سيرا على تقليد بدأ أول مرة سنة 1995 كشف مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، الجمعة، عن معالم التقرير الاستراتيجي المغربي 2020/2024، الذي يعدُّ التقرير الثاني عشر ضمن التقارير الصادرة في هذا الباب، المشخّصة للواقع المغربي والمستشرِفة للمستقبل والتحديات التي يطرحها وسبل مواجهتها.
وتم الكشف عن هذا المولود الأكاديمي الجديد، بحضور أكاديميين، في رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط.

ويقع التقرير الجديد الخاص بالمركز المعروف اختصارا بـ”CERSS” في أزيد من 600 صفحة موزعة على حوالي 100 ورقة بحثية تقع في جزأين: الجزء الأول خصص للعلاقات الخارجية المغربية، والثاني يناقش الحياة السياسية الداخلية باستفاضة.
وناقش التقرير، الذي اطلعت هسبريس على مضامينه، في جزئه الأول العلاقات الديبلوماسية التي تجمع المملكة بالدول الأمريكية والأوروبية والآسيوية والمغاربية، خاصا علاقة المغرب بالمنتظم الدولي بورقات بحثية حاولت جرد أبرز مظاهرها خلال آخر أربع سنوات، معتمدا على منهجيتي التشخيص والاستشراف.
أما الجزء الثاني فحاول مناقشة أداء الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية وحركية المجتمع النقابية والحقوقية، وقارب مدى نجاعة السياسات العمومية وتقديمها حلولا خاصة بالمسائل المناخية والمجتمعية والثقافية والأمنية والرياضية كذلك.

تشخيص واستشراف
من منطلق كونه من الساهرين على إصدار هذا التقرير الاستراتيجي، قال عبد الله ساعف، أكاديمي ورئيس المركز سالف الذكر، في كلمته خلال ندوة لتقديم التقرير: “نحن أمام عمل جماعي يستوفي الشروط المطلوبة الواجب توفرها بالنظر إلى وجود حرص على الموازنة بين الأوراق البحثية، في حين سنجد أن التشخيص أخذ حيزا أكبر من الاستشراف، وهو أمر يبقى طبيعيا”.
ولفت ساعف إلى أن التقرير “يوفر أرضية للتفكير ومعلومات عن مختلف مجالات الحياة العامة بتحليله للسياسات وتشخيصه للواقع بهدف استخراج التصورات بناء على ما أتيح لنا من معلومات، على الرغم من أن إخراجه لم يكن سهلا، فقد تمت إعادة قراءته خمس مرات من قبل كبار الباحثين”.
وبين أنه “تم اعتماد قاموس مقبول ومتوازن بعيدا عن بعض القواميس التي ربما يمكن أن تمس بالمستوى”، مبرزا أن “من عناصر قوة هذا العمل اعتماده منهجية علمية دقيقة كالتي تعتمدها مراكز التفكير الدولية، على الرغم من كون مثل هذه الأعمال تحتاج إلى موارد مالية مهمة”.

أحزاب كارتيلية
في تعليقه على مضمون التقرير أوضح الأستاذ الجامعي عبد الحميد بنخطاب أن “المرحلة التي تتحدث عنها هذه الوثيقة مرحلة مهمة تزامنت مع نهاية جائحة “كورونا” وإجراء انتخابات جديدة مكنت من وضع حد للهيمنة السياسية والحزبية التي كانت واضحة، في حين صرنا أمام تحالف حكومي براغماتي بين أحزاب يمكن تصنيفها كأحزاب يمينية وسطية، تزامنا مع وجود تعددية سياسية وحزبية كذلك”.
وذكر بنخطاب أن “الأحزاب المغربية استطاعت الابتعاد عن العمل الجماهيري القاعدي لتغدو أحزابا كارتيلية يمكنها المساهمة في تدبير شؤون الدولة، وتوجهت نحو العمل الاحترافي الذي يمنحها الاستقلالية، فيما لا يزال حزب العدالة والتنمية متشبثا بالعمل الجماهيري، وباستطاعته التخلص من ذلك”، مبرزا أن “دعم الدولة للأحزاب مكنها من تبني أفكار تدبيرية للحقل السياسي بعيدا عن الأفكار النضالية”.
ولفت إلى “ابتعاد الأحزاب السياسية عن الاصطفافات الأيديولوجية، مما جعلها ذات هوية رخوة مبنية على البراغماتية والتدبير الاحترافي للشأن العمومي، فضلا عن تلاشي القطبية السياسية بين اليمين واليسار بفعل التحول الكارتيلي للمؤسسات الحزبية”، مشيرا إلى أن “التوافقات السياسية في عمقها تقتل التنافسية السياسية وتطرح شكلية الانتخابات والربح منها”.

المفروض سياسات حياتية
من منطلقه كأستاذ للعلوم للاجتماعية، ومعلقا على مضمون التقرير أبرز سعيد بنيس خلال الندوة ذاتها أن “هذه الوقائع التي تطرق إليها التقرير تؤكد على ضرورة التوجه نحو سياسات حياتية تمزج بين المادي والرمزي، وتستحضر عنصر الكرامة، ولا تحصر العيش في الماديات فقط، فيما نلاحظ وجود انتقال مغربي من سياسة الحماية إلى الحمائية التي تتجلى في تخوفات فقدان المكاسب”.
وانتقد بنيس “الانتقال المجتمعي من الريع المادي إلى الريع الديجيتالي موازاة مع الحظوة الرقمية الجديدة التي خلَفَت الحظوة الاجتماعية التي كانت سائدة، خصوصا خلال فترة الجائحة”، مسجلا “تلاشي الطبقة المتوسطة وانسجام خطابها مع خطاب الطبقة الفقيرة، ووجود احتباس في القيم المجتمعية بما يطرح الحاجة إلى تكاثف الجهود للوصول إلى المواطنة الإيجابية”.
ولفت إلى “وجود عزوف عن الثقافة موازاة مع العزوف السياسي، واستمرار التعامل مع التظاهرات الثقافية بلغة الأرقام عوضا عن اعتماد منطق التحبيب”، ليعود في ختام مداخلته للإشارة إلى “خطورة المواطنة والكراهية الافتراضيتيْن بما يستوجب التفكير في إنشاء معهد للعلوم الاجتماعية وأهمية التعويل على الجامعة كمنصة للاستشراف الاستراتيجي”.

مرجع للإعلاميين
كآخر المتدخلين، تحدث عبد اللطيف بنصفية، مدير المعهد العالي للإعلام والاتصال، عن “أهمية التقرير الاستراتيجي المغربي في ظل مجتمع التواصل وإمكانية غدوه مرجعا للإعلاميين، خصوصا في القضايا التي تهم العلاقات الخارجية للمملكة”، طارحا مجموعة من التساؤلات حول “جودة بعض التغطيات الإعلامية لموضوع القضية الوطنية”.
ولفت بنصفية إلى “أهمية أخذ الإعلاميين، علميا ومنهجيا، بمراجع أكاديمية كالتقرير الاستراتيجي المغربي لأن افتقارهم إلى تصورات ومعلومات حول القضية الوطنية الأولى والنشاط السياسي والحزبي ومسألة السياسات العمومية لا يمكنه أن يقدم معلومات سليمة للقراء”، مبرزا “أهمية تكوين الطلبة الصحافيين في هذا الإطار، خصوصا بالنسبة للقضية الوطنية”.
كما بيّن “مدى كون التقرير يوفر قاعدة معلومات مرجعية أساسية باستحضار كونه نتاجا لعمل فريق شاب وباحثين لديهم تجربة، إلى جانب تحقيقه للاتقائية لفائدة الإعلاميين الباحثين عن المعلومات الكافية لفهم المنطلقات والسياقات على اعتبار أنه يقدم معلومات عن مختلف القطاعات وكل ما يتطلبه العمل الإعلامي”.
من الضروري تشجيع مثل هذه البحوث العلمية التي تحاول أن تعتمد منهجية واقعية تشمل الحاضر والمستقبل لتصبح هذه الدراسات مرجعية لكل الباحثين في علم الاقتصاد، الاجتماع، السياسة والثقافة، وللاعلاَيين أيضا.
في رأيي يجب على المغرب أن يقوم بتسريع ترميم الكثير من الأمورالاي تتطلب الأولوية في الداخل بالموازاة مع توطيد علاقاته مع الدول الأوروبية والأمريكية والأسيوية والمغاربية .