11 مليون شخص خارج التغطية الصحية الفعلية، إما بسبب الانتماء لأنظمة لم تُدمج بعد، أو لانقطاع الاستفادة بسبب عدم أداء الاشتراكات. وهكذا يتحول الحق في الصحة إلى حق هش، قابل للتعليق، في تعارض مع مبدأي الاستمرارية وعدم التمييز.

عبء مالي لا يزال يرهق الأسر:

من أخطر ما سجله التقرير استمرار ارتفاع الأداءات المباشرة للأسر على الصحة. فالباقي على عاتق المؤمن استقر في حدود 34% سنة 2024، متجاوزًا بكثير السقف الذي توصي به المعايير الدولية (20%). وتزداد الوضعية حدة لدى المصابين بأمراض مزمنة ومكلفة، خاصة ضمن “أمو–تضامن”، حيث يتحمل المؤمنون ما يقارب نصف تكلفة العلاج.

وتتفاقم هذه الأعباء بسبب اعتماد تعرفة وطنية مرجعية متجاوزة لم تُحيَّن منذ سنة 2006، ما يجعل التعويضات بعيدة عن التكلفة الحقيقية للخدمات الصحية، ويدفع الأسر إلى تحمل نفقات إضافية غير معوضة، خاصة في المناطق القروية مثل نفقات التنقل، والايواء والأدوية والأجهزة الطبية غير القابلة للتعويض. وهنا، تصبح القدرة على الدفع وليس الضرورة الطبية هي المحدد الفعلي للولوج إلى العلاج.

تأمين صحي يمول القطاع الخاص:

يسجل التقرير أرقام جد مقلقة تبرز هيمنة شبه مطلقة للقطاع الخاص على نفقات التأمين الصحي، إذ استحوذ سنة 2024 على 91% من مجموع النفقات، مقابل 9% فقط للقطاع العام. وحتى في “أمو–تضامن” الممول من الميزانية العامة، توجه حوالي 79% من النفقات نحو المصحات الخاصة. ويعكس هذا الواقع ضعف العرض الصحي العمومي وتراجع جاذبيته، ما يحول التأمين الصحي إلى آلية تمويل غير مباشر للقطاع الخاص، بدل أن يكون رافعة لإعادة الاعتبار للمستشفى العمومي كمرفق أساسي لضمان الحق في العلاج.

هشاشة مالية تهدد الحق في العلاج:

تكشف المعطيات المالية اختلالًا مقلقًا في توازنات المنظومة. فقد نمت النفقات بوتيرة أسرع بكثير من الموارد، ما أدى إلى عجز متزايد في الأرصدة التقنية. وتبرز الهشاشة بشكل خاص في نظام “أمو–عمال غير الأجراء”، حيث لم يتجاوز معدل تحصيل الاشتراكات 37%. كما تمثل نفقات الأمراض المزمنة 57% من إجمالي النفقات، دون آليات ناجعة لضبطها.

ولا تبقى هذه الاختلالات حبيسة الحسابات، بل تنعكس مباشرة على المؤمنين، عبر تشديد شروط التعويض، وتأخر الأداءات، والحد من سلة العلاجات، ما يحول العجز المالي إلى مساس فعلي بجوهر الحق في الصحة.

من بطاقة التأمين إلى العدالة الصحية:

يؤكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن تعميم التأمين الإجباري عن المرض أرسى تغطية صحية قانونية واسعة، غير أنه لم ينجح بعد في تحقيق تغطية صحية شاملة فعلية قائمة على الإنصاف والمساواة. فامتلاك أغلب المغاربة لبطاقة التأمين لا يعني بالضرورة تمتعهم الفعلي والمنصف بالولوج إلى الحق في العلاج، إذ إن المساواة في الانخراط تخفي تمييزًا عمليًا في الاستفادة، تحكمه القدرة على الدفع والانتماء المجالي، في تعارض صريح مع المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب.

ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة إعادة تموقع منظومة التأمين الصحي باعتبارها خيارًا سياسيًا وحقوقيًا، لا مجرد إجراء تقني لتوسيع قاعدة المنخرطين. ويقتضي ذلك الانتقال من منطق التدبير الكمي للتغطية إلى منطق الحماية الصحية الفعلية، عبر تحيين التعرفة الوطنية المرجعية، وتعزيز العرض الصحي العمومي، وضمان استدامة مالية عادلة لا تُحمِّل كلفها للفئات الهشة. فنجاح التأمين الصحي لا يُقاس بعدد بطاقات التأمين الموزعة، بل بقدرة النظام على تمكين جميع المواطنين، دون تمييز، من علاج فعلي وفي الوقت المناسب. وعندها فقط يمكن الحديث عن تأمين صحي يشكّل ركيزة حقيقية للدولة الاجتماعية، لا مجرد عنوان إصلاحي واسع بثقوب اجتماعية عميقة.

-دكتور في القانون العام – جامعة ابن زهر، أكادير
باحث في السياسات الاجتماعية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • مهاجر من ألمانيا
    الخميس 5 فبراير 2026 - 10:01

    ربما الإشكالية الحقيقية التي تواجه التأمين الإجباري بالمغرب تكمن في الهرم المقلوب, حيث تفوق قاعدة الفقراء المستفيدين (المعوزين) قاعدة المساهمين و الممولين بالإضافة الى أن تكلفة العلاج مرتفعة في المغرب بسبب غلاء الدواء و المعدات الطبية التي يتم استرادها من الدول المصنعة و هذا يزيد من ثقل عبء على ميزانية الدولة التي تدفع بدلا من المواطن
    استدامة هذا الورش تتطلب انتقالا شجاعا نحو نمودج يؤدي فيه الجميع حسب استاعتهم و أن تحاول الدولة خفض تكاليف الأدوية و العلاج

  • مهاجر من ألمانيا
    الخميس 5 فبراير 2026 - 10:25

    إذا كان التأمين الصحي الإجباري في ألمانيا (بكل قوتها الإنتاجية و قاعدة مساهميها الواسعة وعملاق الصناعات الطبية) يرهق ميزانية الدولة و يجعلها في بحث مستمر عن إصلاحات, فمن السداجة الاعتقاد, بأن الأمر سيكون نزهة في المغرب.
    نحن أمام معادلة صعبة: تغطية شاملة +قاعدة فقر واسعة+استيراد كلي للمعدات الطبية و الدواء = نزيف مالي حاد

  • Lamya
    الخميس 5 فبراير 2026 - 10:58

    المشكلة في المغرب هو القطاع الغير المهيكل حيث يمثل حوالي ٣٠ % من الناتج الداخلي الخام و يشغل ملايين الأشخاص و يلجؤون الى AMO المخصص للفقراء, فصارت الدولة تدفع عن تاجر ناجح أو حرفي ميسور فقط لأنه لا يملك ورقة رسمية تثتبت دخله الفعلي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 2

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 3

لقاء خاص | هشام رحيل

صوت وصورة
الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 18:51 1

الملك يخلد ذكرى وفاة الحسن الثاني

صوت وصورة
الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 14:45 4

الزاهيدي وتقليص الفوارق المجالية

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 4

ذكرى رحيل الحسن الثاني